الصين: حين تتحول التكنولوجيا إلى خطاب دولة ورسالة إلى العالم

لم يكن ظهور الروبوتات الراقصة في حفل عيد الربيع الصيني مجرد فقرة استعراضية عابرة في برنامج ترفيهي ضخم تنتجه وتبثه سنوياً مجموعة الصين للإعلام ويتابعه مئات الملايين داخل الصين وخارجها. في بلد تُقرأ فيه الرموز بعناية، لم يكن المشهد تفصيلاً تقنياً أو لحظة إبهار عابرة، بل أقرب إلى بيان سياسي-ثقافي مكثّف، صيغ بلغة الفن والحركة والإيقاع، وحُمّل بدلالات تتجاوز حدود المسرح إلى فضاء التحولات الكبرى التي تعيشها الصين.
مصنع العالم
عيد الربيع في الوعي الصيني ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل لحظة وطنية جامعة تختلط فيها العائلة بالدولة، والتقاليد بالمعاصرة، والذاكرة بالمستقبل. في هذه الليلة، تُعرض صورة العام المنصرم وتُرسم إشارات العام المقبل. لذلك، فإن إدخال الروبوتات إلى هذا الفضاء الرمزي لا يمكن قراءته بوصفه عرضاً تكنولوجياً فحسب، بل كإدراج للتكنولوجيا في صميم السردية الوطنية الحديثة. الصين لم تعرض آلة تتحرك بإتقان، بل عرضت مساراً تاريخياً متراكماً، ومسألة هوية تتشكل على إيقاع التحول العلمي.
على مدى أربعة عقود، انتقلت الصين من اقتصاد زراعي واسع إلى “مصنع العالم”، متقنةً فن التصنيع واسع النطاق، ومتمركزة في قلب سلاسل التوريد العالمية. غير أن هذا الدور، رغم ضخامته، لم يكن نهاية الطريق. فمع تسارع الثورة الرقمية واشتداد المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة، بات واضحاً أن المرحلة المقبلة لا تُحسم بحجم الإنتاج، بل بنوعية الابتكار. من هنا بدأ التحول البنيوي: من الكثافة العمالية منخفضة الكلفة إلى التصنيع الذكي عالي القيمة، ومن اقتصاد يعتمد على وفرة اليد العاملة إلى اقتصاد تقوده الخوارزميات والبحث العلمي.
الروبوت الذي يرقص على المسرح هو نتيجة هذا التحول. خلف حركته المتزامنة تكمن منظومة كاملة من المختبرات والجامعات والشركات الناشئة والعملاقة، واستثمارات طويلة الأمد في مجالات التحكم الحركي، والرؤية الحاسوبية، والتعلم الآلي، والتكامل بين البرمجيات والميكانيك الدقيقة. إنه ثمرة استراتيجية وطنية هدفت إلى تقليل الاعتماد على التقنيات الأجنبية وتعزيز القدرة الذاتية. لذلك بدا المشهد وكأنه إعلان غير مباشر بأن الصين لم تعد فقط تنتج السلع، بل تنتج التكنولوجيا التي تصنع المستقبل.
خيار استراتيجي متجذر
في سياق التنافس التكنولوجي العالمي، حيث تتصاعد القيود على تصدير الرقائق المتقدمة وتشتد المواجهة حول سلاسل الإمداد الحساسة، حمل العرض رسالة هادئة ولكن واضحة. من دون خطاب صدامي، قُدمت صورة تقول إن مسار التطوير مستمر، وإن الابتكار ليس رد فعل مؤقتاً على الضغوط، بل خياراً استراتيجياً متجذراً في البنية الاقتصادية والسياسية. التكنولوجيا هنا ليست مجرد أداة تنافس، بل عنصر من عناصر السيادة الوطنية.
الأهم أن الروبوتات لم تظهر في عرض عسكري أو معرض صناعي متخصص، بل في حفل فني شعبي. هذا الاختيار بحد ذاته يحمل دلالة عميقة. فالتكنولوجيا لم تُعرض كرمز للقوة الصلبة فقط، بل كجزء من الحياة اليومية والثقافة العامة. هي حاضرة في المسرح كما في المصنع، في الاحتفال كما في المختبر. بهذا الدمج بين الحداثة التقنية والرمزية الثقافية، يتجسد ما تطرحه القيادة الصينية، برئاسة شي جين بينغ ، تحت عنوان “التحديث الصيني النمط” و”التنمية عالية الجودة”؛ أي تحديث لا يقطع مع التقاليد، بل يوظفها إطاراً جامعاً للنهضة.
المشهد أيضاً يعكس ثقة متنامية بالنموذج الصيني في إدارة التحول. فبدلاً من الفصل بين الماضي والمستقبل، جرى وضع الروبوتات داخل فضاء احتفالي تقليدي، في إشارة إلى أن التقدم لا يعني القطيعة، بل إعادة تأويل التراث في ضوء المعاصرة. الروبوت الراقص يتحول هنا إلى استعارة بصرية: حركة منضبطة، تقدم محسوب، تناغم بين العقل البرمجي والجسد الميكانيكي، كما تريد الدولة أن تُرى في مسارها التنموي.
واقع يتشكل الآن
من زاوية دولية، بدا العرض وكأنه خطاب موجه إلى العالم بوسائل غير تقليدية. فبدلاً من المؤتمرات الاقتصادية أو البيانات السياسية، اختارت الصين المسرح الشعبي لتقول إن موقعها في النظام العالمي يتغير. لم تعد مجرد حلقة في سلاسل الإنتاج العالمية، بل لاعباً يسعى إلى صياغة قواعد جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع المتقدم. الرسالة لم تُكتب على لافتة، لكنها قُرئت في إيقاع الحركة ودقة التنسيق.
لم تكن الرقصة هي الحدث بحد ذاته، بل السياق الذي احتواها. كانت صورة مختصرة لتحول أوسع: من اقتصاد يعتمد على كثافة اليد العاملة إلى اقتصاد يقوده الابتكار، ومن موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمطور لها. وفي ليلة يشاهدها العالم بأسره، اختارت الصين أن تقدم رسالتها بصمت وثقة: إن المستقبل الذي تتحدث عنه ليس وعداً نظرياً، بل واقعاً يتشكل الآن، على مسرح مفتوح وأمام جمهور عالمي.




