رأي

إدارة العواصف: دلالات الاتصال الهاتفي بين شي جين بينغ وترامب

في لحظة دولية مثقلة بالشكوك والاصطفافات الحادة، جاء الاتصال الهاتفي بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب ليحمل أكثر من رسالة، ليس فقط في ما قيل، بل في كيفية القول وتوقيته. فالعلاقات الصينية-الأميركية، التي وُصفت مرارًا بأنها الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا في النظام الدولي، تبدو اليوم أمام محاولة جديدة لإعادة ضبط إيقاعها، لا عبر حلول كبرى، بل من خلال إدارة محسوبة للخلافات وتوسيع هامش التفاهم الممكن.
منذ البداية، حرص شي جين بينغ على وضع العلاقة الثنائية في إطارها الاستراتيجي الأشمل، مؤكدًا أنه يوليها أهمية كبيرة، ومستعيدًا مسار التواصل الذي حافظ عليه مع ترامب خلال العام الماضي، بما في ذلك لقاؤهما في بوسان، والذي حدّد – وفق التوصيف الصيني – اتجاه العلاقات بين البلدين. هذا التذكير ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، بل إشارة إلى استمرارية سياسية مقصودة، وإلى أن بكين ترى في الحوار الشخصي بين القائدين عنصر استقرار لا يمكن الاستغناء عنه في مرحلة حساسة.
اللافت في هذا الاتصال هو انتقال الخطاب الصيني من مجرد الدعوة إلى “إدارة الخلافات” نحو التأكيد على بناء الثقة خطوة خطوة. فقول شي إن “القيام بعمل جيد مهما كان صغيرًا هو صواب دائمًا، والقيام بعمل سيئ مهما كان صغيرًا هو خطأ دائمًا”، يعكس فلسفة سياسية عملية تقوم على التراكم التدريجي، لا على القفز فوق التناقضات. هذه المقاربة تختلف عن نبرات سابقة كانت تركّز على الخطوط الحمراء فقط، وتوحي بأن الصين باتت تفضّل خفض منسوب المخاطر بدل اختبار حدود الصبر المتبادل.
في السياق نفسه، ربط شي مسار العلاقات الثنائية باستحقاقات داخلية كبرى لدى الطرفين: إطلاق الصين لخُطتها الخمسية الخامسة عشرة، واستعداد الولايات المتحدة للاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلالها. هذا الربط يعكس إدراكًا صينيًا بأن الاستقرار الخارجي شرط للتنمية الداخلية، وبأن أي انفلات في العلاقة مع واشنطن ستكون له كلفة مباشرة على أولويات الصين الاقتصادية والاجتماعية في المرحلة المقبلة.
أما في ما يتعلق بالقضايا الدولية، فقد تعمّد الطرفان إدخال البعد المتعدد الأطراف في صلب الحديث، مع إشارة شي إلى استضافة الصين لاجتماع قادة APEC، مقابل استضافة الولايات المتحدة لقمة G20.  هنا، تتجاوز الرسالة إطار العلاقات الثنائية، لتقول إن التنافس بين القوتين لا ينبغي أن يتحوّل إلى شلل في آليات الحوكمة الاقتصادية العالمية، في وقت يواجه فيه العالم تحديات تضخمية ومالية عابرة للحدود.
وفي قلب الاتصال، حضرت مسألة تايوان بوصفها الثابت الأكثر حساسية في الموقف الصيني. تشديد شي على أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وأن بلاده لن تسمح بأي شكل من أشكال الانفصال، جاء بلغة واضحة ولكن منضبطة، مقرونة بدعوة الولايات المتحدة إلى التعامل بحذر مع ملف مبيعات الأسلحة. الجديد هنا ليس في الموقف ذاته، بل في إدراجه ضمن خطاب عام يدعو إلى إدارة الخلافات ومنع التصعيد، لا إلى المواجهة المفتوحة.
في المقابل، بدا موقف ترامب أكثر هدوءًا مقارنة بمراحل سابقة، إذ وصف العلاقة الصينية-الأميركية بأنها الأهم في العالم، وأكد احترامه لشي ورغبته في رؤية الصين تنجح. هذا الكلام لا يعني تحوّلًا جذريًا في السياسة الأميركية تجاه الصين، لكنه يعكس إعادة معايرة في الخطاب، تقوم على الاعتراف بواقع المنافسة الاستراتيجية، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة.
في المحصلة، لا يحمل هذا الاتصال وعودًا كبرى أو اختراقات دراماتيكية، لكنه يكشف عن نضج متبادل في فهم حدود الصراع وإمكانات التعايش. الجديد ليس إزالة الخلافات، بل الاتفاق الضمني على عدم السماح لها بإغراق “سفينة العلاقات” وسط رياح دولية عاتية. وفي عام 2026، الذي وصفه شي بعام يمكن أن يشهد تقدمًا نحو الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للطرفين، تبدو بكين وواشنطن أمام اختبار حقيقي: إما إدارة المنافسة بعقلانية، أو تركها تنزلق إلى مسار لا يرغب فيه أحد، لكن الجميع سيدفع ثمنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى