مركز الدراسات الصيني- العربي للإصلاح والتنمية..
من "قرار التأسيس" إلى "منصة فكرية" حصاد عقد وآفاق ما بعد 2025

د. جعفر كرار أحمد
لم تعد الشراكات الدولية في عالم اليوم تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات، بل بقدرة الأطراف على بناء “لغة مشتركة” لفهم التنمية وإدارة الدولة وتبادل الخبرات، بعيدا عن الصور النمطية والوساطات الإعلامية العابرة. في هذا السياق يبرز مركز الدراسات الصيني- العربي للإصلاح والتنمية بوصفه تجربة مختلفة: مؤسسة تتقدم خطوة على الدبلوماسية التقليدية، لتضع المعرفة والتدريب والبحث والترجمة في قلب العلاقة بين الصين والعالم العربي، وتحول الحوار من مستوى المجاملات إلى مستوى السياسات العامة وأسئلة الإصلاح والتحديث.
بدأت فكرة المركز من أعلى نقطة في هرم القرار السياسي الصيني، عندما أُعلن عنه في يناير 2016 في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، ضمن رؤية تربط بين التنمية والاستقرار، وترى أن مواجهة التحديات الإقليمية لا تكون بالأمن وحده، بل بتعزيز قدرات الدولة، وتبادل الخبرات في الحكم الرشيد، وتوسيع آفاق التعاون الإنساني والثقافي. ومن اللافت أن الرئيس شي جين بينغ قدم الفكرة منذ لحظتها الأولى بعبارة مباشرة وواضحة: “ستنشئ الصين مركز الدراسات الصيني- العربي للإصلاح والتنمية”، بما يعني أن المشروع لم يطرح كفعالية عابرة، بل كبنية مؤسسية مقصودة تدار بعقل طويل النفس. هذه الجملة القصيرة في تقديرنا تحمل دلالتين مهمتين: الأولى أنها “قرار قيادة”، لا مجرد مقترح أكاديمي، والثانية أن الإعلان عنها في فضاء عربي رسمي يمنحها شرعية مشتركة ومعنى شراكة، لا معنى مبادرة أحادية الاتجاه.
وبعد أقل من عام ونصف، انتقلت المبادرة من “وعد سياسي” إلى بناء مؤسسي حين دشن المركز رسميا في شانغهاي في إبريل 2017 داخل جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، في صيغة تجمع بين الخبرة الأكاديمية والوظيفة الدبلوماسية، وتستند إلى شراكات داخل الصين تشمل جهات رسمية وتعليمية ومحلية.
لم يكن اختيار شانغهاي تفضيلا جغرافيا؛ فالمدينة تعد رمزا حيا لمسار الإصلاح والانفتاح، وتجربة الإدارة الحضرية والاقتصاد العالمي في الصين. وبذلك يصبح المركز، بحكم موقعه، مساحة “تجريبية” يرى فيها الزائر العربي ليس فقط خطابا عن التنمية، بل نموذجا ماديا من المدن والمؤسسات والحوكمة المحلية، يمكن مشاهدته ومناقشته واختبار دروسه. ومن جهة أخرى، فإن وجود المركز داخل جامعة متخصصة في اللغات والعلاقات الدولية يمنحه قدرة نادرة على العمل الثنائي اللغة، وإنتاج مواد معرفية قابلة للتداول بين جمهورين مختلفين في الثقافة والسياق السياسي.
ومع مرور السنوات، لم يبق المركز مجرد إطار تدريبي، بل تطورت مكانته في الخطاب السياسي الصيني نفسه. ففي يوليو 2018 وضع المركز في دائرة التقييم الرئاسي المباشر، حين قال شي جين بينغ إن المركز “يعمل بصورة جيدة”، واعتبره “منصة فكرية” لتبادل خبرات الإصلاح والانفتاح والحكم وإدارة الدولة، ثم قدم توجيها صريحا بأن المركز ينبغي أن “يُكبَّر ويُقوَّى” ليقدم للجانبين “دعما فكريا” أكبر. ثم جاء إدراجه في ديسمبر 2022 ضمن مسار “حوار الحضارات” في القمة الصينية- العربية الأولى ليمنحه بعدا إضافيا: فالتعاون المعرفي لم يعد مجرد تدريب تقني، بل جزء من بناء تصور متبادل حول الدولة والمجتمع والقيم والمعنى الأخلاقي للتنمية. وفي مايو 2024 ظهر توجيه أكثر طموحا وتحديدا: “توسيع حجم وتأثير” المركز ضمن شبكة منصات للتبادل الإنساني والثقافي، بما يضعه في قلب هندسة أوسع تتضمن تحالفات لمراكز الفكر والجامعات وبرامج للشباب ومبادرات ثقافية متبادلة، مع أفق سياسي مهم يتمثل في التحضير للقمة الصينية- العربية الثانية المرتقبة في عام 2026.
هذا الوزن السياسي لم يبق في مستوى “العناوين”، بل انعكس في طريقة تقديم المركز رسميا وفي الإشادات التي أحاطت به. فمنذ التدشين، جرى وصفه في التقديم الصيني بأنه “نافذة مهمة” لتعميق التبادل بين الصين والدول العربية في مجالات الإصلاح والتنمية وبناء القدرات، وهو توصيف يشرح كيف ترى المؤسسات الصينية وظيفة المركز: قناة عملية للتواصل مع النخب العربية، بلغة الخبرة والتنمية لا بلغة الاستقطاب. وفي المقابل، لم يستقبل المركز عربيا بوصفه واجهة بروتوكولية، بل كإضافة عملية؛ فقد نُقل عن رئيس لجنة السفراء العرب في بكين أن إنشاءه يمثل “آلية جديدة” لتعميق التبادل في ميادين الإصلاح والتنمية، وهو تعبير يعكس تقديرا عربيا لفكرة “المأسسة” نفسها، ولإمكانية نقل الحوار إلى مستوى أكثر مهنية وملموسية.
على الأرض، تتجسد هوية المركز في تعدد وظائفه، فهو يعمل عبر منصات تجمع بين بناء القدرات وإنتاج المعرفة وصناعة الشبكات. في مجال التدريب وحده، تشير حصيلة عقد كامل إلى تنظيم 27 دورة دراسية شارك فيها أكثر من 631 مسؤولا عربيا على مستويات قيادية رفيعة، وتنوعت الدورات بين برامج متعددة الأطراف تضم عدة دول عربية، ودورات مخصصة لدولة واحدة، وأخرى تستهدف الدبلوماسيين العرب المقيمين في الصين. كما تنوعت موضوعاتها عبر أربعة مجالات واسعة: السياسة والدبلوماسية، الثقافة والتعليم، التنمية الاقتصادية، والحكم والإدارة. هذه الأرقام لا تعني “كمّا” فحسب، بل تعكس محاولة بناء مجتمع مهني صيني- عربي صغير لكنه متراكم، ينقل النقاش من العموميات إلى ملفات الإدارة العامة والتخطيط والاقتصاد والتحول المؤسسي.
والأهم أن التدريب، وفق روح التجربة، لا يُراد له أن يكون محاضرات مغلقة، بل خبرة مشاهدة واحتكاك؛ فالدورات الأولى منذ عام 2017 ضمت مشاركين من دول عديدة، واعتمدت على المحاضرات والزيارات الميدانية والحوارات مع مؤسسات صينية، بما يجعل “التجربة الصينية” مادة قابلة للمساءلة والنقاش، لا مجرد وصف نظري. وهذا الجانب بالذات يمنح المركز قيمة إضافية للعرب: فبدل قراءة النموذج الصيني عبر وسائط بعيدة، يصبح بالإمكان ملامسته عبر مؤسسات ومدن وسياسات وممارسات إدارية، ثم مقارنته بالسياقات العربية بما فيها من اختلافات وتحديات.
لكن المركز لا يقف عند التدريب؛ فمنتدى الإصلاح والتنمية الذي يقيمه المركز يوسع الدائرة من “متدربين” إلى “مشاركين في نقاش السياسات”. هنا يتحول التبادل إلى طاولة تجمع مسؤولين وخبراء وباحثين، وتربط ملفات التنمية بالتحولات الدولية وبأسئلة الحوكمة وإدارة الدولة، وتفتح مساحة للعرب كي يعرضوا خبراتهم واحتياجاتهم وأسئلتهم في إطار مؤسسي منظم. وإلى جانب المنتدى، تبرز مبادرات النشر والترجمة بوصفها ذاكرة معرفية للعلاقة، عبر إطلاق سلسلة نشر تُعنى بالدراسات والترجمات المرتبطة بالعلاقات الصينية- العربية وقضايا الشرق الأوسط، بما يهدف إلى تثبيت الحوار في نصوص قابلة للرجوع، لا أن يبقى مجرد فعاليات عابرة.
أما على مستوى “صناعة الشبكات”، فتظهر حصيلة التواصل الإنساني والثقافي في استقبال 59 وفدا عربيا خلال السنوات العشر الماضية بإجمالي 346 شخصا، وتنظيم 23 زيارة إلى المؤسسات الفكرية والجامعات في الدول العربية، والمشاركة في 45 مؤتمرا، بما يعني أن المركز لم يبق محصورا داخ%D




