رأيعلى طريق الحرير

توارث روح تشنغ خه في العصر الجديد

 

هناء لي ينغ:Author
في عام ألف وثلاثمائة وواحد وسبعين الميلادي، وُلد ما خه الذي حمل في طفولته اسم ما سان باو وعُرف فيما بعد باسم تشنغ خه، لعائلة من قومية هوي، في فترة أسرة مينغ (1368- 1644م). اشتهر تشنغ خه في العالم بفضل الإنجازات الرائعة التي حققها في تاريخ التبادلات الحضارية الإنسانية. من روح الريادة والتقدم لأسطول تشنغ خه إلى تحمل الصين مسؤوليتها كدولة كبيرة في العصر الحديث، تقدم الأمة الصينية فلسفتها الملاحية المتمثلة في العدالة والسلام وحسن الجوار، وتساهم بحكمتها في الحضارة البحرية للبشرية. كما قالت المؤرخة الأمريكية لويز ليفاثيس، إن أسطول تشنغ خه في أوائل القرن الخامس عشر يعد أعجوبة في تاريخ الملاحة بالعالم، من حيث حجمه ومعداته وقدرته على التنظيم، ولم يظهر نظير له حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وتجسد الرحلات البحرية الاستكشافية السبع التي قادها إلى غربي المحيط الهادئ والمحيط الهندي، الحكمة الفائقة والشجاعة الخارقة للأمة الصينية وروحها العظيمة المتمثلة في تحدي المتاعب والأخطار والجرأة على التقدم والعزيمة القوية. اليوم، ما زالت روح تشنغ خه تحفز جيلا بعد جيل من الصينيين على تحويل مفهوم الملاحة السلمية من كتب التاريخ إلى الواقع، ومواجهة الوضع الدولي الراهن الشديد التعقيد بالتناغم والشمول، للعمل مع شعوب العالم على تنمية وحماية الموارد البحرية ومواصلة كتابة مآثر طيبة لحسن الجوار.

تايتسانغ.. حيث أبحر أسطول تشنغ خه

تايتسانغ مدينة تابعة لمدينة سوتشو في مقاطعة جيانغسو، يحدها نهر اليانغتسي شرقا ومدينة شانغهاي جنوبا. عرفت بأنها موطن الأكفاء، وبأن حقولها خصبة ومحاصيلها وافرة، فكانت تسمى بـ”صومعة الحبوب الإمبراطورية”. قبل ستمائة وعشرين عاما، قاد تشنغ خه أكبر أسطول في العالم منطلقا من ميناء ليوجياقانغ في تايتسانغ، ليكتب فصلا عظيما في تاريخ الملاحة على طول طريق الحرير البحري. لقد جعل من تايتسانغ شاهدة ومشاركة مهمة في بناء الحضارة البحرية الصينية القديمة.

وقد نجحت إستراتيجية النهضة الريفية العميقة التي تنتهجها تايتسانغ في السنوات الأخيرة، في بناء “تايتسانغ الذهبية في مناطق جنوبي نهر اليانغتسي الغنية” في العصر الجديد، وأبرز سمة لها هي “المدينة داخل الحقول والحدائق داخل المدينة”. وباعتبارها مكانا مهما يحمل ثقافة تشنغ خه، أقامت تايتسانغ الدورة الأولى لمهرجان الملاحة في عام 2003، سعيا إلى تعظيم روح تشنغ خه المتمثلة في الانفتاح والاستكشاف والجرأة على الممارسة. في عام 2005، وافق مجلس الدولة على جعل الحادي عشر من يوليو كل عام “يوم الملاحة الصيني”، من أجل تخليد ذكرى مساهمات ومآثر تشنغ خه وغيره من البحارة الصينيين القدماء، وأيضا لتشجيع الصينيين المعاصرين على توارث روح تشنغ خه والانخراط في التنمية البحرية. من خلال إقامة سلسلة من الفعاليات، يتم تعميم علم الملاحة ومعارف العلوم البحرية، وتهيئة أجواء تجعل المجتمع بأسره يهتم بالتنمية البحرية ويدعمها، والعمل على تعزيز الصداقة بين الصين والدول الأخرى، ودفع تطور صناعة الملاحة واستغلال الموارد البحرية.

قبل الذكرى السنوية السادسة والسبعين لتأسيس القوات البحرية لجيش التحرير الشعبي الصيني، رست السفينة “تشنغ خه” للقوات البحرية الصينية في رصيف رونخه بميناء تايتسانغ في صباح الحادي والعشرين من إبريل عام 2025، لإقامة فعاليات يوم مفتوح هناك. دخلت هذه السفينة الخدمة منذ السابع والعشرين من إبريل عام 1987، وهي أول سفينة تدريب للملاحة في أعالي البحار للقوات البحرية الصينية، وتتحمل مهام التدريب البحري للمعاهد والمدارس التابعة للقوات البحرية. علاوة على ذلك، تلعب هذه السفينة دور سفير الصداقة، فقد زارت أكثر من ثلاثين دولة ومنطقة في ثلاثة محيطات وست قارات في العالم، وبلغت المسافة البحرية التي قطعتها أكثر من 570 ألف ميل بحري، ما يعادل الدوران حول الكرة الأرضية ستة وعشرين مرة. من بين سفن القوات البحرية الصينية، حققت السفينة “تشنغ خه” أرقاما قياسية من حيث طول المسافات التي قطعتها ومدة الزيارات وعدد الموانئ التي مرت بها. إنها نافذة مهمة لعرض صورة القوات البحرية الصينية. في فعاليات اليوم المفتوح، أتيح لعامة الناس التجول على متن السفينة وتجاذب أطراف الحديث مع ضباط وأفراد القوات البحرية، وتعلم صنع العقدة البحرية وإسعاف الجرحى، بما يسهم في دمج المهارات العسكرية المتخصصة في دروس التوعية الحيوية حول الدفاع الوطني.

في يومي السابع والثامن من يونيو عام 2025، افتتحت مسابقة السفن الشراعية لكأس “ملاحة تشنغ خه” في حديقة تيانجينغهو بمدينة تايتسانغ، حيث شارك فيها نحو 150 لاعبا من جيانغسو وشانغهاي وتشجيانغ وآنهوي وغيرها من المقاطعات والمدن، ومن بينهم لاعبون محترفون لديهم تجارب وافرة وهواة يافعون وشباب يمتلكون قوة كامنة غير محدودة. تحدى هؤلاء الأعاصير والأمواج العاتية، وقدموا عرضا رياضيا مائيا تحت الأمطار، فجسدوا روح تشنغ خه على نحو كامل، وعززوا تأثير مدينة تايتسانغ في مجال الثقافة الرياضية، باعتبارها مدينة ساحلية مفعمة بالحيوية.

تقع حديقة تشنغ خه في منطقة التنمية بميناء تايتسانغ. تبلغ مساحتها 122 هكتارا، وتتميز بأسلوب معماري يعكس التاريخ والثقافة لملاحة أسطول تشنغ خه مع الاندماج مع مفهوم التصميم الحديث لعرض مآثر رحلات تشنغ خه. أبرز وأشهر موقع سياحي في الحديقة هو متحف تشنغ خه الذي تبلغ مساحته 2300 مترا مربعا، ويعرض ثقافة ملاحة تشنغ خه من مختلف الزوايا وخاصة مزايا تايتسانغ كونها الموقع الذي انطلقت منه رحلات تشنغ خه. بفضل التقنيات البصرية والضوئية المتقدمة في الصين، تمتع الزوار بتجربة غامرة لرحلات تشنغ خه إلى غربي المحيط الهادئ والمحيط الهندي التي استمرت نحو ثلاثين سنة.

بناء دولة قوية بحريا

يعد تشنغ خه رائدا في نشر الثقافة البحرية في تاريخ العالم، وقد عزز التبادلات السياسية والثقافية والاقتصادية والتجارية بين الصين ودول آسيا وأفريقيا، ودفع حضارة طريق الحرير البحري الصيني إلى قمة المجد. لم يكن أسطول تشنغ خه قوة للغزو أو النهب في أي مكان وصل إليه، بل نقل دفء الحضارة الصينية من خلال الحرير والخزف، ونشر بذور التعاون من خلال التقنيات الزراعية ومعارف الملاحة، وشيد جسرا بين مختلف الحضارات من خلال الاحترام والمساواة. إن جوهر روح تشنغ خه هو التعايش السلمي والانفتاح والشمول والتعلم المتبادل والاستفادة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والفوز المشترك.

البحر “كنز أزرق” للكرة الأرضية، ويحتوي على موارد وافرة ومجالات واسعة للتنمية. في العصر الحالي، أصبح الاقتصاد البحري ركيزة مهمة للتنمية الاقتصادية الوطنية، وترتبط حماية الحقوق والمصالح البحرية بسيادة وأمن الوطن. والصين دولة بحرية وملاحية كبيرة، وتزداد نسبة مساهمة الاقتصاد البحري في إجمالي الناتج المحلي سنويا، ويحتل الشحن البحري والموانئ والمصايد وبناء السفن واستخراج البترول البحري وغيرها من الصناعات مكانة مهمة للغاية في الاقتصاد الوطني والتنمية الاجتماعية. في العصر الجديد، تتوارث الصين روح تشنغ خه وتعظمها لدفع تنمية الملاحة واقتصادها البحري.

لم يكن نجاح رحلات تشنغ خه منفصلا عن دعم التقنيات الملاحية المتقدمة حينذاك. في السنوات الأخيرة، عززت الصين استثماراتها في تطوير العلوم والتكنولوجيا البحرية، وخاصة التقنيات الرئيسية لرفع المستوى العلمي للصين في استخراج الموارد البحرية وحماية البيئة البحرية والنقل البحري. مثلا، نجحت الغواصة “فندوتشه” الصينية المأهولة لأعماق البحار المطورة محليا، في إكمال عمليات البحوث العلمية وتجاوز عمق غوصها عشرة آلاف متر في خندق ماريانا، أعمق خندق طبيعي في العالم في غربي المحيط الهادئ، في أكتوبر عام 2020، مما يوفر للصين دعما قويا للبحوث العلمية واستكشاف الموارد في أعماق البحار. وفي يوليو عام 2025، نجحت أول عملية لتزويد السفن بوقود الأمونيا الخضراء في العالم، لتحل الأمونيا محل نحو 91% من استهلاك السفينة من الوقود الأحفوري. ويمثل هذا الإنجاز الرائد خطوة حاسمة في إزالة الكربون من الشحن العالمي، ويضع نموذجا قابلا للتطوير لأنظمة الوقود الأخضر في جميع أنحاء العالم.

ثقافة الملاحة جزء مهم من الثقافة البحرية، تحتوي على روح الشجاعة والاستكشاف والتضامن. من خلال إقامة نشاطات مختلفة حول ثقافة الملاحة، مثل المعارض والندوات الأكاديمية ومسابقات المعارف البحرية والمخيمات الصيفية ومسابقات الأشرعة، تعمل الصين على تعميم معارف الملاحة وتحفيز حماسة الناس لاستكشاف البحر، وخاصة تعزيز محبة واحترام وتقدير اليافعين والشباب للبحر، وبذل الجهود في إعداد أكفاء متخصصين في علم الملاحة.

مواصلة كتابة مآثر لحسن الجوار

لا تعد رحلات تشنغ خه عملا جليلا للملاحة فحسب، وإنما أيضا سفر دبلوماسي يدعو إلى السلام. تمسك أسطول تشنغ خه بمفهوم “التشارك في سعادة السلام”، وأسس علاقات متساوية وودية مع الدول الأخرى، وقدم مساهمات مهمة في سلام وتنمية العالم. في جنوب شرقي آسيا، ساعد تشنغ خه المحليين على مقاومة القرصنة لحماية السلام والاستقرار المحليين. وفي أفريقيا، شهد الحرير والخزف وغيرهما من المنتجات الصينية التي حملها أسطول تشنغ خه إقبالا حارا من قبل الشعوب المحلية، مما عزز التبادلات الاقتصادية والثقافية بين الصين ودول أفريقيا.

اليوم، ما زال الناس في إندونيسيا وماليزيا يتذكرون بامتنان وحنين تشنغ خه. وفي ملقا، تلقى فاكهة ليتشي التي أدخلها أسطول تشنغ خه إليها من الصين والمشروبات المصنوعة منها ترحيبا كبيرا، ويشرب الزوار الماء العذب من “بئر سان باو” كأنهم يشربون مع تشنغ خه في أسرة مينغ. ويسمى جبل سان باو بـ”جبل الصين” أيضا، وكان محطة تموين لأسطول تشنغ خه، واستوطن عدد متزايد من الصينيين في هذه المنطقة بعد فترة أسرة مينغ. بالإضافة إلى معبد سان باو وشارع تشنغ خه وشارع جيتشانغ وقاعة تشنغ خه الثقافية وغيرها من المواقع السياحية التي يتجلى فيها تأثير تشنغ خه.

رسا أسطول تشنغ خه عدة مرات في سانباولونغ، في الشاطئ الشمالي لجزيرة جاوا في إندونيسيا، فأنشأ المحليون منطقة سانباودونغ التي تطورت إلى مجمع بنايات للمعابد بالأسلوب المعماري الصيني. في ساحة أمام قاعة سانباودونغ، ينتصب تمثال تشنغ خه حاملا خريطة، حيث يأتيه السياح من أنحاء العالم للتعبير عن احترامهم للبحار العظيم وتمنياتهم للسلام والصداقة. وفي الثلاثين من الشهر السادس حسب التقويم القمري الصيني، ينظم الإندونيسيون من الأصول الصينية نشاطات تذكارية ضخمة للاحتفال بذكرى رسو أسطول تشنغ خه في سانباولونغ، ويشارك فيها عدد كبير من السياح.

يخبرنا تاريخ رحلات تشنغ خه أن الانفتاح والتعاون هما السبيل لتحقيق التنمية المشتركة، ويتجسد توارث روح تشنغ خه في مشروعات التعاون في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، مثل السكة الحديدية بين جاكرتا وباندونغ في إندونيسيا ومشروع الطاقة الكهروضوئية العائمة والطاقة الكهرومائية المتكاملة لسد سيريندهورن في تايلاند والسكة الحديدية بين مومباسا ونيروبي والطريق العام بين لوكيتشار ولودوار في كينيا، وقد حسنت هذه المشروعات معيشة المحليين وأضافت قوة محركة جديدة للتنمية الاقتصادية المحلية.

قصة رحلات أسطول تشنغ خه إلى غربي المحيط الهادئ والمحيط الهندي هي تراث ثقافي رائع للأمة الصينية، كما أنها كنز مشترك للبشرية جمعاء. وستظل صور رفع أشرعة السفن في البحار المتلاطمة الأمواج تشجعنا على الوقوف في طليعة العصر وتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية. يتناوب مد وجزر البحر لأكثر من ستمائة سنة، ولا تتوارى صور أشرعة أسطول تشنغ خه في التاريخ، بل تتحول إلى منارة بحرية ترشدنا إلى طريق السلام والتنمية للعالم، وتحفزنا على كتابة أساطير جديدة في المسيرة الجديدة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى