رأي

المبادرات الصينية: رؤية جديدة لعالم أكثر توازناً وعدلاً

 

منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، برزت الصين، ليس فقط كقوة اقتصادية صاعدة؛ بل كصاحبة مشروع فكري وإنساني متكامل لإعادة صياغة العلاقات الدولية على أسس جديدة. وعبر سلسلة من المبادرات الكبرى التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، سعت بكين إلى بناء إطار شامل للتعاون العالمي يقوم على التنمية، والأمن، والحوار الحضاري، والحوكمة المنصفة. لم تعد الصين تكتفي بأن تكون “مصنع العالم”؛ بل أرادت أن تكون شريكاً في رسم ملامح المستقبل الإنساني المشترك.

أولاً: الحزام والطريق – من الجغرافيا إلى الجسور الإنسانية
في العام 2013، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، لتصبح لاحقاً واحدة من أكبر المشاريع التنموية في التاريخ المعاصر. لم يكن الهدف من هذه المبادرة مجرد إنشاء طرق وسكك حديدية وموانئ؛ بل إعادة إحياء روح طريق الحرير القديم الذي جمع الشعوب بالحوار والتجارة والتبادل الثقافي.
عبر أكثر من 150 دولة شريكة، باتت المبادرة منصة عالمية للتنمية المشتركة تسعى إلى تقليص الفجوة بين الشمال والجنوب، وتمكين الدول النامية من بناء بنىً تحتية حديثة تُسهم في نموها الاقتصادي وتكاملها الإقليمي. وفي جوهرها، تعبّر “الحزام والطريق” عن رؤية صينية تقول إن التنمية لا يجب أن تكون امتيازاً لدول محددة؛ بل حقاً عالمياً يحقق الازدهار للجميع.

ثانياً: مبادرة التنمية العالمية – العدالة في توزيع ثمار التقدم
في أيلول/ سبتمبر 2021، أطلق الرئيس شي مبادرة “التنمية العالمية” خلال اجتماعات الأمم المتحدة، لتؤكد من جديد التزام الصين بدعم أجندة التنمية المستدامة للعام 2030. تسعى المبادرة إلى معالجة الخلل البنيوي في النظام الاقتصادي الدولي الذي جعل مئات الملايين من البشر خارج دائرة النمو، بالرغم من وفرة الموارد والتقدم التكنولوجي.
تركّز الصين في هذه المبادرة على تعزيز التعاون في مجالات الصحة والتعليم والابتكار الأخضر ومكافحة الفقر، مع منح الأولوية للدول النامية التي تعاني من الهشاشة الاقتصادية. وفي جوهرها، تعبّر المبادرة عن فلسفة ترى أن التنمية لا تكون حقيقية ما لم تكن شاملة، وأن ازدهار العالم لا يمكن أن يتحقق على حساب تهميش الآخرين.

ثالثاً: مبادرة الأمن العالمي – الأمن المشترك بدلاً من التحالفات الضيقة
في العام 2022، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة “الأمن العالمي”، التي جاءت استجابة لتزايد التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة بين القوى الكبرى. ترتكز هذه المبادرة على مبدأ “الأمن غير القابل للتجزئة”، بمعنى أن أمن أي دولة لا يمكن أن يُبنى على انعدام أمن الآخرين. فهي دعوة لإعادة تعريف مفهوم الأمن ليكون تعاونياً لا تصادمياً.
فبدلاً من التحالفات العسكرية والانقسامات الأيديولوجية، تدعو الصين إلى الحوار السياسي واحترام السيادة الوطنية، وحل النزاعات عبر الوسائل السلمية. بهذه الرؤية، تقدم بكين بديلاً حضارياً عن منطق القوة، وتسعى إلى بناء نظام أمني عالمي أكثر استقراراً واتزاناً.

رابعاً: مبادرة الحضارة العالمية – التنوع بديلاً للهيمنة القيمية
العام 2023 شهد إطلاق مبادرة “الحضارة العالمية”، وهي تتويج لرؤية فكرية تؤكد أن التعدد الثقافي مصدر إثراء، وليس تهديداً. ترى الصين أن الحوار بين الحضارات هو الطريق الأمثل لبناء الثقة المتبادلة، وأن محاولات فرض نماذج ثقافية أو سياسية موحدة على جميع الشعوب تمثل شكلاً جديداً من الهيمنة.
تدعو المبادرة إلى الاحترام المتبادل بين الحضارات، والتعلم المتبادل بينها، ورفض “صدام الحضارات” الذي ساد الخطاب الغربي لعقود. تقدّم رؤية تجعل من الثقافة جسراً للتعاون لا أداة للانقسام ومن الحوار وسيلة لتصحيح الصور النمطية، وتعميق الفهم الإنساني المتبادل.

خامساً: مبادرة الحوكمة العالمية – نحو نظام دولي أكثر عدلاً وتعددية
ضمن سلسلة مبادراتها، تطرح الصين أيضاً رؤيتها للحوكمة العالمية، القائمة على مبدأ “التعددية الحقيقية”، لا الشكلية. فالنظام الدولي الذي وُضع بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قادراً على التعبير عن مصالح جميع الشعوب؛ إذ يكرّس هيمنة قوى محددة على القرار الاقتصادي والسياسي العالمي.
تؤكد الصين أن إصلاح منظومة الحوكمة لا يعني نسفها؛ بل تحديثها بما يتلاءم مع واقع عالم متعدد الأقطاب. وهذا الإصلاح لا بد أن يضمن تمثيلاً أكبر للدول النامية في المؤسسات الدولية، ويعزز العدالة في اتخاذ القرار وتوزيع الموارد، بما يحقق التوازن بين الحقوق والمسؤوليات.

نحو مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية
تجتمع هذه المبادرات الخمس تحت سقف فكري واحد هو “رؤية المجتمع ذي المصير المشترك للبشرية” التي تُعد حجر الزاوية في فكر الرئيس شي جين بينغ. ليست شعاراتٍ سياسية؛ بل مشروعاً أخلاقياً يسعى إلى إعادة تعريف معنى القوة في العلاقات الدولية، حيث تصبح التنمية بديلاً عن الهيمنة، والتعاون بديلاً عن الصراع، والاحترام المتبادل بديلاً عن الإقصاء.
الصين لا تطرح نفسها بديلاً عن أحد؛ بل شريكاً يسعى لبناء عالم أكثر توازناً وعدلاً، عالمٍ يحترم حق الشعوب في الاختلاف كما يؤمن بوحدتها في مواجهة التحديات المشتركة: من الفقر إلى التغير المناخي، ومن الأمن الغذائي إلى السلام العالمي.
بهذه الرؤية، تعيد الصين الاعتبار للإنسان في زمنٍ فقدت فيه السياسات الكثير من إنسانيتها، وتقدم نموذجاً جديداً للحضارة، لا يقوم على الغزو أو الإملاء؛ بل على الشراكة، الحوار والتقدم المشترك.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى