ثقافة

وارف قميحة اصدر كتابه”حين يلتقي الفارابي بشي جين بينغ”: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد

صدر عن “الدار العربية للعلوم – ناشرون “، كتاب الباحث اللبناني والكاتب وارف قميحة “حين يلتقي الفارابي بشي جين بينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد”، في تجربة فكرية تنتقل إلى مساحة مختلفة من مشروعه البحثي في الشأن الصيني، وتفتح حوارًا حضاريًا بين فلسفة المدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ للحوكمة والتنمية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

يقوم الكتاب على لقاء فكري بين عالمين تفصل بينهما أكثر من ألف سنة، وينطلق من سؤال محوري: كيف يمكن لفلسفة صاغها الفارابي قبل أكثر من ألف عام أن تتحاور مع مشروع الحوكمة الحديث في الصين المعاصرة؟ ويحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية لمفاهيم الإنسان وغاية الدولة، والقيادة المسؤولة، والأخلاق في الحكم، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعاون والانسجام المجتمعي.

ولا يفترض الكتاب وجود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بين الفارابي وشي جين بينغ، ولا يسعى إلى إقامة تطابق بين فلسفة نشأت في سياق تاريخي قديم وتجربة سياسية معاصرة، بل يقرأ المسافة الزمنية والحضارية بينهما بحثًا عن القيم والأسئلة الإنسانية التي يمكن أن تتقاطع رغم اختلاف الأزمنة والبيئات. فالفارابي رأى أن غاية السياسة تتجاوز إدارة الحكم إلى تحقيق سعادة الإنسان وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون، فيما يتناول الكتاب رؤية شي جين بينغ بوصفها مشروعًا معاصرًا للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والتنمية والنزاهة والانضباط في صميم بناء الدولة.

ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء والاختلاف، من مكانة الإنسان في الدولة وصفات القائد ودوره الأخلاقي والمعرفي، إلى العلاقة بين القانون والأخلاق والانسجام الاجتماعي والتنمية الموجهة نحو تحسين حياة الإنسان. كما ينتقل من حدود الدولة إلى المجال الدولي، مقاربًا بين فكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي ورؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جين بينغ.

ويؤكد قميحة في كلمة المؤلف أن “الكتاب لم يولد من رغبة في إجراء مقارنة سريعة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا من محاولة للجمع بصورة مصطنعة بين الفلسفة والسياسة، وإنما من سؤال حول قدرة القيم الإنسانية التي صاغها الفكر الفلسفي في مراحل سابقة من التاريخ على المساهمة في قراءة قضايا الحاضر”، مشددا على أن “العمل لا يسعى إلى تقديم تجربة سياسية بوصفها نموذجًا جاهزًا، بل إلى الفهم والتحليل وفتح مساحة للحوار بين التراث والواقع المعاصر”.

وقد كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تشينغ قوه، المعروف عربيًا باسم بسّام، أستاذ كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ومدير مركز الشيخ زايد لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية في الجامعة، ونائب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في الصين، وعضو اتحاد كتّاب الصين. ووصف شوي الكتاب بأنه “إنجاز فكري وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية وإلى مسار الحوار الثقافي والفكري بين الصين والعالم العربي”، مشيرًا إلى أن “التأمل في تصوّري الفارابي وشي جين بينغ للحوكمة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عميقة تتصل بالأخلاق والعدالة وخدمة الإنسان والقيادة والمسؤولية الاجتماعية”.

وأوضح أن “الفارابي ينطلق، في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة)، من تصور يرى أن السياسة ليست مجرد تدبير لشؤون الحكم، بل علم غايته إسعاد الإنسان، وأن الدولة العادلة تقوم على الانسجام بين الفضيلة الفردية والنظام الجماعي. فالحاكم، وفق تصوره، لا يُقاس بقوة سلطته، بل بقدرته على توجيه المجتمع نحو الكمال الأخلاقي والعقلي”، لافتا الى أن “رؤية شي جين بينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الدولة، تؤكد أن الحوكمة الرشيدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والنزاهة وخدمة الشعب، وأن مفهوم الحوكمة من أجل الشعب يشكل أساسًا مهمًا في ممارسة المسؤولية العامة”.

ويتوقف التقديم عند صورة “الرئيس الفاضل” لدى الفارابي، الذي يجمع بين الحكمة والمعرفة والقدرة على القيادة ويكون قدوة أخلاقية قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلك مع نموذج القائد المسؤول في الدولة الصينية الحديثة، حيث يشدد شي جين بينغ على مسؤولية المسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين باعتبار ذلك شرطًا لاستقرار الدولة واستمرارها.

واكد شوي “عدم وجود أدلة على أن شي جين بينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحًا أن التقاطعات التي يتناولها الكتاب لا تقوم على فرضية الاقتباس أو التأثير المباشر. فالرؤية السياسية والأخلاقية لدى شي جين بينغ تستند أساسًا إلى التراث الحضاري الصيني، حيث يظهر الأثر الكونفوشيوسي في التركيز على الحكم بالأخلاق ونزاهة المسؤول، وتحضر فكرة مركزية الشعب المتجذرة في الفكر الكونفوشيوسي، ولا سيما لدى منشيوس، إلى جانب التشديد على سيادة القانون والانضباط المؤسسي والجمع بين القانون والأخلاق”.

ورأى أن “حوكمة شي جين بينغ تمثل نموذجًا معاصرًا لدمج التراث الفلسفي الصيني في مشروع سياسي حديث يعكس استمرارية حضارية أكثر مما يمثل قطيعة مع الماضي. وإذا كان الفارابي من أبرز ممثلي التراث العربي الإسلامي في الفكر السياسي، فإن شي جين بينغ يمثل وريثًا للتراث الصيني المتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، ما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة”.
يتوجه الكتاب إلى القراء والباحثين والمهتمين بالفكر السياسي والفلسفة والحوكمة والعلاقات العربية الصينية، وإلى كل من يبحث عن مقاربات جديدة للحوار بين الحضارات تتجاوز ثنائية الشرق والغرب ومنطق الصراع بين النماذج. كما يدعو إلى إعادة قراءة التراث الفلسفي العربي الإسلامي باعتباره مصدرًا حيًا للأسئلة والقيم، وليس مادة تاريخية جامدة منفصلة عن قضايا العصر. ويرى المؤلف أن غاية العمل ليست إغلاق النقاش، بل فتحه، وليست تقديم نموذج جاهز، بل الدعوة إلى التفكير في أن السياسة، مهما تعقدت أدواتها، تظل فعلًا إنسانيًا لا ينفصل عن القيم التي تمنحه معناه. وإذا نجح الكتاب في إثارة أسئلة جديدة أو فتح نافذة لحوار هادئ بين الفكر والتراث والواقع المعاصر، فإنه يكون قد حقق غايته الأساسية.

يُذكر أن وارف قميحة خبير مالي واقتصادي واختصاصي في مجال الدبلوماسية الإنسانية، ويعمل على مبادرات تُعنى بالتنمية والمسؤولية المجتمعية وتعزيز التواصل بين الشعوب، مع اهتمام خاص بالعلاقات العربية الصينية ومسارات الحوار الثقافي والمعرفي. كما يشغل منصب رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، وهو مؤسس ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني ومعهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث.

ويمثل كتاب “حين يلتقي الفارابي بشي جين بينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد” امتدادًا لمشروع وارف قميحة البحثي والثقافي الهادف إلى تعميق المعرفة المتبادلة بين العالم العربي والصين، وفتح مساحات جديدة للحوار حول القيم الإنسانية والحوكمة والتنمية ومستقبل المجتمعات، من خلال الجمع بين عمق التراث وأسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى