شي جين بينغ.. حول الحكم والإدارة:
التعبيرات المعاصرة والقيم النظرية للفكر السياسي الصيني

أ.د/ رنا محمد عبد العال مزيد
أستاذ العلوم السياسية المساعد، الجامعة البريطانية في مصر
منذ أن أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة “الحزام والطريق” في أكتوبر ونوفمبر عام 2013، بدأ ملامح مشروع فكري وسياسي متكامل يتبلور على الساحة الدولية، تزامنًا مع صدور المجلد الأول من كتابه “حول الحكم والإدارة” عام 2014، والذي تلاه اربعة مجلدات أخرى أعوام 2018، 2020، و2022، 2025 وقد حظيت هذه المجلدات بترجمات متعددة إلى لغات العالم الكبرى، ما يعكس حرص بكين على جعل فكر شي جين بينغ إطارًا مفسّرًا للنموذج الصيني في الحكم والتنمية، وركيزةً لـ”القوة السردية” التي تسعى الصين من خلالها إلى إعادة تقديم ذاتها كقوة فكرية وأخلاقية، لا اقتصادية فقط، يمثل هذا التوجه انتقالًا من الخطاب السياسي الداخلي إلى خطاب عالمي موجه يسعى لإقناع العالم بشرعية التجربة الصينية، وبقدرتها على تقديم بديل حضاري للنموذج الغربي في الحكم والإدارة والتنمية.
يمثل هذا التوجه في فكر شي جين بينغ انتقالًا نوعيًا من الطابع المحلي إلى البعد الكوني في الخطاب السياسي الصيني؛ إذ لم يعد التركيز مقتصرًا على شرعية الحزب داخل الصين أو على تبرير النموذج التنموي الوطني فحسب، بل امتد إلى صياغة سردية عالمية متكاملة تهدف إلى إقناع المجتمع الدولي بقدرة التجربة الصينية على تقديم بديل حضاري شامل للنموذج الغربي السائد في الحكم والإدارة والتنمية، هذا التحول يعكس إدراكًا صينيًا متناميًا بأن النفوذ الدولي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس فقط بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على إنتاج الأفكار والمعايير التي تنظم العلاقات الدولية، ومن هذا المنطلق، يوظف الخطاب الصيني منظومة مفاهيمية مستمدة من التراث الكونفوشيوسي مثل “الانسجام في التنوع” و“الطريق المشترك نحو الازدهار”، ليقدّم رؤية تجمع بين القيم الشرقية الأصيلة ومبادئ الحوكمة الحديثة، في محاولة لتصميم نموذج عالمي يقوم على التنمية المشتركة، والاحترام المتبادل، والسيادة المتكافئة.
كما يسعى هذا الخطاب إلى إعادة تعريف العولمة من منظور صيني، بحيث تصبح عملية تشاركية متوازنة لا تُفرض من مركز غربي واحد، بل تُدار عبر شبكات متعدّدة من التعاون الإقليمي والدولي، وهو ما يتجسد في مبادرات مثل الحزام والطريق ومجتمع المصير المشترك للبشري، وبهذا المعنى، فإن الصين لا تطرح نفسها كقوة مهيمنة جديدة، بل كـ”صوت بديل” يسعى إلى تصحيح اختلالات النظام الدولي وإعادة الاعتبار لفكرة العدالة في توزيع المنافع والفرص، إن هذا الانتقال من خطاب داخلي يُعزز الشرعية الوطنية إلى خطاب عالمي يُعزز الشرعية الحضارية يمثل أحد أبرز مظاهر تحول الصين من قوة صاعدة إلى قوة معيارية Normative Power تمتلك مشروعًا فكريًا يسعى إلى إعادة صياغة القيم التي تحكم النظام الدولي.
تنقسم هذه الورقة الي ثلاثة أقسام: القسم الأول يتناول أهم الأفكار الي تدور حولها تلك المجلدات وربطها بالفكر الصيني والنظريات الصينية، ويأتي القسم الثاني ليتناول بعض من مقولات الرئيس شي جين بينغ ودلالات تلك المقولات، ويأتي القسم الثالث ليتناول اهم النتائج والربط بين تلك المجلدات والمبادرات التي تقوم بها الصين كمنظور مختلف بديل أكثر عدالة للنظام العالمي.
القسم الأول: أهم أفكار مجلد الحكم والإدارة في ضوء الفكر والنظريات الصينية:
يقدّم فكر شي جين بينغ، كما يظهر في المجلدات الخمس من كتابه «حول الحكم والإدارة»، مشروعًا فكريًا–سياسيًا متكاملاً لإعادة تعريف مسار الدولة الصينية في الداخل والخارج، ضمن رؤية كبرى تُعلي من شأن “النهضة الصينية العظيمة” باعتبارها هدفًا تاريخيًا يتجاوز حدود الإصلاح الاقتصادي التقليدي، ويتأسس هذا المشروع على إعادة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بصيغتها المعاصرة، واستدعاء الموروث الفلسفي الصيني—وخاصة القيم الكونفوشيوسية—بوصفه موردًا استراتيجياً في صياغة نموذج وطني متميز للحكم والتنمية والهوية.
تقدّم تلك المجلدات خريطة فكرية تُظهر كيف تحوّل الخطاب السياسي الصيني من براغماتية اقتصادية إلى رؤية أيديولوجية شمولية، تربط بين الدولة والمجتمع والطبيعة والعالم، وتعيد طرح الصين كقوة حضارية تقدم بديلاً مفاهيميًا عن النماذج الغربية المهيمنة، ومن هنا تُصبح دراسة هذه المجلدات مدخلاً ضرورياً لفهم التحولات النظرية في الفكر السياسي الصيني المعاصر، وخاصة ما يتعلق بمفاهيم الحوكمة، التنمية السلمية، والحضارة الإيكولوجية، وفيما يلي أربعة أفكار أساسية يمكن القول أنها منطلقات فكرية هامة لفكر الرئيس شي جين بينغ، كالتالي:
أولًا: بناء الدولة الحديثة وتجديد الاشتراكية بما يعرف بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية:
يشكل البعد الداخلي في فكر شي جين بينغ الركيزة الأساسية لمشروع “النهضة الصينية العظيمة”، حيث يربط الرئيس بين الحلم الصيني وإعادة بناء الدولة على أسس اشتراكية محدثة، تراعي الخصوصية الوطنية وتستند إلى فكرة “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، يبرز في المجلد الأول تحديدًا التركيز على بناء دولة “غنية، قوية، ديمقراطية، متحضرة، ومنسجمة”، وهو مشروع يتجاوز حدود التنمية الاقتصادية إلى هندسة ثقافية وأخلاقية تهدف إلى ترسيخ الوحدة الاجتماعية والانضباط المؤسسي.
كما يولي الرئيس أهمية مركزية لاستمرارية سياسة الإصلاح والانفتاح باعتبارها الضمانة الأساسية لتجديد الدولة، ويؤكد أن غيابها يعني “غياب المستقبل الصيني”، في المقابل، يمنح البعد الثقافي موقعًا جوهريًا في عملية النهوض، إذ يرى أن القوة الناعمة الثقافية تمثل وسيلة لتحقيق التماسك الداخلي وتقديم صورة إيجابية للعالم عن الصين المتجددة.
ثانيًا: البعد الحضاري – الإنسان والطبيعة في فلسفة الحكم:
يقدم شي جين بينغ في مجلداته رؤية فلسفية متكاملة للإنسان والطبيعة في إطار ما يسميه “الحضارة الإيكولوجية“، وهو مفهوم يعكس امتدادًا معاصرًا للفكر الكونفوشيوسي التقليدي القائم على مبدأ الانسجام بين الإنسان والكون، هذا التصور يجعل من حماية البيئة وتحقيق التنمية الخضراء جزءًا من البنية الأخلاقية للنظام السياسي ذاته، ويعيد تعريف التنمية باعتبارها عملية توازن بين النمو والعدالة والبيئة، لا مجرد زيادة في الإنتاج.
في الوقت ذاته، يربط شي بين التنمية والدفاع الوطني، مؤكدًا أن الأمن هو الشرط المسبق للتنمية، وأن بناء جيش قوي لا يتناقض مع السلام، بل يؤسس لما يسميه “السلام القوي“، و” السلام التنموي” الذي يمنع الهيمنة ويضمن الاستقرار.
ثالثًا: البعد الخارجي – الصين والعالم في إطار النظام الدولي الجديد:
في البعد الخارجي، تتجسد التعبيرات المعاصرة للفكر السياسي الصيني في سعي شي جين بينغ إلى إعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس “مجتمع المصير المشترك للبشرية“، وهو المفهوم الذي يجمع بين الرؤية الكونفوشيوسية للانسجام الإنساني والرؤية الماركسية للتعاون بين الشعوب، من خلال المجلدات الخمسة، تتضح أربع مسارات رئيسية للسياسة الخارجية الصينية:
- تبني طريق التنمية السلمية، والابتعاد عن الصراعات التقليدية لصالح بناء نظام عالمي أكثر توازنًا.
- إعادة تعريف العلاقات بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الصين والولايات المتحدة، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة.
- تفعيل مبادرات التعاون الإقليمي والعابر للقارات مثل “الحزام والطريق” و”طريق الحرير البحري”، بوصفها أدوات للتنمية المشتركة لا للهيمنة الجيوسياسية.
- تعزيز التعاون جنوب–جنوب، خاصة مع دول إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، تأكيدًا لدور الصين كقائد للتنمية في الجنوب العالمي.
رابعاً: استدامة التحديث الصيني النمط:
يمثل المجلد الخامس مرحلة جديدة في تطور الخطاب السياسي والفكري للرئيس شي جين بينغ ، إذ يكشف عن انتقال نوعي من مرحلة “ترسيخ الأسس” التي ميزت المجلدات الأولى، نحو مرحلة “تعميق البناء وتوسيع الأفق العالمي”، فمن خلال النصوص التي يغطيها هذا المجلد (2022–2024)، يتضح أن خطاب شي أصبح أكثر تركيزًا على استدامة النموذج الصيني في الحكم، وتعزيز القدرة الذاتية للدولة في مجالات التكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة مع القوى الكبرى، كما يبرز المجلد الخامس اهتمامًا متزايدًا بتطوير “التحديث الصيني النمط” كبديل نظري ومؤسسي للنماذج الغربية، مستندًا إلى الجمع بين الاشتراكية ذات الخصائص الصينية والتراث الحضاري العريق، وخاصة قيم الانسجام والمسؤولية الأخلاقية.
يبيّن المجلد كذلك توسعًا في الطابع العالمي لخطاب شي جين بينغ، إذ تعززت فيه مفاهيم مثل “مجتمع المصير المشترك للبشرية”، “الأمن العالمي”، و“التنمية المشتركة”، بما يعكس سعي الصين إلى إعادة صياغة جزء من قواعد الحوكمة الدولية وطرح مقاربة تقدمية تقوم على التنمية لا المواجهة، وفي هذا الإطار، يأتي هذا المجلد ليكمل حلقات المشروع الفكري الذي بدأت ملامحه تتبلور منذ المجلد الأول عام 2014، لكنه هنا يعلن دخول الصين مرحلة جديدة تتطلب قدرًا أكبر من الاكتفاء الذاتي، والفاعلية الدولية، وإعادة تعريف دورها العالمي، بما يجعل هذا المجلد ليس مجرد تجميع نصوص، بل وثيقة سياسية تعكس روح المرحلة وتوجهات الصين في العقد المقبل.
من ثم تكشف القراءة المتأنية لهذه المجلدات عن تطور الفكر السياسي الصيني من براغماتية اقتصادية إلى منظومة فكرية شمولية تسعى لإعادة تعريف مفاهيم الحكم والسيادة والتنمية من منظور صيني صرف، يبرز في هذا المشروع نوع من التوليف الفكري بين الماركسية والكونفوشيوسية، حيث تتقاطع قيم الانسجام الاجتماعي، والمسؤولية الأخلاقية، والطاعة السياسية، لتنتج نموذجًا فريدًا لـ”الدولة–الأمة المنضبطة ذات الرؤية الأخلاقية العالمية”، ويظل فكر شي جين بينغ يمثل إعادة إحياء حديثة للفكر السياسي الصيني الكلاسيكي في ثوب معاصر، حيث تمتزج فلسفة الحكم الأخلاقي الكونفوشيوسية بالمفاهيم الاشتراكية والتنموية الحديثة، في إطار مشروع حضاري يسعى لتقديم الصين كقوة مادية ومعنوية في آنٍ واحد.
القسم الثاني: بعض مقولات الرئيس شي جين بينغ ودلالاتها في الفكر الفلسفي الصيني:
تمثل أقوال الرئيس شي جين بينغ مثل: “يمكن كسر الحجر، ولكن لا يمكن تغيير صلابته، ويمكن طحن الزنجفر، لكن حمرته باقية”، و“المياه يمكنها أن تحمل القارب، ويمكنها أن تقلبه أيضاً”، إحدى الركائز الفلسفية التي تكشف عمق البنية الفكرية الحاكمة للنموذج الصيني المعاصر، فهذه المقولات ليست مجرد استعارات بلاغية، بل تنطوي على مضامين فلسفية وسياسية تعكس رؤية الصين للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القيادة والشعب، وتحدد ملامح “الحوكمة الصينية” في ظل عهد شي جين بينغ، الذي يمثل مرحلة إعادة بناء السردية السياسية للصين وصياغة نموذج حكومي بديل عن النماذج الغربية التقليدية.
تستند العبارة الأولى إلى جذور عميقة في التراث الكونفوشيوسي، الذي يشدد على مركزية الأخلاق وصلابة الفضيلة بوصفها أساس الحكم الصالح، ففكرة أن الحجر قد يُكسر لكن صلابته لا تتغير، وأن الزنجفر يتحول لكنه يحتفظ بلونه، تعبر عن مبدأ ثبات الجوهر الأخلاقي رغم تغير الظروف الخارجية، ففي الفكر الكونفوشيوسي، يُطلَب من الحاكم أن يكون ثابتًا في قيمه، ملتزمًا بالفضيلة، وألا يسمح للتقلبات السياسية أو الاقتصادية أن تهز أسس الحكم الرشيد، وفي السياق المعاصر، يستخدم شي هذه الاستعارة للتأكيد أن الحزب الشيوعي الصيني، مهما واجه من تحديات داخلية أو ضغوط دولية، يجب أن يحافظ على مبادئه الأساسية، وعلى رأسها خدمة الشعب، ومحاربة الفساد، والتمسك بالهوية الوطنية، بهذا المعنى، تتحول الاستعارة إلى إطار أيديولوجي يعزز التماسك الداخلي ويمنع التآكل القيمي.
أما العبارة الثانية: “المياه يمكنها أن تحمل القارب، ويمكنها أن تقلبه أيضاً”، فهي مستمدة من الحكمة الصينية القديمة التي تعود جذورها إلى موروثات الطاوية وكتابات حكماء الصين، وتعكس هذه المقولة جوهر الفلسفة السياسية الصينية التي ترى أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة دينامية وليست جامدة فالماء، الذي يمثل الشعب، قادر على دعم القارب (أي الدولة والقيادة)، لكنه قادر أيضاً على إسقاطه إذا أساءت القيادة إدارة العلاقة معه، وتكمن أهمية هذه المقولة في كونها تحوّل الشعب من مجرد عنصر في النظام السياسي إلى أساس شرعيته وركيزة استقراره، لذلك، يستخدمها شي جين بينغ كتحذير للنخبة الحاكمة من مخاطر الانفصال عن الجماهير، ومن السلوك البيروقراطي أو الفساد الذي قد يؤدي إلى اهتزاز النظام.
وفي هذا السياق، تؤكد مقولة شي الأخرى: ” أبناء الشعب هم السماء والأرض… إذا نسيناهم أصبحنا مياه بدون منبع وشجرة بدون أصل”، أن الشرعية السياسية في الصين الجديد تُبنى على مبدأ “المركزية الشعبية“، وهو مفهوم أدخله شي جين بينغ بقوة في الخطاب السياسي الصيني، وجعله محور رؤيته للحكم والإدارة، فلا تقدم اقتصادي ولا نهضة قومية يمكن تحقيقها دون الارتباط المستمر بقضايا الجماهير، وهو ما يفسر توجيهاته المستمرة بمكافحة الفساد، وتفعيل الرقابة الشعبية، وتحسين مستويات المعيشة، وإرساء ما يسميه “التنمية المتمحورة حول الإنسان، هذه الرؤية تتقاطع مع موروث ماو تسي تونغ حول “خط الجماهير“، لكنها مختلفة عنه من حيث أنها أكثر تنظيمًا وتركيزًا على الكفاءة والتنمية وليس على التعبئة الثورية.
يتجلّى عبر المجلدات الخمسة ذلك الأساس النظري الذي يؤكّد أن “تطلع أبناء الشعب للحياة الجميلة هو هدف كفاحنا“، وهو ما يُعدّ حجر الزاوية في فكر الحوكمة لدى شي، والذي تطور عبر المجلدات الأولى ليؤسس لمركزية الشعب في كل السياسات العامة، وتبرز مقولته الشهيرة “المياه يمكنها أن تحمل القارب ويمكنها أن تقلبه أيضاً” كتحذير فلسفي يعيد ترسيخ مبدأ العلاقة الجدلية بين الشعب والدولة، وهو مبدأ تكرّس في المجلد الثاني والثالث عبر التأكيد على أن الشعب هو مصدر الشرعية والاستقرار، وفي سياق النهضة، يقدم شي رؤيته للحلم الصيني بقوله: “تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية أعظم حلم للامة الصينية في العصر الحديث“، وهو مفهوم محوري ظهر في كل المجلدات، لكنه اتخذ في المجلد الرابع طابعاً أكثر ارتباطاً بالحداثة والابتكار والتنمية عالية الجودة، ويعكس قوله: “الحلم لن يتحول إلى واقع إلا بالعمل الواقعي” المنظور العملي الذي رافق تطور الفكر الصيني من التنظير إلى التنفيذ، وهو مسار يظهر بوضوح في كل الفصول التي تتناول الإصلاح الاقتصادي والتحديث التكنولوجي من المجلدات الأولى حتى الخامس.
يأتي تشبيه شي لطبيعة الحكم بقوله: “حكم بلد كبير صعب مثل طبخ سمكة صغيرة” كشاهد حاضر في مقاربات الحوكمة الدقيقة التي برزت بقوة في المجلد الخامس ، حيث تتطلب إدارة دولة بحجم الصين مزيجاً من الحذر والفعالية وقابلية التكيف في بيئة دولية شديدة التعقيد، وفي إطار الإصلاح، يتجلى موقفه الحاسم في قوله: “لابد من دفع الإصلاح إلى الأمام مهما كانت صعوبته“، وهو موقف تُعزّزه توجهات المجلد الخامس نحو تحديث منظومات الإنتاج والحوكمة والتكنولوجيا، بما يعكس إصرار القيادة الصينية على مواجهة التحديات البنيوية دون تراجع.
كما ترتبط مقولته: “الرفع المتواصل لقدرة الحكومة الفعالة للدولة عبر نظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” بعملية بناء دولة حديثة ذات مؤسسات قوية، وهو ما توثقه أعماله في المجلد الخامس حول الأمن القومي الشامل وقدرات الدولة الاستراتيجية، أما على مستوى التعبئة المجتمعية، فتأتي دعوته: “الشباب عليهم تطبيق القيم الاشتراكية الجوهرية” و”إطلاق حلم الشباب في الممارسة الحيوية لتحقيق حلم الصين” لتؤكد أن النهضة ليست مشروع دولة فقط، بل مشروع جيل كامل، وهو ما يتطابق مع اهتمام المجلد الخامس بالشباب بوصفهم رافعة التنمية والابتكار، ويكتمل الإطار الشامل برؤيته الجامعة: “تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية حلم مشترك لأبناء الأمة الصينية داخل الصين وخارجها“، التي تربط النهضة الداخلية ببُعد عالمي يظهر بقوة في المجلد الخامس عبر تعزيز العلاقات الدولية وبناء “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”.
بالتالي تمثل هذه الأقوال مجتمعة إطارًا عامًا لنموذج “الحوكمة الصينية” الذي يبنيه شي جين بينغ كبديل للنموذج الليبرالي الغربي، فالدولة في هذا النموذج ليست مجرد جهاز إداري، بل كيان عضوي يستمد قوته من قيمه الصلبة (الحجر والزنجفر)، ومن علاقته المتوازنة مع المجتمع (الماء والقارب)، ومن قدرته على تحقيق الانسجام الاجتماعي، وهو مبدأ أصيل في الفلسفة الكونفوشيوسية والطاوية على حد سواء، هذا النموذج يسعى إلى خلق صيغة تمزج بين القيم التقليدية الصينية، والانضباط الحزبي، والكفاءة الاقتصادية، والولاء الوطني، ما يجعل “الحوكمة الصينية” مشروعًا سياسيًا وفلسفيًا في آن واحد.
القسم الثالث: الربط بين تلك المجلدات والمبادرات التي تقوم بها الصين كمنظور مختلف لبديل أكثر عدالة للنظام العالمي:
هذا الفكر يقوم على رؤية متكاملة تجمع بين التجديد الوطني والانفتاح العالمي، وبين الهوية الحضارية الصينية وضرورة إصلاح النظام الدولي بما يعكس التوازن الحقيقي بين الشمال والجنوب، ومن هنا تتجلى مبادرتا “الحزام والطريق” “، “مجتمع المصير المشترك للبشرية” باعتبارهما تجسيدين عمليين لهذه الرؤية الفكرية والسياسية، حيث تُجسد مبادرة الحزام والطريق الجانب المادي والتنموي من هذا الفكر، فهي مشروع لإعادة هندسة الترابط الاقتصادي العالمي عبر البنية التحتية، والتكامل المالي، وتبادل المعرفة، في إطار يسعى إلى بناء نظام تعاون لا يقوم على الهيمنة بل على المنفعة المتبادلة.
في المقابل، تُعبّر مبادرة مجتمع المصير المشترك للبشرية عن البعد القيمي والمعياري للفكر الصيني الجديد، الذي يسعى إلى صياغة حوكمة عالمية أكثر شمولاً وعدلاً، تقوم على مفاهيم الأمن المشترك، والتنمية المشتركة، والتنوع الحضاري، ورفض سياسات الإقصاء أو الصراع الصفري، وبذلك يمكن القول إن فكر شي جين بينغ يربط بين البُعد الداخلي للتنمية والنهضة الوطنية والبُعد الخارجي لبناء نظام عالمي أكثر توازناً، في إطار رؤية تتحدى مركزية الغرب وتقدّم نموذجًا بديلاً للعولمة يقوم على الترابط، لا التبعية؛ وعلى الشراكة، لا السيطرة.
إن مبادرتي “الحزام والطريق” و”مجتمع المصير المشترك للبشرية” ليستا فقط أدوات للسياسة الخارجية، بل هما امتداد لنسق فكري متكامل يسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم القوة، والسيادة، والتنمية في النظام الدولي الجديد.
تكشف القراءة المتعمقة للمجلدات الخمس عن أن فكر شي جين بينغ يمثل امتدادًا نظريًا وتطبيقياً للتقاليد السياسية–الحضارية الصينية، مع إعادة توظيفها في سياق معاصر يمزج بين الاشتراكية الماركسية والتقاليد الكونفوشيوسية ومقتضيات القوة الصاعدة في القرن الحادي والعشرين، حيث يمثل هذا المشروع الفكري محاولة لإعادة تشكيل قواعد الحوكمة العالمية عبر نموذج صيني يطرح نفسه بديلاً حضاريًا للنموذج الليبرالي الغربي، مستندًا إلى قيم الانسجام، والتنمية المشتركة، والهوية الثقافية المتجذرة، وهكذا تشكّل المجلدات الخمس رؤية متكاملة تلخص التعبيرات المعاصرة والقيم النظرية للفكر السياسي الصيني، وتحدد ملامح الدور الدولي الجديد لصين ما بعد الصعود.
