رأيعلى طريق الحرير

الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية..

شراكة من نوع جديد

لُجين سليمان:Author

لم تحمل الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية التي أقيمت في بكين يومي 17 و18 من شهر نوفمبر دلالات اعتيادية فحسب، وإنما أيضا إشارات عميقة؛ إذ بات واضحا أن العلاقات العربية- الصينية تدخل مرحلة جديدة من التعاون. فإلى جانب مجالات التعاون التقليدية، سواء الاقتصادية أو الأكاديمية أو العلمية، يبرز اليوم نوع مختلف من الشراكة يقوم على فكرة جديدة مؤداها أن لكل دولة مسارها التنموي الخاص المنبثق من ظروفها الوطنية، ولكل شعب خياراته التي تناسبه، وحين يتخذ الخيار الصحيح يصبح تقديم المساعدة أمرا ممكنا وفعالا. وهو ما يذكر بالمثل الصيني: “في جنوب نهر هوايخه ازرعوا البرتقال، وفي شماله ازرعوا النارنج (البرتقال المر).” وهو ما يعني أن البيئة تؤثر في طبيعة الأشياء؛ فما ينجح في مكان قد يفشل في مكان آخر، وما يصلح لشخص أو ظرف قد لا يصلح لغيره، وهو ما تدعو إليه الصين في معظم الخطابات السياسية التي توجه إلى دول “الجنوب العالمي”، إذ تتم الدعوة إلى أن تجد كل دولة طرقها التنموية الخاصة بها.

هذه الفكرة تمثل تحولا مهما. لقد اعتادت الدول العربية، ولا سيما الدول النامية منها، العمل ضمن معادلات تقليدية مفادها أن الأمن يقدم مقابل الامتيازات الاقتصادية، وأن الاستقرار السياسي يشترط بقبول الانفتاح والليبرالبة الاقتصادية. وبذلك كانت علاقة التنمية مرهونة دائما بمتطلبات خارجية لا تنبع من أولويات الشعوب نفسها، وفقا للطريقة الغربية. وهي معادلات لبت في أحسن الأحوال الحاجات الأولى للإنسان، أي الأمن، لكنها لم تشبع متطلبات التنمية الشاملة، وحتى الأمن وفقا لتلك المعادلة كان أمنا هشا قائما على توازن قوى خارجية فينهار الأمن بمجرد انهيار حالة التوازن. وقد يثار التساؤل هنا: أين يكمن الدور الصيني في هذا المسار الجديد؟

وهو ما يأخذنا إلى مفهوم “العصر الجديد” في العلاقات الصينية- العربية؛ فعلى الرغم مما يحمله هذا العصر من اضطرابات وتأثيرات على الدول الهشة، فإنه يقدم فرصا حقيقية لمن يحسن استغلاله، وهو ما فعلته الصين عندما استغلت تحدياتها وحولتها إلى فرص. يقوم النموذج الصيني على الاحترام المتبادل وتبادل الخبرات، وليس على فرض الوصاية أو التبعية الفكرية. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن تبادل الخبرات في إدارة شؤون الدولة واستكشاف طريق التحديث. فرغم اختلاف الظروف التاريخية بين التجربتين الصينية والعربية، فإنهما تلتقيان في الطموح ذاته: تحقيق تنمية مستقلة وصون السيادة الوطنية في عالم سريع التحول. قدمت الصين خلال العقود السبعة الماضية نموذجا مميزا في الحكم والإدارة؛ يجمع بين قيادة مركزية قوية وتخطيط إستراتيجي بعيد المدى، مع التركيز على الاستقرار باعتباره شرطا للتنمية. ولم تعتمد الصين طريق التحديث الغربي القائم على التنافس السياسي، بل بنت نموذجا يقوم على الانسجام بين الدولة والمجتمع، ورؤية ترى أن التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر وبناء البنية التحتية هي أساس العدالة الاجتماعية، لا مجرد نتائج لها. وقد نجحت في نقل مئات الملايين من الفقر إلى الرفاه بفضل إدارة دقيقة للموارد وحوكمة صارمة وتوجيه السياسات نحو المصلحة العامة. وليس هذا النجاح معجزة، بل ثمرة نظام مؤسسي طويل النفس، يقوم على التراكم والمرونة وتصحيح الأخطاء دون هدم التجربة.

في المقابل، خاضت الدول العربية تجارب متنوعة بعضها في الإدارة والآخر في التنمية، إلا أن هذه التجارب، مهما تنوعت، واجهت ولا تزال تواجه تحديات كبيرة داخلية وخارجية، وهو ما يجعل الحوار مع الصين ضرورة إستراتيجية، ليس لنقل التجربة وإنما من أجل توطينها بما يناسب كل دولة. إن تبادل الخبرات الصينية- العربية في إدارة شؤون الدولة واستكشاف طريق التحديث هو مشروع طويل الأمد، يقوم على الإيمان بأن لكل أمة خصوصيتها، لكن التحديات المشتركة يمكن مواجهتها عبر خبرات مشتركة أيضا. وعندما يلتقي العقل الصيني العملي مع الروح العربية الإنسانية، تتشكل ملامح طريق جديد نحو تحديث متوازن وإنساني يعيد الاعتبار لفكرة أن الحضارات لا تتصادم، بل تتكامل.

فالتجارب لا تنسخ، بل تفهم وتستخلص قيمها المشتركة لبناء طريق خاص يجمع بين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. والأمم التي خرجت من الألم تعرف أهمية التواصل الحضاري في بناء بيئة تنموية. فالصين، التي نهضت بعد معارك مريرة اعتمادا على ذاتها، تمد اليوم يد التعاون للدول الأخرى، مجسدة المثل الصيني: “لا تفعل للآخرين ما لا تريد أن يفعلوه بك.”

لُجين سليمان، باحثة في مجال العلاقات الصينية- العربية.

عضو مجلس ادارة الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى