رأي

الدبلوماسية الموسيقية في بكين: كيف عزفت الصين رسائلها لترامب؟

بقلم: وارف قميحة، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
في العلاقات الدولية، لا تُصاغ الرسائل السياسية فقط عبر البيانات الرسمية أو الكلمات المعلنة في المؤتمرات الصحافية، بل كثيرًا ما تُرسل من خلال التفاصيل الناعمة التي تبدو للوهلة الأولى بروتوكولية أو فنية. وفي بكين، خلال الحفل الرسمي الذي أقيم على شرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدا واضحًا أن الموسيقى نفسها كانت جزءًا من المشهد الدبلوماسي، لا مجرد خلفية احتفالية عابرة.
البرنامج الموسيقي الذي قدمته الفرقة الموسيقية العسكرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني لم يكن عشوائيًا، بل حمل في ترتيبه ومضمونه مزيجًا من الرسائل الثقافية والإنسانية والدبلوماسية. فمنذ اللحظات الأولى، اختارت بكين افتتاح الأمسية بمقطوعة شعبية هادئة للكمان، في إشارة إلى الطابع الراقي والمنظم الذي يميز البروتوكول الصيني، قبل أن تنتقل مباشرة إلى “America the Beautiful”، إحدى أكثر الأغاني ارتباطًا بالهوية الوطنية الأمريكية، في رسالة ترحيب واضحة تعكس احترام الصين للضيف الأمريكي وللدولة التي يمثلها.
لكن الحفل لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية. فمع إدراج مقطوعة “China in the Glow of Lights”، بدا وكأن الصين تقدم نفسها أمام العالم كما تريد أن تُرى: دولة حديثة، مستقرة، وواثقة من نهضتها الاقتصادية والحضارية. ثم جاءت “Edelweiss” ذات الطابع الإنساني الهادئ، قبل أن تعود الهوية الثقافية الصينية بقوة عبر “The Butterfly Lovers”، التي تُعد من أشهر الأعمال الموسيقية الكلاسيكية الصينية وأكثرها ارتباطًا بالتراث الثقافي الصيني.
وفي خطوة لافتة، حافظ البرنامج على توازن واضح بين الموسيقى الصينية والغربية. فقد حضرت “Sousa March Carnival” ذات الطابع الاحتفالي الأمريكي، إلى جانب “Under the Silver Moonlight” المستوحاة من الأجواء الشرقية التقليدية، وكأن بكين أرادت أن تعكس عبر الموسيقى صورة علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والتواصل بين حضارتين كبيرتين، رغم التنافس السياسي والاقتصادي القائم بينهما.
أما إدراج “We Are the World”، فحمل بدوره رسالة تتجاوز الفن إلى البعد الإنساني العالمي. ففي عالم يعيش توترات متصاعدة وحروبًا وأزمات اقتصادية، تبدو الأغنية رمزًا لفكرة التعاون والشراكة بين الشعوب، وهي مفاهيم تحرص الصين في خطابها السياسي والدبلوماسي على إبرازها باستمرار، سواء من خلال دعوتها إلى التعددية الدولية أو عبر رؤيتها لبناء “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”.
لاحقًا، انتقل البرنامج إلى أجواء أكثر هدوءا وانفتاحا مع “A Waltz Fulfilled” و”Can You Feel the Love Tonight”، في محاولة لإضفاء طابع إنساني ودافئ على المشهد، بعيدًا عن برودة الحسابات السياسية التقليدية. ثم عادت الصين في نهاية البرنامج تقريبًا إلى تأكيد حضورها الحضاري عبر “Ode to the Peony Blossom”، المستوحاة من زهرة الفاوانيا التي ترمز في الثقافة الصينية إلى الازدهار والكرامة والجمال.
لكن اللحظة الأكثر لفتًا للانتباه كانت مع إدراج أغنية “Y.M.C.A” المرتبطة بشكل وثيق بصورة ترامب الجماهيرية وظهوره المتكرر في التجمعات الانتخابية والاحتفالات السياسية. وهنا بدا واضحًا أن بكين تتعامل مع الموسيقى كجزء من دبلوماسية ناعمة مدروسة بعناية، تحرص على توظيف الرموز الثقافية والفنية بطريقة تعكس فهمًا دقيقًا لشخصية الضيف وأجواء المناسبة.
الصين تدرك منذ سنوات أن قوة التأثير الدولي لا يُبنى فقط عبر الاقتصاد أو القوة العسكرية، بل أيضًا عبر القدرة على التأثير الثقافي وإدارة الصورة الذهنية للدولة. ولذلك أصبحت الثقافة، والفنون، وحتى تفاصيل البروتوكول، جزءًا من أدوات “القوة الناعمة” التي تستخدمها بكين لتعزيز حضورها العالمي، وهو ما ينسجم مع رؤيتها الداعية إلى تعزيز التبادل الحضاري والتفاهم بين الشعوب عبر الثقافة والفنون.
وفي هذا السياق، تتحول الموسيقى في الحفلات الرسمية إلى لغة دبلوماسية موازية، تحمل رسائل عن الاحترام والتوازن والانفتاح، وتكمل الرسائل السياسية والثقافية التي تسعى الدول إلى إيصالها في مثل هذه المناسبات الكبرى.
في بكين، حتى الألحان تُدار بعناية. فالصين التي تفضّل غالبًا الرسائل الهادئة وغير المباشرة، تعرف جيدًا كيف تجعل الموسيقى تكمل المشهد الدبلوماسي والثقافي بصورة تعكس ثقتها بهويتها الحضارية ومكانتها الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى