
صدر عن الدار العربية للعلوم كتاب “شينجيانغ/ رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار” للزميل وارف قميحة. هذا الكتاب هو ثمرة تجربته الشخصيّة في استكشاف شينجيانغ، وهو ليس مجرّد سرد لحقائق تاريخيّة أو وصف ثقافيّ، بل هو محاولة لنقل القارئ إلى عوالم عاشها وراف قميحة بنفسه. يحاول تسليط الضوء على كيفيّة توازن المنطقة بين الحداثة والمحافظة على إرثها العريق، وكيف ساهمت السياسات الحكوميّة بقيادة الرئيس شي جين بينغ، والدعم الكبير من الحزب الشيوعيّ الصينيّ، في تحقيق هذا التوازن، ممّا جعل شينجيانغ مثالًا حيًّا على الازدهار والتنمية المستدامة.
وجاء في مقدمة حسين إسماعيل، نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة “الصين اليوم”:
عندما طلب من الصديق العزيز الأستاذ وارف قميحة كتابة تقديم لكتابه القيّم “شينجيانغ.. رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار”، لم أتردد لحظة، برغم يقيني بأن الكتابة عن شينجيانغ مهمة صعبة، فما يُكتب عن هذه المنطقة داخل الصين يختلف بشكل أو بآخر عما يقال عنها خارجها.
(..)عندما تطالع فهرس كتاب “شينجيانغ.. رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار”، يخيل إليك أن الكاتب قد جال في شينجيانغ التي تمتد على مساحة مليون و6649 ألف كيلومتر مربع، من دون أن يترك بيتا لم يطرق بابه، ولم يزغ عن ناظريه مشهد لم يتأمله، ولم يستثني حجرا في جبالها لم يقلبه. والحقيقة أن شينجيانغ، تلك المنطقة الساحرة، التي تحتل سُدس مساحة الصين، وتجاور ثماني دول بحدود تمتد 5600 كيلومتر، ويعيش فيها أبناء 47 قومية، على رأسها قومية الويغور، تقدم لك لوحة فريدة من الوجوه والتضاريس واللغات والصحارى والواحات والأطعمة واللباس، وكلها مفردات مغرية ومحفزة للانغماس فيها واستجلاء مغزاها، وخاصة بالنسبة لكاتب مثل الأستاذ وارف قميحة، فهو مثلا يتوقف عند الحروف العربية والأصوات الويغورية خلال رحلته في شوارع أورومتشي التي يكتبها الويغور “ئورمجي” وكاشغر “قەشقەر” وغيرهما من مدن المنطقة. يصادف زائر شينجيانغ، وخاصة في الجزء الجنوبي منها، الكثير من الكلمات العربية والتركية والفارسية يُستخدم فيها الحرف العربي، فالحكومة هي هكومتي، وإستوديو التصوير هو صوره تخانسي، والحياة هي هايات، قلم، تليفون، تلغراف، مركزي، شه مالي (شمالي)، شه رقي (شرقي)، مه كتب (مكتب) ودختورخانه (عيادة الطبيب) وخاشوقة (ملعقة)، سياسي اقتصادي، قانون، كتابخنسي (مكتبة)، خوش (جيد) وهلم جرا.
يأخذنا الكاتب إلى أزقة مدن شينجيانغ وبلداتها، ويتذوق أطعمتها، وفي مقدمتها الخبز الويغوري المشهور “نان”، ويحلق في عالم الموسيقى والرقص والحرف اليدوية التي تزخر بها شينجيانغ. ولا يفوته التحليق في فضاءات التنوع العرقي والثقافي الذي يميز شينجيانغ، ودورها التاريخي في التبادل التجاري والثقافي بين الصين والعالم، كنقطة محورية على طريق الحرير القديم، وهو الدور الذي تلعبه شينجيانغ حاليا في ظل مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013.
يبدأ الكاتب رحلته من عاصمة المنطقة، مدينة أورومتشي، قلب شينجيانغ المتنوع وجسر حضارات طريق الحرير. وأورومتشي هي أكثر مدينة بعدا عن البحر في العالم، كما أنها مركز قارة آسيا، وفيها ترى الجبال من كل صوب. هذه المدينة بوتقة انصهار لأعراق مختلفة، إذ يقطنها أبناء ثلاث عشرة قومية، وربما لا توجد مدينة أخرى بالصين تزخر بهذا التنوع في الوجوه واللباس واللغات واللهجات مثل أورومتشي. هي ليست مزيجا من البشر والألسن فحسب، وإنما أيضا خليط من العقائد، ففيها معبد كونفوشيوس الذي بني عام 1676، وفيها مساجد أشهرها وأكبرها ثلاثة؛ مسجد شانشي الواقع بشارع خهبينغ (السلام) الجنوبي الذي بني عام 1906، ومسجد يانهانغ المبني في عام 1897 ومسجد ناداسه المبني قبل أكثر من مائة عام. ومن ردهة مقر حكومة منطقة شينجيانغ ترى بوضوح الصليب مرفوعا فوق كنيسة تتوسط المدينة. في أورومتشي، لابد أن تزور البازار؛ ذلك السوق المميز بطرازه المعماري الإسلامي.
ويأخذنا الكاتب إلى مدينة عريقة أخرى في شينجيانغ، وهي كاشغر، مدينة عمرها أكثر من ألفي عام، منذ أن أسست قبائل توشلان عاصمتها بها، ثم وصلتها البوذية في القرن الثاني الميلادي ووصلها الإسلام في القرن السابع. تقع كاشغر في جنوبي شينجيانغ، يحدها من الشرق صحراء تاكلامكان ويجاورها من الغرب والجنوب الغربي قرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وباكستان والهند. في هذه البقعة من أرض الصين أنت في واقع مختلف، المكان الواحد له اسمان، واحد بلغة هان وآخر بلغة الويغور (ئيغور كما يكتبها أهلها)، فمحافظة ييتشنغ بالصينية هي “قاغلاق” بالويغورية، وساتشه هي “يه كن” وتسيبو هي “بوسكام”. الزائر العربي لكاشغر لا يجد نفسه غريبا، فالناس هنا تشاطره كثيرا من ثقافته وتقاليده. وفي كاشغر لا بد أن تتوقف طويلا أمام مسجد “عيدكاه”، تلك التحفة المعمارية التي يرجع تاريخها إلى أكثر من خمسمائة عام. عيدكاه، أو ئيتكار كما يكتبه الويغور ليس مجرد مسجد تقام فيه الصلوات. إنه رمز للانتماء العرقي والديني بطرازه المعماري الفريد. المنطقة المحيطة بالمسجد تذكرك بمنطقة خان الخليلي في القاهرة وسوق الحميدية في دمشق، حيث يفوح عبق التاريخ من كل زقاق وبوابات خشبية عتيقة ومشغولات يدوية من النحاس والفضة والألومنيوم.
يرصد الكاتب التحولات التي شهدتها شينجيانغ في السنوات الأخيرة، والتي غيرت وجه المنطقة، فهو يستعرض التنمية المستدامة والازدهار في كافة المجالات، ولا يفوته التنبيه إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها شينجيانغ.
وفي الختام، أقول كما قال العماد الأصفهاني: “إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتابا في يومه إلا قال في غده، لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل.” وهذا الكتاب إضافة مرموقة للمكتبة العربية ومساهمة محمودة لمعرفة منطقة من أهم مناطق الصين والتي تحتل مكانة خاصة لدى القارئ العربي.
وجاء في مقدمة شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ في كلية الدراسات العربية بجامعة الدراسات الأجنبية ببكين:
لستُ مؤهلاً لكتابة مقدمة لهذا الكتاب القيّم عن شينجيانغ، لأني لم أزرها إلا ثلاث مرات، ولثلاث مدن فيها فقط: أرومتشي، وكاشغر وطلوفان، ولم أمكث فيها إلا عشرة أيام مجتمعة! فلا تكفي المرء شهور ولا سنوات لمعرفة هذه الأرض الشاسعة التي تشكل سدس مساحة الصين تقريبا، وتزيد مساحتها (1.665 مليون كيلومتر مربع) عن مساحة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا مجتمعة (1.476 مليون كيلومتر مربع)! إذن، كيف أجرأ على القول بأني أعرف شينجيانغ، الإقليم القارة؟ ولكني قبلت الدعوة لكتابة هذه الأسطر لتقديم كتاب الصديق الأستاذ وارف قميحة، لكوني كمثقف صيني، آمل أن يتعرف القراء العرب على هذه المنطقة الشاسعة والعجيبة، عبر هذا الكتاب الشيّق، وعبر منظار صديق عربي محب للصين ولشينجيانغ، حتى يكتشفوا جمالها وسحرها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
أجل، إني لم أزر شينجيانغ إلا ثلاث مدنها فقط، ولعشرة أيام مجتمعة فقط، ولكني كأي مواطن صيني، نشأت وأستمع إلى أغنيات جميلة عنها أو منها، وخاصة أغنية “شينجيانغ تلك الأرض الطيبة”، العبارة التي صارت يتداولها كل إنسان صيني كلما ذكرت شينجيانغ. فأرجو أن تقدم كلماتي هذه لمحة عامة عن تلك الأرض الطيبة التي طالما نحلم بتذوق جمالها وسحرها.
عندما يزور المرء شينجيانغ اليوم، يشعر كأنه يمر عبر لوحة تجمع بين ألوان الطبيعة. فإلى الجنوب تمتد جبال كونلون المهيبة المغطاة بالثلوج طوال العام، والخالدة في أقدم الأدبيات الصينية القديمة. وإلى الشمال تنتشر سهول خصبة تحيط بمدن مثل حاضرة الاقليم أورومتشي والمدينة النفطية قره ماي. أما وسط المنطقة فيضم صحراء تاكلاماكان، وهي من أكبر الصحارى الرملية في العالم، حيث تبدو الكثبان كبحر ذهبي لا نهاية له. وبين هذه التضاريس المتباينة تنتشر الواحات التي ازدهرت حولها حياةٌ زراعية ورعوية، مثل واحة كاشغر وواحة خوتان، اللتين تحتفظان حتى اليوم بسحرهما التاريخي. إنها أرض بمثابة لوحة فنية تجمع روائع الطبيعة. ففيها تلامس قمم الجبال الشاهقة السماء، وتمتد السهول الخضراء حيث ترعى قطعان الماشية في هدوء، وتتوهج البحيرات الصافية كالزبرجد تحت أشعة الشمس.
شينجيانغ ليست فقط موطنًا للجمال الطبيعي، بل أيضًا أرضٌ للتنوع البشري والثقافي. يعيش فيها أبناء أكثر من أربعين قومية، مثل الإيغور والقازاق والهان والطاجيك وغيرهم. وقد كوّن هذا التنوع لوحة ثقافية فريدة، تُرى في الأزياء والموسيقى والعمارة والعادات اليومية. فأسواق كاشغر القديمة، بأزقتها الضيقة وروائح توابلها، تذكّر الزائر بتاريخ المنطقة الطويل في التجارة والتعايش. وفي المساء، تعلو أنغام الدوتار — آلة موسيقية وترية تقليدية — من المقاهي والساحات، لتبعث في النفس دفئًا خاصا. أما جمال البنايات القديمة، وحسن حمايتها ودقة صيانتها، فقد نالت إعجاب كل زائر للمدينة، إلى حد أني سمعت أكثر من مرة ثناء الزوار العرب للمدينة قائلين: “ليت المدن الإسلامية عندنا تحظى بهذه العناية الفائقة لصيانتها!”
ثقافيًا، تشكّل شينجيانغ جسرًا بين الحضارة الصينية والعالم الإسلامي. فالكثير من العادات، مثل الضيافة والكرم، وأساليب إعداد المأكولات، وانتشار الطعام الحلال، والمساجد والمآذن، تجعل الزائر العربي يشعر بالقرب الثقافي والإنساني من أهلها. كما أن المعمار المحلي، خاصة في كاشغر وخوتان، يجمع بين الطابع الإسلامي والزخارف الصينية، في مشهد يعكس قرونًا من التفاعل الثقافي.
ومن الناحية الاقتصادية، أصبحت شينجيانغ اليوم جزءًا مهما في مبادرة “الحزام والطريق” التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الصين والدول المجاورة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. فخطوط النقل الحديثة والمناطق الصناعية الجديدة فتحت آفاقًا للتجارة والاستثمار والصناعة، وأتاحت فرص عمل كثيرة للشباب والشابات المحليين. أما في الريف، فقد استفاد السكان من مشاريع التنمية الزراعية الهائلة، مما ساعد معظم الفلاحين على تحسين معيشتهم بشكل ملحوظ.
ورغم هذا التقدم، فإنّ التحدي الأكبر في شينجيانغ كان دائمًا كيفية تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الخصوصية الثقافية والتقاليد المحلية. لذلك، تولي الحكومات المحلية اهتمامًا خاصًا للتوفيق بين تأكيد الانتماء الوطني وحماية الخصوصية الثقافية، وبين احتضان الحداثة والحفاظ على الأصالة، كما تبذل جهودا كبيرة لتشجيع التواصل الثقافي بين مختلف المكونات الاجتماعية، لخلق مجتمع متنوع متناغم.
إن الحديث عن شينجيانغ لا يكتمل دون ذكر روح أهلها. فالإيغوريون، المعروفون بحبهم للموسيقى والرقص، والقازاق الذين يعشقون الفروسية، وأبناء القوميات الأخرى جميعهم يشتركون في صفة واحدة: الطيبة والبساطة. الزائر يجد الترحيب أينما ذهب، ويُدعى لتذوق طبق “البولو” الشهير (الأرز باللحم والجزر) أو خبز “نان” الطازج، وكلاهما يحمل نكهة هذه الأرض وروحها. وما زلتُ أتذكر حتى اليوم تلك اللحظة التي لا تُنسى: في إحدى ليالي أورومتشي، وفي ساحة البازار الكبير، بدأ عددٌ من الشبان والفتيات الإيغور يرقصون بخفةٍ على أنغام الموسيقى المنبعثة من المذياع، وسرعان ما انجذب إليهم عشرات الزوار الصينيين والأجانب، يرقصون معهم بفرحٍ عفوي، فتحوّلت الساحة إلى محيط من الغناء والرقص والبهجة!
في النهاية، يمكن القول إن شينجيانغ تمثل نموذجًا مصغّرًا للصين الحديثة: أرض تجمع بين الأصالة والتنوع، بين التنمية والحفاظ على الهوية. إنها تواصل اليوم مسيرتها بثقة إلى مستقبل أجمل.
أجل، شينجيانغ اليوم ليست جنة. ولكن أهلها يسعى جاهدا لجعلها جنة على الأرض في المستقبل.