في النهاية فإن القراءة المتأنية لمجلدات “شي جين بينغ حول الحكم والإدارة” تكشف أن المشروع الفكري للرئيس الصيني ليس مجرد تجميع لخطابات سياسية أو توجيهات حكومية، بل هو بناء معرفي وفلسفي ينهض على إدراك عميق بأن الحكمة وحدها لا تكفي، وأن القوة وحدها لا تكفي، وأن حاضر الأمم لا يُصنع إلا حين تُصبح الدولة قادرة على الإنصات لصدى التاريخ واستيعاب خبرات البشرية، ثم تحويل هذا الإرث إلى بوصلة تهدي خطواتها في عالم يموج بالتغيرات، ففي هذه المجلدات تتجاور النصوص مع التجارب، وتتداخل الفلسفة مع السياسة، ويصبح الفكر ذاته فعلاً من أفعال الدولة، وأداة لإعادة تعريف ذاتها وغاياتها.
ومن هذا المنطلق، يبدأ الكتاب—كما يصفه شي جين بينغ— باعتباره” مفتاحاً لفهم تاريخ الصين وحاضرها، ومصباحاً يسلط الضوء على تنميتها المستقبلية”، فالمجلدات الخمسة تشكّل، في مجموعها، رحلة فكرية تُظهر التطور التدريجي لفلسفة الحكم الصينية في ثلاث اتجاهات كبرى.
الاتجاه الأول هو الاتجاه البنيوي–التأسيسي الذي يربط الحلم الصيني بمشروع بناء دولة حديثة تستند إلى اشتراكية متجددة تراعي الخصوصية الوطنية ولا تنفصل عن جذور المجتمع؛ دولة تُبنى بيد أبنائها، وتستمد قوتها من ثقتهم، وتعيد صياغة علاقتهم بالمؤسسات من خلال قيم الانضباط والفاعلية والعدالة، أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الحضاري–القيمي الذي يستلهم الإرث الكونفوشيوسي في إعادة وصل الإنسان بالطبيعة، وإعادة الاعتبار للأخلاق كجزء من بنية الدولة، لا مجرد وعظ أخلاقي؛ إذ تتحول التنمية إلى فعل توازن، ويصبح الحفاظ على البيئة فعلاً سياسياً يحمل معنى المسؤولية الكونية، أما الاتجاه الثالث فهو الاتجاه العالمي المستدام، الذي يُقدّم الصين كفاعل حضاري يتجاوز منطق الهيمنة والصراع إلى بناء نظام دولي أكثر توازناً يقوم على الترابط، والتنمية المشتركة، وفكرة «مجتمع المصير المشترك للبشرية» التي تمثل خلاصة رؤية الصين للعالم ولذاتها داخله.
عبر هذا الامتزاج بين التاريخ والواقع والمستقبل، يبلور شي جين بينغ رؤية ترى أن على الدولة —لكي تتقدم— أن تقرأ الماضي دون أن تُؤسر به، وأن تستوعب تجارب الأمم دون أن تذوب فيها، وأن تمارس القوة دون أن تتحول إلى غاية، وأن تبحث عن الحكمة في جوهر الشعب، لأن «الشعب هو السماء والأرض»، كما يقول شي جين بينغ، هكذا يصبح الكتاب شهادة على لحظة فكرية تتبلور فيها نهضة الصين، ويغدو مرجعاً يكشف كيف تنظر الصين لنفسها، وكيف تعيد تعريف مكانتها في العالم، وكيف تسعى إلى صياغة مستقبلها من خلال مزيج نادر من الفلسفة والسياسة، ومن الاستمرارية والتجديد، ومن الذاتية الحضارية والانفتاح العالمي.
وبذلك تُختتم رحلة هذه الدراسة عند نقطة يتضح فيها أن فكر شي جين بينغ، كما تصوغه المجلدات، ليس مجرد نظرية للحكم، بل هو مشروع حضاري يستند إلى التراكم التاريخي، ويتسلح بالابتكار، ويتطلع إلى مستقبل تُمارس فيه الصين دورها العالمي بوصفها قوة تنموية، وقوة أخلاقية، وقوة حضارية تتقاطع فيها الحكمة القديمة مع الضرورات المعاصرة، ومن هنا، يتجلى الكتاب بوصفه نافذة على الروح العميقة للأمة الصينية، وعلى الطريق الذي تسلكه نحو تحقيق نهضتها الكبرى.




