الصينرأيعلى طريق الحرير

قويتشو.. من الصعود بالمحفة إلى أعلى جسر في العالم

حسين إسماعيل

في الثامن والعشرين من ايلول ( سبتمبر ) عام ألفين وخمسة وعشرين، كان لا بد أن أتوقف أمام الخبر الذي بثته وكالة أنباء ((شينخوا)) الصينية وتناقلته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية. الخبر الذي حمل عنوان “افتتاح أعلى جسر في العالم أمام حركة المرور في قويتشو بجنوب غربي الصين”، جاء في تفاصيله: “افتتحت اليوم الأحد حركة المرور على جسر وادي هواجيانغ الكبير في مقاطعة قويتشو بجنوب غربي الصين، الذي يعد أعلى جسر في العالم، ما يقلل زمن السفر عبر الوادي العميق من ساعتين إلى دقيقتين فقط، بعد اكتمال أعمال بنائه التي استمرت لأكثر من ثلاثة أعوام”.

حسب ((شينخوا))، يرتفع جسر وادي هواجيانغ الكبير ستمائة وخمسة وعشرين مترا فوق نهر بيبان في التضاريس الجبلية بمقاطعة قويتشو، ويبلغ ارتفاعه الصافي نحو تسعة أضعاف ارتفاع جسر البوابة الذهبية في سان فرانسيسكو، الذي ظل حتى عام 1964 أطول جسر معلق في العالم.

ووفقا لسلطات مقاطعة قويتشو، أصبح المشروع الذي يبلغ طول امتداده الرئيسي 1420 مترا، أطول جسر معلق بعوارض جملونية فولاذية ذات امتداد طويل في تضاريس جبلية في العالم.

وكان أعلى جسر في العالم سابقا يمتد على نهر بيبان أيضا، على بعد يزيد قليلا عن مائة كيلومتر من جسر وادي هواجيانغ الكبير، واعتبر وقتها صاحب الرقم القياسي بعد افتتاحه في عام 2016، حيث كان ارتفاعه الرأسي يبلغ 4ر565 مترا من سطح النهر إلى سطح الجسر.

وقالت تشانغ ين، مديرة إدارة النقل بالمقاطعة: “إن الجسر الجديد الذي بإمكانه تعزيز الارتباط الإقليمي بشكل كبير، يعد مشروعا بارزا يظهر القدرة الابتكارية الصينية.” وأضافت تشانغ أن الجسر حقق اختراقات تقنية متعددة، بما فيها تصميمه لمقاومة الرياح وبناؤه على ارتفاع شاهق، حيث حصل على إحدى وعشرين براءة اختراع معتمدة، وتم دمج العديد من إبداعاته التقنية في المعايير الوطنية لبناء الجسور.

ومنذ بدء أعمال بناء الجسر، تمكن فريق البناء من التغلب على تحديات جمة فرضها الوادي الكبير، فمن خلال تطبيق تقنية جديدة تضم الملاحة باستخدام الأقمار الاصطناعية وطائرات من دون طيار وأنظمة مراقبة ذكية، بالإضافة إلى مواد فائقة وشديدة القوة، تمكن من تحقيق دقة على مستوى الملليمتر في البناء على ارتفاعات عالية، وتحويل حاجز لم يكن قابلا للعبور إلى ممر للنقل.

وقد وصف تقرير لموقع “العربية نت” نشر في الخامس من أكتوبر 2025، الجسر بأنه أعجوبة هندسية تجمع بين الجرأة المعمارية وجمال الطبيعة الجبلية. وقال التقرير إن مشهد الجسر يبدو مأخوذا من عالم الخيال، فقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة للجسر هيكله الفيروزي العملاق يمتد بين قمم الجبال، فيما يصعد مصعد زجاجي مذهل على جانب البرج إلى مطعم بانورامي معلق عند القمة، يتيح إطلالة لا تنسى على الوادي العميق ونهر بيبان المتلألئ أسفله.

 

وقد تحول الجسر إلى وجهة سياحية فريدة تضم ممرا زجاجيا، ومناطق للمغامرات مثل القفز بالحبال والمطاعم المرتفعة، ليصبح بحق تحفة تجمع بين الجمال والابتكار والدهشة. جسر وادي هواجيانغ لا يرضي عشاق الهندسة فحسب، أيضا محبي المغامرة؛ إذ يمكن للزوار القفز بالحبال من قمته أو المشي على الممر الزجاجي بطول ثمانمائة وخمسين مترا. كما تتدفق شلالات صناعية مذهلة من أحد جانبيه، لتمنح الجسر مظهرا دراميا أخاذا عند الغروب.

وقال تقرير لصحيفة ((هوانتشيو “غلوبال تايمز”)) الصينية، في الثامن والعشرين من سبتمبر، إن هذا الجسر مثال ملموس على مقاربة التركيز على حل المشكلات في فلسفة التنمية الصينية، وتعبير مباشر عن القوى المنتجة الحديثة النوعية. وقد أثبت المهندسون الصينيون، من خلال أعمالهم، أن “خدمة الشعب” ليست شعارا فارغا. فالتنسيق هو المحرك الرئيسي لتنشيط التنمية الإقليمية. فالتنمية المنسقة لا تقتصر على مجرد التوازن، بل تشمل تحقيق اختراقات في محاور رئيسية لدفع عجلة التقدم الشامل.

وقامت مقاطعة قويتشو ببناء أكثر من ثلاثين ألف جسر في تضاريسها الجبلية، بما في ذلك أعلى ثلاثة جسور في العالم، كما أنها موطن لنحو نصف أعلى مائة جسر في العالم. وتجاوز إجمالي طول الجسور القائمة وقيد الإنشاء حاليا في قويتشو خمسة آلاف وأربعمائة كيلومتر، ما يعادل تقريبا المسافة لامتداد الصين من شمالها إلى جنوبها.

لماذا كان لا بد أن أتوقف عند هذا الخبر، بل وأعيد قراءته مرات؟ السبب هو أن قويتشو هي أول مكان في الصين زرته بعد وصولي إلى بكين في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1992، وربما كنت أول عربي زار هذا المقاطعة النائية التي كانت آنذاك شديدة الفقر. على مدى أربعة شهور في الصين، ظلت بكين هي عالمي، أو هي الصين بالنسبة لي، حتى الخامس من فبراير عام 1993 عندما بدأت رحلتي إلى قويتشو مع وفد من مجلة ((الصين اليوم)) ضم أفرادا من جنسيات مختلفة. أمضى أعضاء الوفد ليلتين في قطار النوم الذي أخذنا من بكين إلى قوييانغ، حاضرة قويتشو، قطع خلالها حوالي ألفي كيلومتر. خلال هذه الرحلة الطويلة من شمالي الصين إلى جنوبها الغربي، أدركت مدى اتساع رقعة الصين، فالمسافة بين عاصمة الصين وحاضرة قويتشو تساوي تقريبا المسافة بين مدينة القاهرة ومدينة الكويت.

في مدينة قوييانغ، التي ترتفع ألفا ومائة متر فوق سطح البحر، وقفت أنظر إلى الجبال الشاهقة المكسوة باللون الأخضر والتي تتناثر بينها البنايات، وجال في خاطري سؤال: كيف سنصل إلى هذه البنايات ومن بين أعضاء وفدنا بعض كبار السن؟ لم يطل انتظاري، فقد ظهر أمامنا بعض الرجال الأشداء ومعهم ما يشبه المحفة أو النقالة، وطلبوا منا أن يجلس كل واحد فوق محفة يحملها أربعة رجال وصعدوا إلى حيث وجهتنا. وهنا، بدأت أرى صورة أخرى من الصين، تضاريس ووجوها ومستوى معيشة ولهجات. التحقت بوفدنا طالبة جامعية من قويتشو اسمها وان شيوي فيّْ، كانت تدرس اللغة الإنجليزية. بعد أحاديث طويلة بيننا فهمت منها أن منتهى أملها هو أن تنعتق من قيود هذه الجبال إلى مكان تكون الحياة فيه أفضل. في القرى التي زارها وفدنا، لم تكن معارف الناس تتجاوز حدود الجبال المحيطة بهم، فهم شبه منقطعين عن العالم الخارجي.

