يوم دولي لمناهضة التدابير القسرية الانفرادية

حسين إسماعيل:Author
يحتفل العالم في هذا الشهر، ديسمبر 2025، لأول مرة باليوم الدولي لمناهضة التدابير القسرية الانفرادية، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من يوليو عام 2025.
وفقا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، يشير مصطلح “التدابير القسرية الانفرادية” غالبا إلى تدابير اقتصادية تفرضها دولة ما لإرغام دولة أخرى على تغيير نهجها السياسي. وتشمل هذه التدابير، على سبيل المثال، العقوبات التجارية التي تتخذ شكل الحصار وقطع التدفقات المالية والاستثمارية بين الجانبين. وفي السنوات الأخيرة، شاع استخدام ما يعرف بالعقوبات “الذكية” أو “الموجهة”، مثل منع السفر وتجميد الأصول، لاستهداف أفراد ينظر إليهم على أنهم يتمتعون بنفوذ سياسي في دول أخرى.
إن هذه التدابير والتشريعات المعنية منافية لأحكام القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، فضلا على المبادئ التي ترعى العلاقات الودية بين الدول، مثل “إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة”. كما أن لهذه التدابير أثرا بالغا في تقويض تمتع الإنسان الكامل بما نصت عليه مبادئ حقوق الإنسان من حقوق، ولا سيما الحق في مستوى معيشي يكفل له الصحة والكرامة، بما يشمل الغذاء والرعاية الصحية والمأوى والخدمات الاجتماعية اللازمة.
إن مساعي دول عديدة في العالم، ومنها الصين والدول العربية، لمواجهة “التدابير القسرية الانفرادية” لم تتوقف قط، سواء على مستوى المحافل الدولية والإقليمية أو خطاباتها السياسية. وبفضل جهود الصين ودول “الجنوب العالمي”، فإن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، اعتمد في السادس والعشرين من سبتمبر 2011، القرار رقم 21/ 26 والتصويب رقم 1 بشأن حقوق الإنسان والتدابير القسرية الانفرادية. وكان آخر تجديد لهذا القرار في أكتوبر عام 2023. وقد شدد هذا القرار على أن التدابير والتشريعات القسرية الانفرادية تتعارض مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة والقواعد والمبادئ المنظمة للعلاقات السلمية بين الدول، وسلط الضوء على أن هذه التدابير، في المدى الطويل، قد تؤدي إلى مشكلات اجتماعية وتثير مخاوف إنسانية في الدول المستهدفة.
وبعد مناقشة المشكلات والمظالم المترسخة في النظام الدولي، ومن أجل ضمان التعددية والاحترام المتبادل وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، قرر مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة إنشاء ولاية المقرر الخاص المعني بالأثر السلبي للتدابير القسرية الانفرادية على التمتع بحقوق الإنسان.
لقد عانى العديد من الدول من التدابير القسرية الانفرادية، والتي غالبا ما تؤثر سلبا على حياة السكان المدنيين وتؤدي إلى تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للدول المستهدفة. ومن بين الدول التي تأثرت بشكل كبير بالتدابير القسرية الانفرادية، كوبا وإيران وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وسوريا وفنزويلا. هذه التدابير، التي تتخذها دول أخرى لفرض تغييرات في سياسات الدول المستهدفة، بل ولتغيير نظمها السياسية والاجتماعية، تمثل شكلا حديثا للإمبريالية.
في الثاني عشر من يوليو عام 2024، أعرب أعضاء المجالس التشريعية في دول “بريكس”، عن قلقهم إزاء التأثير السلبي للإجراءات القسرية الأحادية التي تتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفقا للبيان المشترك الذي تم اعتماده في الجلسة العامة للمنتدى البرلماني لدول “بريكس+”، حول موضوع “البعد البرلماني لـ’بريكس'” في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية. وجاء في البيان: “إننا ندرك التأثير السلبي للنهج الانفرادي، الذي ينتهك القانون الدولي، على الاقتصاد العالمي والتنمية المستدامة. ونعرب عن قلقنا إزاء استخدام التدابير القسرية الانفرادية التي لا تتفق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ولها تأثير سلبي على النمو الاقتصادي والتجارة والطاقة والصحة والأمن الغذائي، خاصة في الدول النامية”. كما أعرب أعضاء المجالس التشريعية لدول “بريكس”، عن دعمهم لنظام تجاري متعدد الأطراف مفتوح وشفاف وعادل وشامل ومنصف وغير تمييزي وقائم على القواعد، حيث تلعب منظمة التجارة العالمية دورا مركزيا. وأكدوا أهمية تعزيز الأمن الاقتصادي والمالي، وتحقيق أهداف التنمية الوطنية لدول “بريكس” وإستراتيجية الشراكة الاقتصادية لها بحلول عام 2025. كما أكد المشاركون من جديد التزامهم بالتعددية واحترام القانون الدولي، بما في ذلك الأغراض والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
في الثاني والعشرين من يوليو عام 2025، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتماد الرابع من ديسمبر بوصفه “اليوم الدولي لمناهضة التدابير القسرية الانفرادية”، في سياق الجهود العالمية الرامية إلى إذكاء الوعي بآثار تلك التدابير، حين لا تكون متوافقة مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في هذا السياق، أهمية ترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم والتسامح والاحترام المتبادل وتعددية الأطراف، بوصفها دعائم أساسية للعلاقات الدولية والدبلوماسية. وقد دعا القرار الدول مجددا إلى الامتناع عن فرض أي تدابير اقتصادية أو مالية أو تجارية أحادية الجانب، لا تستند إلى القانون الدولي أو تخالف ميثاق الأمم المتحدة، إذ من شأن هذه التدابير أن تعرقل أو تجهض مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصا في البلدان النامية.
يأتي اعتماد هذا اليوم ليعزز الجهود القائمة على الساحة الدولية للتوعية بما تخلفه هذه التدابير من آثار ضارة، ولدعم مساعي التعاون والتضامن بين الأمم في التصدي لتبعاتها. إن نتيجة التصويت على هذا القرار، والتي جاءت كما يلي: 116 صوتا مؤيدا، 51 صوتا معارضا، مع امتناع ستة أعضاء عن التصويت، تقدم صورة مصغرة للسياسة العالمية، إذ تظهر تأييدا ساحقا للقرار، في حين عارضته الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وعدة دول أخرى في النصف الشمالي للكرة الأرضية.
إن اعتماد هذا القرار يعد إدانة جماعية للتدابير القسرية الأحادية الجانب، ورفضا للمعايير المزدوجة في إنفاذ العقوبات، واستخدام الأدوات الاقتصادية كأسلحة، ومنطق سياسات القوة. ويمثل تحديد هذا اليوم خطوة إلى الأمام في تطوير الحوكمة العالمية، ويظهر تطلع المجتمع الدولي الجماعي إلى الإنصاف والعدالة.
لقد أصبح مصطلح “التدابير القسرية الانفرادية” مصطلحا سياسيا يثير نفورا واسع النطاق. ويكمن جوهر المشكلة في أن بعض الدول تتجاوز الأمم المتحدة وتضع قوانينها المحلية فوق القانون الدولي. وعلى مستوى أعمق، غالبا ما تتستر هذه التدابير القسرية وراء ستار “الأمن الوطني”، بينما هي في الواقع، تخدم إستراتيجيات جيوسياسية وسياسة الاحتواء التي تمارسها الدول التي تلجأ إلى هذه التدابير. على سبيل المثال، فإن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة على شركات التكنولوجيا الفائقة من دول مختلفة، ومنها الصين، تهدف في المقام الأول إلى إعاقة صعود القوى التكنولوجية الناشئة للمحافظة على التفوق الأمريكي في هذا المجال. هذا المنطق المتمثل في تقويض القواعد باسم التمسك بها لا يضر بحقوق التنمية للدول المستهدفة فحسب، وإنما أيضا يمزق نسيج الثقة العالمي.
إن الإجراءات الأمريكية الانفرادية الأخيرة، وخاصة الرسوم الجمركية، تخالف معايير السوق، وقد أدت إلى اضطرابات كبيرة في سلسلة التوريد العالمية. هذه الممارسة المتمثلة في “دولة واحدة تتخذ القرارات بينما يتحمل العالم أجمع التكلفة”، أصابت النظام الاقتصادي الطبيعي بالفوضى والارتباك.
الصين من ضحايا الإكراه الاقتصادي الأحادي. فمن أشباه الموصلات إلى المركبات الكهربائية، واجهت الصين احتواء متعمدا في مجالات متعددة. تعارض الصين دائما الإكراه الأحادي، وتدافع عن تعددية أطراف حقيقية. وبدءا من التعاون في مبادرة “الحزام والطريق”، وصولا إلى تعزيز توسيع آلية تعاون مجموعة “بريكس”، تلتزم الصين ببناء اقتصاد عالمي مفتوح. إن هذا يظهر موقف الصين ومسؤولياتها كقوة كبرى في ظل بيئة دولية مضطربة. فهو موقف يوازن بين الفكر الصيني والمتطلبات المعاصرة، ويجسد المشاركة الاستباقية للصين في الحوكمة العالمية.
في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 2024، قال فو تسونغ، مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، إن الدول النامية لا تزال ضحية للتدابير القسرية الانفرادية التي تتسبب في عواقب مدمرة بل ومهددة للحياة. ودعا السيد فو إلى بذل الجهود لوقف هذه الممارسة غير القانونية فورا وبشكل كامل. وقال، في بيان مشترك نيابة عن ثمان وعشرين دولة عضو في اللجنة الثالثة للدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن العالم يواجه تحديات عالمية متشابكة مع تأثر الدول النامية بشكل غير متناسب، وهناك حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى نظام متعدد الأطراف حقيقي وفعال وعملي قائم على التضامن والوحدة والتعاون الدولي. وأضاف أن الدول النامية وشعوبها لا تزال ضحية للتدابير القسرية الانفرادية، التي تنتهك مبدأ المساواة والتعاون في السيادة، وتتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، وتتجاهل مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والتعددية والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية. وأضاف: “للأسف، على الرغم من الدعوات العالمية لرفع التدابير القسرية الانفرادية بشكل عاجل، فإن فرض هذه التدابير غير القانونية لا يزال يتسبب في عواقب مدمرة، وأحيانا تهدد الحياة للبلدان المستهدفة وشعوبها.” وحذر فو تسونغ من أن هذه التدابير، إلى جانب العقوبات الثانوية والإفراط في الامتثال، تؤدي إلى تفاقم التحديات الإنسانية والاقتصادية القائمة، وتؤثر بشكل خطير على استقرار سلاسل الإنتاج والإمداد العالمية، فضلا على الأمن الغذائي والطاقة والأمن المالي، وتقوض بشكل خطير النظام الاقتصادي العالمي وجهود البلدان المعنية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وأكد أن هذه التدابير تنتهك جميع حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة والصحة والتنمية والتعليم، وتعيق قدرة البلدان المستهدفة على إعمال تلك الحقوق، مضيفا أن هذه التدابير لها آثار إنسانية خطيرة على البلدان والمناطق المعنية. وأعرب فو عن قلقه إزاء تقويض تلك التدابير القسرية الانفرادية والإفراط في الامتثال لقدرات الدول المتضررة على الوصول إلى الاستثمارات والتقنيات الأجنبية والحصول عليها، وإعاقتها للتعاون الدولي في مجالات الثقافة والفنون والرياضة والسفر والتبادلات الشعبية والنقل، بما في ذلك الطيران المدني. وقال: “نؤكد مجددا معارضتنا للتدابير القسرية الانفرادية وندعو الدول إلى وقف هذه الممارسة فورا وبشكل كامل.” ودعا الدول الأعضاء ومنظومة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى إلى دعم البلدان التي تتعرض لهذه الممارسات غير القانونية ومساعدتها على التخفيف من معاناتها. وقال أيضا إن الإجراءات القسرية الانفرادية تضع القوانين المحلية لدولة ما فوق القانون الدولي وقوانين الدول الأخرى، متخذة الحوار والتشاور بدلا عن الإكراه وسياسة القوة. بين مجتمع التنمية المشتركة والتهديد بالعقوبات، أي نهج يحظى بثقة أوسع؟ الإجابة واضحة. وأوضح السيد فو أن بعض الدول الغربية تستغل التدابير القسرية الأحادية الجانب وتستخدمها كسلاح في محاولة لتبرير وإضفاء الشرعية على قانون الغاب. هذه هي الأحادية والهيمنة وسياسة القوة بكل ما للكلمة من معنى. هذه الممارسات غير القانونية تلحق الضرر بالآخرين، وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية.
إن الصين، بوصفها من دول “الجنوب العالمي” وضحية للإجراءات القسرية الأحادية الجانب، تقف دائما إلى جانب العدالة والإنصاف، وإلى جانب التعددية، وإلى جانب الدول النامية. ستعمل الصين مع جميع الأطراف المعنية لدحر تيار الأحادية والهيمنة الرجعي، والمحافظة على النظام الدولي، وفي القلب منه الأمم المتحدة، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، وتعزيز تطوير الحوكمة العالمية في اتجاه أكثر عدلا وإنصافا، بما يعزز السلام والاستقرار والتنمية والازدهار المشترك للبشرية جمعاء.
إن الأمم المتحدة باعتمادها “اليوم الدولي لمناهضة التدابير القسرية الانفرادية”، فإنها لا تطلق شعارا فارغا، بل تعبر عن الإرادة الجماعية لمعظم الدول. لقد عانى العالم طويلا من الهيمنة. ونأمل أن ينير تحديد هذا اليوم الطريق لعصر جديد يرشد فيه التوازن والإنصاف العلاقات العالمية. إن اعتماد هذا اليوم، وإن كان يمثل خطوة جيدة لتعميق الوعي العام لدى شعوب العالم، وخاصة في الدول التي تلجأ إلى التدابير القسرية الانفرادية لفرض هيمنتها، فإن المهمة تظل ثقيلة ومستمرة لمكافحة هذا السلوك العدواني، وهذا لن يحدث من دون تكتل دولي وضغط متواصل على الأطراف التي تلجأ للتدابير القسرية الانفرادية لإجبارها على تقويم سلوكها. إن ما ينبغي للمجتمع الدولي أن يسعى إليه هو تعددية أطراف حقيقية، وهذا يتجسد في نموذج حوكمة قائم على المؤسسات والقواعد والتشاور العادل، تشارك فيه كل الدول على قدم المساواة. وهذا بالتحديد ما تتضمنه مبادرة “الحوكمة العالمية” التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في الأول من سبتمبر 2025 خلال قمة منظمة شانغهاي للتعاون التي عقدت في مدينة تيانجين الصينية. من بين المبادئ الأساسية لهذا المبادرة، الالتزام بالمساواة في السيادة، والالتزام بسيادة القانون الدولي، وممارسة التعددية.




