الخطاب الصيني من التوطين إلى العولمة:
تحليل الانعكاسات الاستراتيجية لكُتب الرئيس الصيني "شي جين بينغ" حول الحكم والإدارة

د. خديجة عرفة
رئيس الإدارة المركزية للتواصل المجتمعي-
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار- مجلس الوزراء المصري
خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي شهدت القضية الفلسطينية زخمًا غير مسبوق؛ حيث شكلت المنظمة الدولية ساحة لحشد الدعم للقضية الفلسطينية من خلال المؤتمرات التي عُقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة أو الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، ليعقب ذلك مؤتمر شرم الشيخ، والذي تم فيه توقيع اتفاق إنهاء الحرب في قطاع غزة كنِتاج لهذا الزخم الدولي. وقد أثار ذلك تساؤلًا بشأن مصير الأمم المتحدة ودورها في إطار منظومة الحوكمة العالمية.
ففي وقت شهد فيه العالم تراجعًا متعمدًا في وضع المنظمات الدولية وأهميتها، مع حالة من التراجع في مستوى التعاون الدولي مؤسسيًّا، وغياب إرادة سياسية دولية لحل العديد من الأزمات الدولية السياسية والأمنية والاقتصادية، مترافقًا ذلك مع لحظة اهتزاز فيما يخص منظومة القيم العالمية وإدارة العلاقات بين الدول وغلبة ازدواجية المعايير، دافعت الصين عن أهمية إصلاح “منظومة الأمم المتحدة” في إطار رؤية أشمل للحوكمة العالمية، حيث أكد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أهمية إصلاح الأمم المتحدة في إطار رؤية أشمل بشأن التنظيم الدولي وحوكمة المؤسسات العالمية.
وفي هذا السياق، يؤكد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أهمية النظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي، والتنظيم الدولي ومركزه الأمم المتحدة؛ إذ تؤكد الصين الدور المحوري للأمم المتحدة، كمركز للنظام العالمي، في تحقيق السلام في مناطق العالم المختلفة، لذا تدعو الصين إلى إصلاح الأمم المتحدة؛ لتكون أكثر تعبيرًا عن أصوات ومصالح الدول النامية، مع أهمية أن تراعي في عملها التوازن بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، مع ضمان العدالة والإنصاف لدول جنوب العالم في التعبير عن أصواتها، وتوافر الآليات العادلة لحماية وتعزيز مصالحها.
ومن الأهمية بمكان النظر إلى رؤية الرئيس الصيني بشأن إصلاح منظومة الأمم المتحدة والحوكمة العالمية في إطار الرؤية الصينية الأشمل، وهي رؤية عبّر عنها الرئيس الصيني في العديد من الخُطب والكلمات المهمة التي تم تجميعها في سلسلة من المجلدات بعنوان “شي جين بينغ: حول الحكم والإدارة”.
هذه المجلدات لا تمثل تجميعًا لخُطب وكلمات الرئيس الصيني فحسب، ولكنها تقدم رؤية الصين حول الحكم والإدارة في إطارهما الأوسع والأشمل؛ حيث قدمت رؤية استراتيجية شاملة مع إعادة تقديم مفاهيم الحكم والتنمية، ورؤية بشأن العلاقات الدولية وفقًا للنموذج الصيني الخاص. فعلى مدار عقود قدّمت الصين رؤيتها الخاصة وفقًا لنموذجها الخاص بالتنمية والحكم، وفي ظل ما حققته الصين من نجاحات في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، انتقلت الصين من التوطين إلى العولمة، عبر طرح العديد من الرؤى الشاملة بشأن حل المشكلات العالمية، حيث تقدم الصين رؤية استراتيجية شاملة بشأن العديد من القضايا المحورية عالميًّا كالحوكمة والتنمية والأمن وغيرها، لتطرح في هذا السياق مفهومها الخاص لكل منها بما يعكس الخصوصية الصينية، وارتباط ذلك بالحضارة الصينية القديمة، مع الانتقال من الداخل إلى الخارج في إطار تقديم تصور أشمل بشأن العديد من المشكلات العالمية عبر تشخيص عميق للتحديات العالمية وتحديد أدق لآليات مواجهتها.
تعكس هذه الرؤية قناعة بوجود مسؤولية والتزام لدى الصين كدولة تمتلك حضارة عميقة، ذات تجربة تنموية فريدة، لديها مسؤولية والتزامات دولية في إطار شعور بالمصير المشترك. إذ تقدم الصين نموذجًا جديدًا ليس في الداخل فحسب ولكن للعالم أيضًا. وبذلك فإن فكر “شي جين بينغ” للاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد” أصبح هو الجوهر العقائدي الذي يُصاغ منه التحديث الصيني والأهداف الأمنية والوطنية”.
ومن واقع القراءة في خُطب الرئيس الصيني “شي جين بينغ” حول الحكم والإدارة يمكن الإشارة إلى عدة حقائق على النحو التالي:
-العمق الاستراتيجي: تمثل تلك المجلدات إطارًا فكريًّا متكاملًا بحيث تعبر عن فلسفة الصين في الحكم والإدارة، وهي الفلسفة التي نجحت في حل العديد من المشكلات التي واجهتها البلاد. وتؤكد الأرقام ذلك. وبالنظر إلى محاور الخطاب السياسي للرئيس الصيني “شي جين بينغ” فقد تطرقت إلى قضايا واقعية ومشكلات حقيقية تواجهها دول العالم بدرجات متفاوتة، مثل: التنمية، والإصلاح، ومكافحة الفساد، والبيئة، والعلاقات الدولية وغيرها. كما أنها تتجاوز الرصد والتحليل وتحديد الأسباب وراء انتشار تلك المشكلات لتقديم حلول واقعية للعديد منها.
-الشمولية: بانطلاقها من التوطين إلى العولمة، قدمت الصين مفهومها الأكثر شمولية ممثلًا في “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” وتستند الرؤية الصينية لـ “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”، إلى خمسة عناصر، هي: التعددية، وأهمية التعاون المربح للجانبين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتنمية المشتركة، والتنمية الخضراء.
-الخصوصية: في ضوء الاستخدام المزدوج للمفاهيم، وفي مقدمتها المفاهيم ذات الطبيعية القيمية كالديمقراطية وحقوق الإنسان وكذلك التوظيف السياسي للمفاهيم ذات الطبيعة الإنسانية كالتدخل الدولي الإنساني والأمن الإنساني والعقوبات التنموية وغيرها، ومع المحاولات الغربية المستمرة لفرض رؤيتها ومفاهيمها الخاصة ـــــ تقدم الرؤية الصينية إعادة تعريف للعديد من المفاهيم في مجال الحوكمة وحقوق الإنسان وغيرها، بما يعكس الخصوصية الصينية، وذلك انطلاقًا من ضرورة تفسير المفاهيم في ضوء خصوصية كل مجتمع، مع رفض فرض منظومة قيمية أو مفاهيمية على الآخرين. ومن أبرز تلك المفاهيم “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”؛ حيث تؤكد الصين الطابع الخاص لكل مجتمع في طرحه لمفاهيمه ونُظمه القيمية.
-الانطلاق من الخاص إلى العام: نجحت الصين على مدار عقود في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة لتنطلق نحو تقديم حلول للمشكلات العالمية، وبذلك تقدم الصين رؤيتها كقوة حضارية حققت مستويات مهمة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية تسعى لتحقيق الأمن والتنمية عالميًّا عبر التعاون لا الصراع، وذلك من خلال تحقيق التنمية المستدامة والمنفعة المشتركة بدلًا من التبعية والهيمنة. وهو ما يُشكل تحولًا استراتيجيًّا في رؤية الصين للداخل والعالم، فبدلًا من التركيز على الداخل، حدث تحول نوعي في الخطاب السياسي الصيني كخطاب عالمي يسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي وفقًا لقواعد عادلة ومنصفة.
وفي هذا السياق، لا توجه القيادة السياسية الصينية خطابها للداخل فحسب، وإنما للخارج أيضًا. كما أن الأمر لم يتوقف عند حد تشخيص المشكلات العالمية فحسب، ولكن تقديم حلول عملية لتلك المشكلات استنادًا إلى رؤية أعمق وتشخيص أدق للمشكلات وحلول واقعية قابلة للتطبيق.
-الإعلاء من القيم والحضارة الصينية: انطلق خطاب الرئيس الصيني “شي جين بينغ” من القيم الصينية الكونفوشيوسية بما يعكس الامتداد التاريخي، وفي الوقت نفسه عدم الانفصال عن الواقع.
-الموازنة بين اعتبارات المصلحة الوطنية والمسؤولية الدولية: تعكس رؤية الرئيس الصيني “شي جين بينغ” التركيز على المصلحة الصينية وحماية مصالح الصين في الداخل والخارج، ولكنها على الجانب الآخر لا تتجاهل التزامات الصين كدولة كبرى مسؤولة في النظام الدولي، لديها التزامات نحو تحقيق التنمية في الأماكن والمناطق المختلفة في العالم، وبما يعكس التزام الصين بتحقيق التنمية والأمن الإنساني. وبذلك يعكس الخطاب السياسي رؤية الصين كدولة مسؤولة في النظام الدولي لا تسعى للهيمنة.
وتُعد الموازنة بين اعتبارات المصلحة الوطنية والمسؤولية الدولية إحدى الإشكاليات المحورية، من خلال اتجاه متزايد لتجاهل الالتزامات والمسؤولية الدولية، مع التركيز على المصالح الوطنية في إطار منظور ضيق للمصلحة الوطنية يُعلي من الوطنية والحمائية بدلًا من تعزيز التعاون والاعتماد المتبادل.
-الثنائيات المتكاملة: مزجت الرؤية الصينية بين العديد من الثنائيات؛ فمن ناحية، ورغم التأكيد على أهمية ودور القوة الصلبة بمفهومها الشامل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق التنمية الحقيقية وحماية مصالح الدولة، فإن الرؤية الصينية أكدت أهمية القوة الناعمة للدول في تعزيز وحماية مصالحها وبشكل يكمل ويعزز تأثير القوة الصلبة.
ومن ناحية ثانية، فعلى الرغم من دور القيادة السياسية في تقديم رؤيتها بشأن إدارة السياسة العامة للدولة، فإن الانسجام بين القيادة والشعب تبلّور بشكل واضح من خلال رؤية القيادة الصينية حول الحكم والإدارة.
وفي ظل الدور المهم لمؤسسات الحكم في تنفيذ رؤية الدولة، إلا أن المؤسسات لا يمكنها العمل بمعزل عن منظومة قيمية حاكمة.
وإذا كان هذا الخطاب في جزء مهم منه موجهًا للداخل الصيني، إلا أنه لم يتجاهل الخارج أيضًا؛ ليؤكد أن الصين تقدم نموذجًا مغايرًا يمكنه الجمع بين التنمية والاستقرار.
أما عن الانعكاسات الاستراتيجية لما ورد في كُتب الرئيس الصيني “شي جين بينغ” حول الحكم والإدارة، فيمكن توضيح عدة نقاط على النحو التالي:
-الدعم الدولي غير المسبوق: في ضوء ما طرحه الرئيس الصيني “شي جين بينغ” من العديد من المبادرات ذات الطبيعة العالمية، وفي ظل ما تمثله من امتداد لما حققته الصين من نجاحات داخليًّا، وكون تلك المبادرات ترتبط بتحديات حقيقية يواجهها العالم، فقد حظيت تلك المبادرات بدعم دولي كبير سواء كان ذلك عبر المستويات الثنائية أو متعددة الأطراف، وذلك في ظل قناعة بمحورية الرؤية الصينية كشريك موثوق.
على أن أحدث زخم حظيت به تلك المبادرات تجلّى في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سبتمبر 2025؛ فوفقًا لإعلان “تيانجين” دعت الدول الأعضاء إلى عدد من المبادرات التي تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقات الدولية والحوكمة العالمية. تشمل هذه المبادرات الدعوة إلى تعزيز التعاون في بناء نوع جديد من العلاقات الدولية بروح الاحترام المتبادل والعدالة والمساواة، وصياغة رؤية مشتركة لفكرة بناء مجتمع مشترك للبشرية جمعاء، وتطوير الحوار حول مفهوم “أرض واحدة، عائلة واحدة، مستقبل واحد”. كما دعت الدول الأعضاء المجتمع الدولي للانضمام إلى مبادرة المنظمة “من أجل وحدة عالمية، من أجل عالم عادل ووئام وتنمية”. وفي الإطار الأوراسي، أشارت الدول الأعضاء إلى أهمية مبادرة إعداد ميثاق أوراسي للتنوع والتعددية القطبية في القرن الحادي والعشرين، كما أشارت إلى المبادرة الرامية إلى اعتماد قرار خاص للجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان “عقد تعزيز السلام للأجيال القادمة”. بحيث دعمت الدول الأعضاء الرؤية الصينية بشأن الحوكمة والتنمية.
-تجاوز الرؤية الضيقة للعلاقات الدولية: خلال القمة الأخيرة لمنظمة شنغهاي للتعاون اقترح الرئيس الصيني “شي جين بينغ” مبادرة الحوكمة العالمية، داعيًا الدول إلى التعاون بتناغم من أجل بناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلًا وإنصافًا. وهو ما نفتقده في عالم اليوم من غياب منظومة عادلة غير متحيزة للحوكمة العالمية. وتُعد مبادرة الحوكمة العالمية هي الرابعة التي يطرحها “شي جين بينغ” خلال السنوات الأخيرة، بعد مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية. وقد حدد الرئيس الصيني خمسة مبادئ أساسية لهذه المبادرة، وهي: الالتزام بالمساواة في السيادة، والالتزام بسيادة القانون الدولي، وممارسة التعددية، واعتماد نهج يركِّز على الشعب، والتركيز على اتخاذ إجراءات عملية ملموسة.
وقد أشار الرئيس الصيني إلى أن الاتجاهات التاريخية نحو السلام والتنمية والتعاون والمنفعة المتبادلة لا تزال قائمة، إلا أن عقلية الحرب الباردة، والهيمنة، والحمائية ما زالت تؤثر في المشهد الدولي، في ظل تصاعُد التهديدات والتحديات الجديدة. مؤكدًا أن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق جديد في مسار الحوكمة العالمية، خاصة أن عام 2025صادف الذكرى الثمانين للنصر في الحرب العالمية ضد الفاشية وتأسيس الأمم المتحدة، مشددًا على أهمية حماية مكانة الأمم المتحدة وسلطتها، وضمان استمرار دورها المحوري الذي لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة الحوكمة العالمية.
وتقوم الرؤية الصينية على عدم استبعاد أي طرف، حيث أكد الرئيس الصيني أن الدول كافة بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها، تُعد مشاركًا وصانع قرار ومستفيدًا متساويًا في الحوكمة العالمية، محذرًا من المعايير المزدوجة، وفرض القواعد الداخلية لبعض الدول على المجتمع الدولي بأسره. كما دعا إلى بذل جهود مشتركة لمعالجة التحديات العالمية، وتقليص الفجوة بين الشمال والجنوب، وحماية المصالح المشتركة للدول كافة.
-التوافق مع مبادئ الأمم المتحدة: في ظل الضغوط التي يواجهها التنظيم الدولي والتراجع في مستويات التعاون الدولي المؤسسي، يدافع الرئيس الصيني “شي جين بينغ” عن التنظيم الدولي، مؤكدًا أهمية أن تتوافق المبادرات المطروحة مع مبادئ الأمم المتحدة. وقد تزامن طرح تلك الرؤية مع مرور ثمانين عامًا على إنشاء الأمم المتحدة؛ مما يمثل فرصة ملائمة لتقييم نظام الحوكمة العالمية وإصلاح ما يعتريه من مشكلات وبما يستجيب لتطلعات شعوب جنوب العالم.
هذا وتُحدد مبادرة الحوكمة العالمية خمسة مبادئ أساسية تشكّل الإطار النظري والمنهجي للحوكمة العالمية العادلة والفعالة:
- الالتزام بالمساواة في السيادة: يُعدّ هذا المبدأ الركيزة الأساسية؛ حيث يؤكد على الحقوق المتساوية لجميع الدول في المشاركة في الشؤون الدولية بغض النظر عن قوتها، ويدعو إلى إنهاء هيمنة الدول الغربية على عملية صنع القرار العالمي.
- الالتزام بالقانون الدولي: يمثل الضمانة المعيارية للحوكمة، ويشدد على أن القواعد والمعايير الدولية يجب أن تكون مشتركة، تُصاغ وتُطبق بشكل جماعي، دون إملاء قواعد استثنائية من طرف واحد.
- التعددية: تُشكّل التعددية المسار الأساسي للحوكمة، وتستدعي التنسيق والتعاون المشترك بين الدول كبديل لنهج الأحادية القسرية.
- النهج المُركّز على الإنسان: تمثل هذه القيمة جوهر الحوكمة، وتهدف إلى تحويل التطلعات الشعبية نحو حياة أفضل إلى واقع عالمي يتمتع فيه الجميع بالرخاء والرضا.
- إجراءات فعلية: يُعدّ مبدأً عمليًّا، يؤكد أن نجاح الحوكمة يُقاس بالنتائج الملموسة في الممارسة، مع إيلاء اهتمام خاص لمعالجة القضايا الملحة التي تواجه البلدان النامية.
وبذلك يتوافق الإطار المفاهيمي للمبادرة مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويهدف إلى تعزيز الدور المحوري للأمم المتحدة في الشؤون الدولية وتطوير آلياتها لتواكب متطلبات العصر.
-المنفعة المتبادلة: من الانعكاسات الاستراتيجية المهمة للرؤية الصينية بشأن التنمية على المستوى العالمي التأكيد على أهمية المنفعة المتبادلة، والنموذج الأبرز في هذا الشأن مبادرة الحزام والطريق، كمبادرة تنموية عالمية، حيث تعمل الصين على ضمان مواءمة مبادرة الحزام والطريق مع استراتيجيات التنمية الوطنية للدول الأعضاء، وكذلك مع مبادرات التعاون الإقليمي الأخرى مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وتهدف المبادرة إلى بناء نوع جديد من العلاقات الدولية يقوم على التعاون المربح للجانبين، وذلك بالتركيز على احترام الاختلافات الثقافية، وإيجاد مصالح مشتركة، والاستفادة المثلى من المزايا النسبية لكل دولة. ويسمح هذا التقارب ببناء تفاعلات إيجابية وخلق ظروف مواتية للتكامل الاقتصادي والانفتاح. ففي مواجهة الرؤى الغربية القائمة على الأحادية والحمائية وصراع الحضارات وتفوقها، تؤكد مبادرة الحزام والطريق العديد من المبادئ المتمثلة في احترام التنوع الثقافي، والشمولية، والتعلم المتبادل، والتبادل الحضاري، وتعزيز الروابط بين الشعوب، وتسهم هذه القيم في تعميق الثقة السياسية المتبادلة، والتعاون الاقتصادي القائم على المنفعة المتبادلة، والتنسيق الأمني بين الدول؛ مما يُعزز بناء مجتمع المصير المشترك.
وتؤكد الصين دور هذا التعاون والتطوير في البنية التحتية على التنمية الاقتصادية في الدول المُشاركة في المبادرة، وتُشير الأرقام إلى أن تجارة الصين مع الدول الواقعة على مسار الحزام والطريق ارتفعت بنسبة 19.4% عام 2022 مقارنة بالعام السابق، إذ وقّعت الصين اتفاقيات تعاون مع 151 دولة و32 منظمة دولية.
-إعادة موقع الصين عالميًّا: تقدم الرؤى الاستراتيجية المطروحة في كُتب “شي جين بينغ” حول الحكم والإدارة رؤية متكاملة بشأن قضايا التنمية والحوكمة، والتي تحظى بقبول عالمي، وذلك استنادًا إلى طبيعة الرؤى المطروحة وتقديمها تشخيصًا دقيقًا للمشكلات العالمية وحلولًا للتطبيق، ولكن الأهم وجود ثقة في الرؤية الصينية، حيث تقدم الصين رؤية تنموية قائمة على الاحترام المتبادل للمصالح والمنفعة المتبادلة بعيدًا عن التبعية والهيمنة السياسية، وهو ما يميزها مقارنة بالنموذج الغربي. وبذلك أعادت التأكيد على وضع الصين كدولة مسؤولة في النظام الدولي، وما زال هناك تعويل أكبر على الصين خاصة في ظل المبادرات الصينية المتعلقة بالتعاون بين دول جنوب العالم.
-المصير المشترك: الرؤية الصينية مفادها أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لبناء نفوذ مستمر، وأن الخطاب الثقافي والرؤية الفكرية الأداةُ الأهم لترسيخ ونقل هذا التصور للآخرين، وذلك في قناعة صينية بوجود مصير مشترك بين البشرية؛ فعلى الرغم من وجود قدر تشاركيّ في التحديات، فإن هناك مسؤولية وخاصة على الدول الكبرى والنماذج الناجحة؛ لنقل تجاربها وتعزيز التنمية المشتركة بما يفيد الجميع. على أن التأكيد على المصير المشترك للبشرية، جعل هناك قبولًا متزايدًا على المستوى العالمي للأفكار والمبادرات الصينية؛ إذ يحظى الطرح الصيني بقبول واسع عالميًّا.
-التركيز على آليات التنفيذ: يرتبط بالانعكاسات الاستراتيجية لرؤية الرئيس الصيني
“شي جين بينغ” أن الرؤى المطروحة تتسم بأنها تتجاوز البُعد الفكري والفلسفي لتنتقل إلى الجانب التطبيقي، وأحد أهم الأمثلة لذلك مبادرة الحزام والطريق، وفيما يتعلق بالجسر البري الأوراسي كأحد الممرات البرية ضمن مبادرة الحزام والطريق، ففي الوقت الحالي يربط الجسر بين أكثر من 100 مدينة في 11 دولة آسيوية وما يزيد على 227 مدينة في 25 دولة أوروبية، حيث يبلغ طول السكك الحديدية بين الصين وأوروبا نحو 11 ألف كم.
–المنظور الشامل للأمن: وذلك في إطار المراجعة الفكرية لمفهوم الأمن بأبعاده العسكرية في فترة ما بعد الحرب الباردة والجدل المثار بشأن طبيعة وأبعاد مفهوم الأمن، والتي ارتكزت على تعميق وتوسيع المفهوم التقليدي للأمن، وقد ارتكز تعميق مفهوم الأمن على محاولة إضافة الأفراد، والإقليم، والنظام الدولي كوحدات للتحليل بدلًا من الدولة، أما توسيع مفهوم الأمن فقد انصبَّ على جعل مفهوم الأمن يتسع ليشمل قضايا الاقتصاد والبيئة والمجتمع بحيث طرحت مفاهيم الأمن البيئي، والأمن الاجتماعي، والأمن الاقتصادي.
ورغم ما حظي به الزخم الأكاديمي من اهتمام دولي متزايد خلال تلك الفترة، حتى أن العديد من الدول تبنت مفاهيم مثل الأمن الإنساني كأحد محاور سياستها الخارجية، فإن المؤشرات الراهنة توضح تراجع هذا الاهتمام والزخم نحو التركيز على المفاهيم العسكرية والمنظور الضيق للأمن.
على الجانب الآخر، تتمسك الصين بمنظور شامل للأمن يجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية وغيرها.