في قويتشو التي تبلغ مساحتها 176 ألف كيلومتر مربع ويعيش بها حاليا نحو سبعة وثلاثين مليون نسمة ينتمون إلى تسع وأربعين قومية، أمضيت نحو عشرين يوما، معظمها بين جبال شاهقة الارتفاع، فأرض قويتشو كلها تقريبا جبال والناس يغتنمون أي قطعة أرض مسطحة لزراعتها. في صباح اليوم التالي لوصولنا إلى قوييانغ كنت مع أعضاء الوفد الآخرين، داخل سيارة ميكروباص تتلوى بين الجبال، صعودا وهبوطا خمس ساعات كاملة، حتى وصلنا إلى شيبينغ، وهي محافظة تابعة للمقاطعة يقطنها أبناء قومية مياو. في الطريق الشديد الوعورة، انفجر إطار السيارة مرتين. بدا واضحا للجميع أن أكثر ما تعاني منه هذه المقاطعة ذات الطبيعة الجميلة هو البنية الأساسية للنقل والمواصلات، فقد كانت قويتشو من أفقر مناطق الصين، برغم أن معدل نمو الناتج المحلي للمقاطعة في عام 1993 تجاوز 9% على أساس سنوي.

في الفترة من فبراير عام 1993، عندما زرت قويتشو لأول مرة، حتى افتتاح جسر وادي هواجيانغ الكبير في سبتمبر عام 2025، شهدت المقاطعة تحولات هيكلية وتنموية تهز الأرض والسماء. ما بدأ في تسعينيات القرن العشرين كمسار نمو متواضع مقيد بالجغرافيا والطبوغرافيا وضعف شبكات النقل وضعف التصنيع، تحول تدريجيا إلى قصة تنمية متعددة الجوانب؛ مشروعات بنية تحتية ضخمة قلصت أوقات السفر، وسياسات صناعية موجهة شجعت قطاعات جديدة، منها البيانات الضخمة والحوسبة، وحملات ضخمة للحد من الفقر أعادت تشكيل المناطق الريفية.

في عام 1993، كانت قويتشو مقاطعة هامشية فقيرة، اتسم اقتصادها بتضاريس وعرة وشبكات نقل مجزأة وتحول حضري منخفض وبنية تحتية محدودة للطاقة والاتصالات وقاعدة صناعية ضيقة. كانت قويتشو تتمتع بميزة نسبية في الزراعة، وخاصة الأرز والذرة والشاي، والغابات والموارد المعدنية في بعض المناطق، وبعض الحرف التقليدية. كان متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومستويات المعيشة أقل من المتوسط ​​الوطني بكثير.

في تسعينيات القرن العشرين، ركزت المقاطعة على الاستثمار في الطرق والخدمات الحضرية وجذب الصناعات التحويلية ومعالجة الموارد. إلا أن القيود الطبيعية للتضاريس المتمثلة في الوديان الشديدة الانحدار والتضاريس الكارستية، جعلت تكاليف البناء مرتفعة، ووتيرة التنمية في المقاطعة بطيئة نسبيا، مقارنة بالمقاطعات الساحلية.

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بداية عمليتين مترابطتين أعادتا تشكيل قويتشو؛ تمثلت الأولى في دفعة إستراتيجية للحاق بركب البنية التحتية للنقل، وجهود لتنويع القاعدة الصناعية. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تبنت الصين برنامجا وطنيا للبنية التحتية شمل الطرق السريعة وتوسيع السكك الحديدية، وقد أتاح ذلك لقويتشو الاستثمار في المشروعات العالية التكلفة والعالية العائد التي كانت تضاريس المقاطعة تجعلها باهظة التكلفة في السابق. وقد أدى الاستثمار في الطرق السريعة والأنفاق والجسور إلى توسيع نطاق الربط بين مدن قويتشو، وربطت المقاطعة بالمقاطعات والمناطق المجاورة لها. قللت هذه المشروعات من تباعد المسافات وخفضت تكاليف نقل البضائع والأشخاص، ومهدت الطريق لتوسيع شبكة السكك الحديدية والطرق السريعة لاحقا. وبحلول منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين، أصبحت تضاريس قويتشو، التي كانت تمثل عائقا تنمويا في السابق، موقعا لعدد من أكثر المشروعات الهندسية الحديثة طموحا في الصين، ومنها جسر وادي هواجيانغ الكبير.

وظفت قويتشو مواقعها الطبيعية الخلابة، ومنها شلال هوانغقوشو ومناظر الكارست والسياحة الثقافية للأقليات القومية والمهرجانات الثقافية، لتعزيز صناعة السياحة بها. وبفضل تحسين شبكات النقل والمواصلات والترويج المدروس، أصبحت قويتشو وجهة محلية أكثر استقطابا للزوار بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. تدعم السياحة الخدمات وتنمية المشروعات الصغيرة والحرف اليدوية المحلية، مما يسهم في تنويع مصادر دخل السكان، وبخاصة في المناطق الريفية.

كان القضاء على الفقر المدقع في قويتشو، وفقا للمعيار الوطني، إنجازا بارزا بحلول عام 2020، حققته المقاطعة من خلال عمليات إعادة التوطين الممنهجة في القرى الجبلية غير المناسبة للعيش، وتشجيع “الصناعات الملائمة” مثل البستنة والمعالجة المحلية والسياحة والتحويلات النقدية والاستثمارات العامة الكبيرة في الطرق والكهرباء والصحة، لرفع مستويات المعيشة. وقد أدت هذه الإجراءات إلى زيادات ملحوظة في دخل الأسر التي كانت فقيرة في السابق. وشهدت قويتشو تزايدا في التحول الحضري، وانتقال العمالة الريفية إلى المدن والمراكز الصناعية. وقد استقطب نمو قوييانغ، حاضرة المقاطعة، كمركز للخدمات والتكنولوجيا الخريجين ورواد الأعمال، بينما مكنت خطوط السكك الحديدية العالية السرعة والطرق الجيدة من التنقل اليومي والموسمي.

في السنوات الأخيرة، حققت قويتشو أيضا إنجازات بارزة في بناء الحضارة الإيكولوجية، واستطاعت أن تحول مزاياها الإيكولوجية إلى مزايا للتنمية. تعمل المقاطعة بقوة على تطوير طاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية وغيرهما من أشكال الطاقة الخضراء، كما تستفيد بشكل كامل من الأراضي تحت الألواح الكهروضوئية لزراعة المحاصيل، وتشجع المزارعين على تربية الحيوانات، وتطور الزراعة الجبلية بالاستفادة من مزايا التضاريس والمناخ لزيادة دخل المزارعين المحليين. وحتى الآن، وصل معدل تغطية الغابات في مقاطعة قويتشو إلى 3ر64%. وفي مجال تعزيز تحويل الصناعات التقليدية وترقيتها، تعمل قويتشو على تنمية قوى منتجة حديثة النوعية وفقا لظروفها المحلية، وتعمل على بناء منظومة صناعية حديثة على أساس مزاياها.

في مارس 2025، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بجولة تفقدية في مقاطعة قويتشو، حث خلالها المقاطعة على تعزيز الثقة والعمل بجد، واتخاذ خطوات ثابتة لدفع التحديث الصيني النمط. وأكد ضرورة تعزيز التنمية المدفوعة بالابتكار مع اعتماد الاقتصاد الحقيقي كأساس. ودعا إلى تطوير صناعات ناشئة إستراتيجية بنشاط، وتعزيز صناعات مثل الاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة. كما طالب المقاطعة بحماية البيئة بشكل جيد، وتحويل مواطن قوتها الإيكولوجية إلى مزايا تنموية. وأكد ضرورة تطوير زراعة حديثة وفعالة ذات خصائص جبلية مميزة، تتناسب مع الظروف المحلية لقويتشو، مع تنمية صناعات رائدة ذات سمات محلية وقدرة تنافسية مستدامة. وسلط الرئيس شي الضوء على ما تتمتع به قويتشو من تراث تاريخي ثري وثقافتها الثورية الحيوية وتقاليدها القومية المتنوعة، مؤكدا أهمية تسخير مواطن القوة هذه لدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

من صعود الجبال على نقالة إلى عبور وادي هواجيانغ الكبير في دقيقتين بدلا من ساعتين، تسطر مقاطعة قويتشو صفحة ناصعة في سجلات النهضة العظيمة للأمة الصينية، وهنا نستذكر المثل الصيني القائل: “وأنتم تعبرون النهر، تذكروا بناة الجسر”.

الصين اليوم:Source

بالتعاون مع  www.citynewslebanon.com

حسين إسماعيل:Author
©China Today. All Rights Reserved.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى