الصين في مسار التحول الكبير: من الإصلاح إلى التجدد الوطني
على الصعيد العربي، يُنظر إلى الصين اليوم كشريك استراتيجي أكثر من كونها مجرد قوة اقتصادية

لم تكن الدورة الأخيرة حدثاً روتينياً كما قد يظن البعض، بل لحظة مراجعة وطنية كبرى أعادت فيها القيادة الصينية قراءة التجربة الممتدة منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر السبعينيات حين اختار دنغ شياو بينغ فتح النوافذ أمام نسيم التغيير، حتى اللحظة الراهنة التي تتجه فيها البلاد بثقة نحو مرحلة التجدد الوطني. ما بين الماضي الذي حمل بذور التحول والحاضر الذي يعيد زراعة تلك البذور في تربة جديدة من الوعي والتكنولوجيا، تتشكل ملامح رؤية صينية أكثر وضوحاً وهدوءاً لكنها أكثر تصميم من أي وقت مضى.
في الخطاب الصيني، لا وجود للمفردات العاطفية الزائدة، فحين يتحدث الرئيس شي جين بينغ عن التحول العظيم للأمة الصينية لا يلقي شعاراً سياسياً بقدر ما يرسم خريطة طريق فكرية. هو خطاب يحمل في طياته فلسفة الدولة الحديثة التي ترى أن النهضة لا تُستعار من الخارج بل تُصنع من الداخل بالاعتماد على الذات وعلى ما يسميه شي الثقة بالنفس الثقافية. لذلك حين دعا في كلمته الى تصحيح المسار، لم يكن يتحدث عن أخطاء تكتيكية، بل عن استكمال مسيرة الإصلاح بروح جديدة تواكب تحديات القرن الحادي والعشرين.
لقد شكلت سياسة الإصلاح والانفتاح نقطة الانطلاق نحو الصين الحديثة، لكن الدورة العشرين جاءت لتؤكد أن الاصلاح ليس محطة بل عملية متواصلة تعيد فيها الدولة ضبط توازنها بين النمو والعدالة، بين السوق والمجتمع وبين الطموح القومي والانفتاح الدولي. وكما قال شي، الإصلاح ليس هدفاً بذاته بل وسيلة للبقاء على الطريق الصحيح. هذه الجملة تختصر الفلسفة التي حكمت الصين طوال العقود الماضية: لا انفجار في القرارات بل تدرج محسوب، ولا اندفاع نحو الغرب أو انغلاق عنه بل تكيّف مدروس يحافظ على خصوصية التجربة الصينية.
منذ تولي شي جين بينغ القيادة تحولت فكرة الحلم الصيني إلى ركيزة فكرية جامعة يُعاد عبرها تفسير معنى التقدم. فالحلم هنا لا يُقاس فقط بالأرقام والناتج المحلي بل بتحقيق التوازن بين الازدهار المادي والنهوض الثقافي. وهو ما يفسر التحول الذي شهدته الصين من مجرد مصنع للعالم إلى دولة تقود الابتكار وتؤسس لمفاهيم جديدة في الإدارة والحوكمة والتعليم. في كل ما تقوم به الصين ثمة محاولة لإعادة تعريف الحداثة. ليست الحداثة بمعناها الغربي الذي يعلي من شأن الفرد على حساب الجماعة، بل حداثة صينية الطابع تستند إلى الموروث الثقافي العميق الذي يجعل من الجماعة مصدر قوة وانسجام.
لقد عبّر شي عن ذلك بوضوح حين قال إن الحداثة الصينية ليست نسخة من أي نموذج أخر، بل طريق نابع من التجربة الصينية نفسها. هذا الوعي بالخصوصية هو ما يجعل التجربة الصينية فريدة في عالم يسير نحو التشابه المفرط. بينما تعاني كثير من المجتمعات من فقدان البوصلة، تحافظ الصين على توازنها من خلال الجمع بين القديم والجديد، بين فلسفة كونفوشيوس التي تحتفي بالانسجام وبين روح العصر التي تحتفي بالابتكار.
لكن هذا التجدد لا يتوقف عند الداخل بل يمتد إلى العالم باسره. فالصين التي خرجت من قرن الإذلال لا تريد إعادة إنتاج أي شكل من الهيمنة، بل تسعى إلى بناء ما تصفه بمجتمع المصير المشترك للبشرية وهو مفهوم يتجاوز المصالح الضيقة إلى رؤية كونية للعلاقات الدولية. وفق هذه الرؤية، فإن الأمن لا يتحقق بعسكرة التحالفات بل ببناء الثقة، والتنمية لا تتحقق عبر المنافسة الصفرية بل عبر التكامل. في عالم يزداد انقساماً، تحاول الصين طرح نموذج يقوم على الحوار بدلاً من الإقصاء وعلى التنمية المشتركة بدلاً من الاحتكار.
الدورة العشرون كانت مناسبة لإعادة تأكيد هذا النهج، فالرئيس شي شدد على ضرورة أن تبقى الصين منفتحة على العالم ولكن وفق شروطها، وأن تحافظ على استقلال قرارها السياسي دون أن تنغلق على ذاتها. هذه المعادلة الدقيقة هي ما يجعل التجربة الصينية مثار اهتمام عالمي، فهي ترفض ثنائية الانغلاق أو الذوبان، وتؤمن بأن طريقها الخاص هو الذي يمنحها القوة. لذلك فإن التجدد الوطني الذي يجري الحديث عنه، لا يعني القطيعة مع الماضي بل البناء عليه بروح نقدية خلاقة.
في قلب هذا التحول يقف الإنسان الصيني. فالدولة التي بنت أكبر بنية تحتية في العالم خلال عقدين، تدرك أن التحدي المقبل ليس في الاسمنت والحديد بل في العقول. ولهذا باتت التنمية البشرية محور السياسات الجديدة من التعليم إلى التكنولوجيا، ومن العدالة الاجتماعية إلى حماية البيئة. لقد صار الازدهار المشترك هدفاً معلناً يعيد توزيع ثمار التنمية بعد أن كانت متركزة في المدن الكبرى والسواحل الشرقية. هكذا يتحول التجدد الوطني إلى عملية بناء متوازنة لا تقصي أحداً من مسيرة النهوض.
الحداثة الصينية التي يتحدث عنها شي ليست مجرد إعادة تصنيع الأدوات، بل إعادة إنتاج القيم. فالثقافة التي طالما كانت جزءاً من القوة الناعمة للصين، استعادت حضورها اليوم كعنصر فاعل في السياسة الوطنية. الانتشار الواسع لمعاهد كونفوشيوس حول العالم، يوضح كيف تعيد الصين تعريف قوتها من خلال الفكر والتعليم. هي لا تصدر نموذج بالقوة بل تقدم تجربة قابلة للفهم تخاطب الآخر بلغته ولكن بثقافتها الخاصة.
وفي الداخل، تتجلى مظاهر هذا التحول في العلاقة الجديدة بين الدولة والمجتمع. فالإصلاحات الإدارية ومكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الرقمية، كلها عناصر تندرج ضمن مفهوم الدولة الحديثة ذات الكفاءة العالية. الدولة التي تدار بالعقل لا بالعاطفة والتي ترى في الشفافية والانضباط أدوات للبقاء في صدارة التنافس العالمي. وبينما تتأرجح اقتصادات كبرى بين التضخم والركود، تواصل الصين ضبط إيقاعها الاقتصادي بطريقة هادئة محافظة على توازنها الاجتماعي والسياسي في آن معاً.
أبرز ما يميز التجربة الصينية هو قدرتها على الجمع بين الواقعية والطموح. فبينما تنشغل دول كثيرة بخلافات إيديولوجية أو نزاعات إقليمية تبني الصين جسور جديدة عبر مبادرات كبرى مثل الحزام والطريق التي تحولت الى منصة عالمية للتعاون التنموي. هذه المبادرة لم تعد مجرد مشروع اقتصادي بل رمز لفلسفة الانفتاح الصيني على العالم. من خلالها تمتد خيوط الحرير الحديثة لتربط آسيا بأفريقيا وأوروبا ومعها تمتد روح التعاون لا المنافسة.
المتأمل في التحول الصيني يدرك أن ما يجري ليس صعود دولة فحسب، بل إعادة تعريف للعالم. فالصين لا تريد تكرار تجربة القوى العظمى السابقة بل تسعى إلى بناء نظام دولي أكثر عدلاً وتوازناً. خطابها عن التعددية الحقيقية والعدالة الدولية لا يأتي من موقع ضعف بل من قناعة بأن العالم لم يعد يحتمل مركزية واحدة. وهذا يمنح تجربتها بعداً إنسانياً وأخلاقياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
على الصعيد العربي، يُنظر إلى الصين اليوم كشريك استراتيجي أكثر من كونها مجرد قوة اقتصادية. العلاقات بين الجانبين تطورت من التعاون التجاري إلى الحوار الحضاري، ومن تبادل السلع إلى تبادل الرؤى حول التنمية والسيادة والاستقرار. العالم العربي الذي عاش طويلاً على هامش التنافس الدولي يرى في التجربة الصينية نموذجاً يلهمه للخروج من التبعية وبناء نهضته وفق خصوصيته الثقافية. كما أن الصين لم تستنسخ أحداً، تشجع الاخرين على عدم نسخها، بل على إيجاد طريقهم الخاص نحو التقدم.
البعد الثقافي في السياسة الصينية هو ما يمنحها جاذبية متزايدة. الصين تتحدث لغة الاحترام لا الإملاء، وتقدم نفسها كقوة تسعى إلى الشراكة لا السيطرة. لهذا السبب تزداد مكانتها في العالم النامي وفي آسيا وأفريقيا والعالم العربي على وجه الخصوص، حيث تلتقي المصالح المادية مع التطلعات الحضارية في نقطة واحدة: بناء عالم أكثر توازناً وإنصافاً.
دورة اللجنة المركزية العشرين كانت أكثر من اجتماع حزبي، كانت لحظة وعي بالتاريخ. الصين التي دخلت القرن الحادي والعشرين بثقة، تتهيأ اليوم لمرحلة جديدة من التجدد تدرك فيها أن قوتها ليست فقط في أرقام النمو بل في قدرتها على التفكير الهادئ وعلى صناعة المستقبل بعقلانية. في ذلك الصمت الذي يلف قاعات بكين، وفي ذلك الإصرار الذي يلمع في العيون، تختصر الصين فلسفتها: لا حاجة للضجيج كي تحدث التغيير، يكفي أن تملك الرؤية وأن تمضي بخطى ثابتة على الطريق.
من الإصلاح والانفتاح إلى التجدد الوطني، ومن الحلم الصيني إلى مجتمع المصير المشترك للبشرية، تمضي الصين في مسارها الطويل راسخة كجبل، مرنة كالماء، تعرف متى تبطئ ومتى تسرع، لكنها لا تتوقف. التجدد بالنسبة لها ليس غاية تدرك بل مسيرة تواصل، مسيرة أمة آمنت بأن المستقبل لا يُمنح بل يُصنع بالعقل بالعمل وبالإصرار على أن تكون كما قال شي جين بينغ ذات مرة: أمة عظيمة تستمد قوتها من حضارتها وتمنح العالم الأمل في غد أفضل.




