عيد الربيع: كيف تحفظ الصين تماسكها الاجتماعي في زمن السرعة

من لمّ الشمل العائلي إلى الاقتصاد الموسمي وحركة السفر غير المسبوقة، يتحوّل عيد الربيع في الصين إلى آلية سنوية، تعيد ترتيب العلاقة بين الأسرة والمجتمع والدولة في واحدة من أسرع مجتمعات العالم إيقاعاً.
في 17 شباط/ فبراير 2026، يستقبل الصينيون عيد الربيع، وهو اليوم الأول من السنة الجديدة وفق التقويم القمري. غير أن هذا التاريخ، على بساطته الظاهرية، لا يُقاس بالأيام وحدها، بل بما يحمله من تحوّل شامل في إيقاع المجتمع والاقتصاد معاً. ففي هذه المناسبة، تتبدّل الصين كلها: المدن تتباطأ، القرى تنتعش، والوقت نفسه يبدو وكأنه يعود خطوة إلى الوراء، احتراماً لفكرة أساسية تختصر العيد كلّه: العودة إلى البيت.
عيد الربيع ليس مجرد رأس سنة، بل هو الحدث الاجتماعي الأكبر في الصين، والمرآة التي تنعكس عليها علاقة الصيني بالأسرة، وبالعمل، وبالدولة. لذلك، لا يمكن فهم هذا العيد بوصفه تقليداً فولكلورياً فقط، بل باعتباره ممارسة حيّة ما زالت تؤدي دوراً فعلياً في إعادة إنتاج التماسك الاجتماعي. هذا البعد العملي هو ما جعل إدراج العيد ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو أمراً منطقياً لا رمزياً فحسب.
العودة ولمّ الشمل
مع اقتراب منتصف شباط/فبراير، تبدأ واحدة من أضخم الحركات البشرية الموسمية في العالم، المعروفة باسم “تشونيون”، أي موسم السفر لعيد الربيع. ملايين الصينيين يغادرون المدن الكبرى التي يعملون فيها، متجهين إلى قراهم وبلداتهم الأصلية. هذه الحركة ليست تفصيلاً لوجستياً، بل تعبيراً عميقاً عن مكانة الأسرة في الثقافة الصينية، فالعيد في جوهره، لا يُحتفل به فردياً. العشاء العائلي في ليلة رأس السنة القمرية هو لحظة الذروة، حيث يجلس أفراد العائلة حول مائدة واحدة، يتشاركون الطعام والذكريات والتمنيات. الأطباق نفسها تحمل رموزاً متوارثة: السمك للوفرة، الزلابية للرخاء، والمعكرونة لطول العمر. في تلك الليلة، يُعاد ترميم ما تصدّع خلال العام، ويُعاد التأكيد على أن العائلة تظل المرجع الأخير، مهما تغيّرت أنماط الحياة وتسارعت وتيرتها.
لا يقتصر عيد الربيع على ليلة واحدة. قبله بأيام، تبدأ طقوس التحضير: تنظيف البيوت لطرد ما علق من أعباء العام الماضي، تعليق الزينة الحمراء، وكتابة العبارات التقليدية على الأبواب. في الساحات العامة، تعود رقصات التنين والأسد، لا كعرض سياحي، بل كتعبير عن ذاكرة جماعية ترى في العيد لحظة تجديد رمزي للحياة، ورغم التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الصيني، لا سيما بين الأجيال الشابة، لم تتحول هذه الطقوس إلى عبء تراثي. على العكس، جرى تكييفها مع العصر: المغلفات الحمراء أصبحت رقمية، والتهاني تُرسل عبر التطبيقات الذكية، لكن المعنى لم يتغيّر. فالعيد ما زال مناسبة لإعادة التواصل، ولو بأدوات جديدة، تؤكد أن الحداثة لم تقطع الصلة بالجذور.
الاقتصاد في زمن العيد
اقتصادياً، يشكل عيد الربيع ظاهرة فريدة. فبينما تتوقف بعض المصانع والمؤسسات عن العمل خلال العطلة الرسمية، يشهد الاقتصاد في الوقت نفسه نشاطاً مكثفاً في قطاعات أخرى. قبل العيد، ترتفع معدلات الاستهلاك بشكل ملحوظ، خصوصاً في مجالات الغذاء، الملابس، والهدايا. هذا الإنفاق لا يُنظر إليه كمظهر تبذير، بل كجزء من ثقافة ترى في بداية السنة الجديدة فرصة للإنفاق بثقة وأمل.
خلال أيام العيد، تزدهر السياحة الداخلية، وتمتلئ الفنادق والمطاعم، خصوصاً في المدن التاريخية والمناطق الريفية ذات الطابع التراثي. وتتحول القرى، التي تعاني عادة من نزوح سكانها نحو المدن، إلى مساحات نابضة بالحياة بفضل عودة أبنائها. بذلك، يصبح عيد الربيع آلية مؤقتة لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي بين المركز والأطراف.
تشونيون بالأرقام
ويتجلّى هذا البعد الاجتماعي-الاقتصادي بوضوح في الأرقام الرسمية لموسم السفر. فبحسب ما أعلنت وكالة “شينخوا” في 4 شباط/فبراير 2026 نقلت السكك الحديدية الصينية نحو 12.24 مليون مسافر في اليوم الأول من موسم ذروة السفر لعيد الربيع، فيما توقعت نقل أكثر من 11 مليون راكب في اليوم الثاني، مع تشغيل مئات القطارات الإضافية لتلبية الطلب.
كما أفادت البيانات بأن المنصة الوطنية لحجز تذاكر القطارات “12306” باعت عشرات الملايين من التذاكر منذ انطلاق “تشونيون”، وهي فترة تمتد أربعين يوماً وتنتهي في 13 آذار/ مارس. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن موسم السفر هذا العام قد يسجّل رقماً قياسياً يبلغ نحو 9.5 مليارات رحلة بين المناطق المختلفة، على أن تضطلع السكك الحديدية وحدها بنقل نحو 540 مليون راكب، هذه الأرقام لا تعكس حجم الحركة فقط، بل مستوى التنظيم والتخطيط الذي يربط البنية التحتية بهدف اجتماعي واضح: لمّ الشمل الأسري على نطاق دولة كاملة.
عيد يتجاوز الحدود
لم يعد عيد الربيع حدثاً صينياً داخلياً فقط. فمع انتشار الجاليات الصينية حول العالم، بات العيد يُحتفل به في عشرات الدول، وتُنظم فعالياته في ساحات عامة ومعاهد ثقافية. هذا الانتشار حوّل عيد الربيع إلى جسر ثقافي عالمي، يعكس صورة الصين بوصفها حضارة قادرة على مخاطبة الآخر من خلال ثقافتها اليومية، لا عبر الخطاب السياسي وحده.
في 17 شباط/فبراير، لا يستقبل الصينيون عاماً جديداً في التقويم فحسب، بل يستعيدون لحظة جامعة تعيد ترتيب علاقتهم بالأسرة والمجتمع والاقتصاد. عيد الربيع هو زمن العودة، وزمن التوقف المؤقت، وزمن الانطلاق من جديد. وفي عالم تتآكل فيه الروابط الاجتماعية في كثير من المجتمعات، يقدّم هذا العيد نموذجاً مختلفاً: كيف يمكن لتقليد قديم، إذا بقي حياً ومتكيّفاً، أن يتحول إلى طاقة اجتماعية واقتصادية متجددة، تروي قصة الصين عاماً بعد عام.




