
احتضنت الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت، حدثاً موسيقياً استثنائياً جمع بين المهارة الأكاديمية والذاكرة الفنية اللبنانية. الحفل الذي حمل عنوان “إشراقات النغم”، دعت إليه رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس، وقدمته الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية وكورال المدرسة الأهلية بقيادة المايسترو أندريه الحاج، في تحية موسيقية لاستذكار إرث الأسطورة الراحلة صباح.
افتتحت الحفل المستشارة الإعلامية في الكونسرفتوار ماجدة داغر، وألقت كلمة باسم رئيسة المعهد، الدكتورة هبة القواس، جرى فيها تسليط الضوء على أهمية الحفلات التكريمية والاستعادية لكبار الموسيقى والغناء في لبنان، وعلى ضرورة الحفاظ على الإرث الموسيقي الغني الذي يمثلونه. وأشارت داغر إلى حفلات مماثلة سبق وقام بها المعهد كتحية لعباقرة الموسيقى في لبنان. وقالت إن هذا النوع من الحفلات مدرج على برنامج المعهد وسيقدم في لقاءات لاحقة. ورحبت بكورال المدرسة الأهلية الذي يحل ضيفاً على الحفلة.
ثم كانت كلمة لمديرة المدرسة الأهلية السيدة رضا عياش شكرت فيها رئيسة المعهد الدكتورة القواس لإتاحة هذه الفرصة الكبيرة لطلاب الكورال ليؤدوا إلى جانب الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق عربية. وعرضت عياش لمسيرة الكورال العريقة ودور المدرسة الأهلية في تكريسها منصة تربوية فنية هادفة للغناء الجماعي.
قدمت الأوركسترا الوطنية نموذجاً رفيعاً في الاحترافية الموسيقية، واتسم أداؤها بالانضباط والمهارة في تنفيذ الجمل اللحنية، حيث نجح المايسترو الحاج في تقديم إعداد موسيقي متوازن، حافظ على هوية الألحان الشرقية مع إضفاء مساحة من الثراء الأوركسترالي الذي يبرز إمكانات العازفين اللبنانيين.
كان دور الأوركسترا جلياً في تحويل الأغنيات الشعبية والتراثية التي اشتهرت بها “الشحرورة” إلى مقطوعات فنية تخضع للمعايير الأكاديمية، مما منح العمل صبغة من الرقي الفني الذي يجمع بين الأصالة والتحديث.
شكل حضور كورال المدرسة الأهلية، تحت إشراف وتدريب الأستاذ طارق قاطرجي، إضافة نوعية للأمسية. هذا التعاون الفني يعكس الشراكة بين المؤسسات التعليمية العريقة والكونسرفتوار الوطني. فتميز الكورال بصفاء المخارج الصوتية والهارموني الجماعي، رغم صغر سنّ أعضائه، وهو ما يعكس المنهجية التي تتبعها المدرسة الأهلية منذ تأسيسها عام 1936 في صقل المواهب وتنمية ثقافة الغناء الجماعي. وقد نجح الكورال في مرافقة الأوركسترا بمرونة عالية، وتوازن في الأداء. فالأصوات الفتيّة والطفولية أعطت للأغاني حيويةً جديدة، بينما منحتها الأوركسترا الوطنية العمق التاريخي.
تضمن البرنامج باقة مختارة من أرشيف الصبوحة، غطت مراحل زمنية مختلفة وتعاونات مع كبار الملحنين والشعراء، وكانت البداية مع مقطوعة “بعد سنة” لأندريه الحاج، وبرز في البرنامج التنوع اللحني الذي صاغه مبدعون أمثال: الأخوين رحباني وفيلمون وهبة من خلال أغنيات مثل “يا أمي دولبني الهوى” و”ع الندى الندا” و”مرحبتين”، وروميو لحود الذي حضرت بصمته في “بكرة بتشرق شمس” و”رقصة الفرمان”، ومحمد عبد الوهاب وملحم بركات في أعمال عكست الطرب اللبناني الأصيل، ووليد غلمية وإيلي شويري في المقطوعات الوطنية مثل “قلعة كبيرة” و”تعلا وتتعمر”.
وأظهر توزيع الأدوار بين الآلات الشرقية (كالعود والقانون والناي) وبين الوتريات والكورال، قدرة الأوركسترا الوطنية على تقديم التراث بأسلوب “الكونسيرت” الاحترافي. ولم يقتصر الحفل على كونه استعادة لإرث الشحرورة الغني، بل كان مهرجاناً موسيقياً غنائياً أضاء على الأصالة وعلى المدرسة الموسيقية اللبنانية التي صنعها عباقرة الموسيقى.
خُتمت الأمسية بمختارات غنائية لصباح، تركت انطباعاً لدى الجمهور بجودة التنفيذ الموسيقي وأهمية استمرار هذه المبادرات التي توثق الإرث الفني بأسلوب علمي وفني متقن. تبقى “إشراقات النغم” شهادة حية على دور المعهد الوطني للموسيقى في الحفاظ على ريادة لبنان الثقافية، وعلى دوره كرسالة وفاء لزمن العمالقة، وتأكيداً على أن الفن في لبنان يتجدد بفضل جهود مؤسسات كالمعهد الوطني العالي للموسيقى. فكان اللقاء عناقاً موسيقياً مكّن الحضور من استعادة صوت “صباح” والوطن، ليبقى صدى هذه الليلة دائماً في البال.
#الكونسرفتوار_الوطني #المعهد_الوطني_العالي_للموسيقى_الكونسرفتوار #lebanese_national_higher_conservatory_of_music #LNHCM #HibaAlKawas #هبة_القواس #LNHCM #lebanese_national_orchesta_for_arab_oriental_music #LOO #الأوركسترا_الوطنية_للموسيقى_الشرق_عربية #أندريه_الحاج #arabicmusic





