على مسرح عيد الربيع… حين يلتقي الروبوت بخطاب الثقة

بقلم وارف قميحة قناة CGTN العربية
رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني
رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
في الصين، لا تُقرأ المشاهد الكبرى بوصفها تفصيلا عابرا. وحين ظهرت الروبوتات الراقصة على خشبة سهرة عيد الربيع التي تبثها سنويا مجموعة الصين للإعلام، لم يكن الأمر مجرد عرض تقني مبهر ضمن برنامج ترفيهي يتابعه مئات الملايين. كان المشهد أقرب إلى استعارة مكثفة لمرحلة كاملة من التحول، وإلى رسالة صامتة تقول إن التكنولوجيا أصبحت جزءا من السردية الوطنية الحديثة.
عيد الربيع ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل هو لحظة تختلط فيها العائلة بالدولة، والرمز الثقافي بالاتجاه السياسي. في تلك الليلة، تُستعاد حصيلة عام مضى وتُرسم ملامح عام مقبل. إدخال الروبوت إلى هذا الفضاء الرمزي يعني أن الابتكار لم يعد موضوعا اقتصاديا أو صناعيا محضا، بل بات عنصرا من عناصر الهوية المعاصرة.
خلال العقود الأربعة الماضية، انتقلت الصين من اقتصاد قائم على الزراعة واليد العاملة الكثيفة إلى مركز صناعي عالمي. غير أن التحول الأعمق بدأ حين أصبح السؤال لا يتعلق بحجم الإنتاج، بل بنوعية القيمة المضافة. مع اشتداد المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة، اتجهت البوصلة نحو التصنيع الذكي والبحث العلمي والقدرات الذاتية. الروبوت الراقص ليس إلا واجهة مرئية لشبكة واسعة من الجامعات والمختبرات والشركات التي تعمل على ترسيخ هذا التحول البنيوي.
المغزى لم يكن في دقة الحركة وحدها، بل في السياق الذي احتواها. التكنولوجيا قُدمت في مسرح شعبي، لا في معرض صناعي أو استعراض عسكري. هذا الاختيار يحمل دلالة واضحة: التحديث ليس قطيعة مع التقاليد، بل امتداد لها بصيغة جديدة. هنا يتجسد مفهوم “التحديث صيني النمط” و”التنمية عالية الجودة” الذي تؤكد عليه القيادة الصينية برئاسة شي جين بينغ؛ تحديث يدمج الابتكار في نسيج الثقافة، ويحول التقدم العلمي إلى عنصر من عناصر الحياة اليومية.
تزامن هذا المشهد مع عام الحصان، وهو رمز للقوة والحركة والانطلاق في الثقافة الصينية. في الوقت ذاته، جاءت جولات الرئيس شي الميدانية ولقاءاته بالمواطنين قبل العيد، ثم كلمته في قاعة الشعب الكبرى، لتكمل الصورة. الرسالة لم تُصغ بلغة الشعارات، بل بلغة الثقة والاستمرارية: الاستقرار الاجتماعي قاعدة التنمية، والابتكار محركها، والقدرة على التكيف ضمانتها في بيئة دولية معقدة.
عام الحصان هنا ليس رمزا احتفاليا فحسب، بل إشارة إلى حركة منضبطة إلى الأمام. بين الروبوت الذي يتحرك بدقة، والحصان الذي يجسد الطاقة والمرونة، تتشكل صورة دولة ترى في التكنولوجيا تعبيرا عن السيادة، وفي الثقة ركيزة لمواجهة التحديات. ومع إطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026–2030)، يتعزز هذا المسار عبر التركيز على الجودة، وتعميق الإصلاح، وتوسيع آفاق الابتكار.
على المستوى الدولي، لم تكن الرسالة موجهة بصيغة مباشرة، لكنها كانت واضحة في مضمونها: الصين لا تكتفي بدور “مصنع العالم”، بل تسعى إلى أن تكون من صناع قواعد المرحلة الرقمية المقبلة. في عالم تتزايد فيه القيود التكنولوجية وتتقاطع فيه سلاسل الإمداد مع الحسابات الجيوسياسية، اختارت بكين أن تتحدث بلغة الثقافة والفن، لا بلغة المواجهة.
الروبوت الذي رقص في تلك الليلة لم يكن مجرد آلة مبرمجة، بل كان صورة مكثفة لتحول طويل المدى. وعام الحصان لم يكن انتقالا زمنيا عاديا، بل محطة تؤكد أن الحركة مستمرة بإيقاع محسوب. بين المسرح وقاعة الشعب الكبرى، وبين الرمز الثقافي والخطة الاقتصادية، تتجسد معادلة صينية واضحة: تماسك الداخل أساس الثقة، والابتكار عنوان المرحلة، والمستقبل يُصنع بالفعل لا بالانتظار.
(ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي قناة CGTN العربية.)



