استكشاف الحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي من خلال اعمال وكتابات ووجهات نظر حوكمة الرئيس شي جين بينغ

الدكتورة هند سلطان
شهد المجتمع الدولي في العقود الأخيرة موجة من التحولات المتسارعة التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام العالمي، وطبيعة العلاقات بين الحضارات، ودور الثقافة والتعليم في تحقيق السلام والتنمية. وفي خضم هذه التحديات، قدمت الصين مفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” الذي يجمع بين الحكمة الفلسفية العميقة للحضارة الصينية ومبادئ القوة الناعمة الحديثة، ليطرح إطارًا بديلًا للعلاقات الدولية يقوم على التعاون والتكافل بدلًا من الصراع والهيمنة. ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة في السياق العربي، حيث تشترك المنطقة مع الصين في تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، وتلتقي معها في تطلعات التنمية المستقلة وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
ويبرز الحوار التعليمي والثقافي بين الصين والعالم العربي باعتباره أحد أهم الجسور التي يجري عبرها تحويل هذا المفهوم من رؤية نظرية إلى ممارسة واقعية. فالتعليم والثقافة ليسا مجرد أدوات لتبادل المعرفة، بل هما ركيزة لتعزيز الثقة المتبادلة، وبناء الوعي المشترك، وتشكيل أرضية إنسانية للحوار بين الحضارات. وقد شهدت العلاقات الصينية العربية توسعًا ملحوظًا في هذا المجال خلال العقود الأخيرة، مع تنامي برامج التبادل الأكاديمي، وتعزيز التعاون البحثي، وتوسع حضور اللغة والثقافة الصينية في العالم العربي، إلى جانب اهتمام الصين المتزايد بالتعرّف على الثقافة العربية والإسلامية. ففي 30 مايو 2024، حضر الرئيس شي جين بينغ حفل افتتاح الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي في بكين، واطلق أطر التعاون الخمسة بين الصين والدول العربية والتي اشتملت علي إطار أوسع للتبادلات الشعبية، والتي تم الإعلان من خلال بأن الجانبين سينشئ “مركز مبادرة الحضارة العالمية الصيني العربي”، ويوسعان نطاق مركز أبحاث الإصلاح والتنمية الصيني العربي، ويسرعان بناء منصات مثل تحالفات مراكز الفكر، ومنتديات تنمية الشباب، وتحالفات الجامعات، ويخططان لتحقيق 10 ملايين زيارة متبادلة للسائحين خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويهدف هذا البحث إلى تقديم تحليل معمق للإطار النظري لمفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، واستكشاف الأسس الفلسفية والثقافية التي يقوم عليها، ثم دراسة التطبيق العملي لهذه الرؤية في الحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي. كما يتناول البحث أبرز الفرص الواعدة لهذا التعاون في المستقبل، إلى جانب التحديات التي قد تعيق ترسيخ هذا الحوار كرافعة للتنمية والسلام. ويطمح هذا العمل إلى المساهمة في فهمٍ أوسع لدور التعليم والثقافة في بناء نموذج حضاري جديد يستجيب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.
أولا: الإطار النظري: الحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي من منظور مجتمع مصير مشترك للبشرية وفلسفة القوة الناعمة الصينية
إن مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، باعتباره مظهرًا هامًا من مظاهر القوة الناعمة للصين، يدمج بعمق الحكمة الفلسفية للثقافة الصينية التقليدية العريقة مع المفهوم الماركسي للمجتمع، مقدمًا حلاً قائمًا على القيم بخصائص صينية لإصلاح نظام الحوكمة العالمية متجاوزةً بذلك نظريات العلاقات الدولية التقليدية. فعند النظر الي هذا المفهوم من المنظور الثقافي، نجد انه يرث من الحضارة الصينية الحكمة الدبلوماسية المتمثلة في “الوئام دون تماثل” و”العلاقات المنسجمة بين جميع الأمم”. واستنادًا إلى المبادئ الأخلاقية المتمثلة في “الصدق والعلاقات الطيبة” و”اللطف وحسن الجوار”، يبني هذا المفهوم نموذجًا للتبادلات الدولية قائمًا على المساواة والتعاون وتحقيق نتائج مربحة للجميع. ويؤكد هذا المفهوم على ضرورة تحقيق التعايش والازدهار المشترك بين الحضارات المختلفة من خلال التعلم المتبادل. حيث يفكك هذا المفهوم نظرية التفوق الحضاري من خلال التفكير الجدلي القائل بأن “لكل شبر مزاياه ولكل قدم عيوبه”، ويُحوّل “النظرة العالمية” الصينية إلى مسار عملي لمواجهة التحديات العالمية من خلال التصور الشامل للعوالم الخمسة التي تتمثل في السلام الدائم، والأمن العالمي، والرخاء المشترك، والانفتاح والشمول، وعالم نظيف وجميل.
كما يُحاكي المفهوم نظرية ماركس حول “الأنواع-الكائنات”، مُطبّقًا القانون التاريخي للتطور البشري الذي تطور من “التمركز حول العرق” إلى “التمركز حول الفرد” إلى “التمركز حول النوع” في العلاقات الدولية المعاصرة. ويتجاوز هذا المفهوم المجتمع المتمركز حول منطق رأس المال، ويشجع على تحويل التاريخ الوطني إلى تاريخ عالمي من خلال الدعوة إلى نمط جديد من العلاقات الدولية قائم على الحقوق والمسؤوليات المشتركة، مما يخلق ظروفًا انتقالية لتحقيق اتحاد الأفراد الأحرار.
ومن المنظور الفلسفي، غالبًا ما تستند نظريات العلاقات الدولية إلى الصراع والضوابط والتوازنات (مثل الواقعية). بينما لا تقوم القوة الناعمة للصين على الترويج القسري أو تصدير القيم، بل تتجذر في تقاليدها الفلسفية العريقة، ولا سيما مفاهيم “تيانشيا” (天下، الكل تحت السماء)، والوئام والوحدة، والحكم الرشيد. فمجتمع المستقبل المشترك للبشرية هو تطور حديث لنظرية “تيانشيا”، لبناء إجماع عالمي يتجاوز قواعد اللعبة الصفرية وعقلية اللعبة الصفرية. بينما المنظور الغربي، تعتبر الدولة القومية الفاعل الأعلى، مع التركيز على السيادة المطلقة وفوضى المجتمع الدولي.
كما يُعدّ مفهوم مجتمع مستقبل مشترك للبشرية تعبيرًا حديثًا عن هذه الأفكار. كما تُشدد فلسفة “الوئام دون تماثل” على الوحدة والانسجام في إطار التنوع. فلا يتطلب مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية تجانسًا ثقافيًا أو مؤسسيًا، بل يدعو إلى أن تسعى الحضارات والدول المختلفة، مع الحفاظ على خصائصها الخاصة، إلى تحقيق أكبر قاسم مشترك من التعاون والمنفعة المتبادلة. وهذه هي فلسفة “التكافل”. ويُعيد هذا المفهوم بناء فهم النظام الدولي من خلال ثلاثة محاور أساسية، وهي:
مبدأ التعايش التعددي: رفض الاستبدال المؤسسي والوحدانية الحضارية، والدعوة إلى البحث عن القواسم المشتركة بين مختلف النظم الاجتماعية.
المصلحة المشتركة: استبدال النفعية بالجماعية، وتحقيق عوائد التنمية المشتركة من خلال منصات عملية مثل مبادرة الحزام والطريق.
نموذج أمني جديد: يقترح منظور أمني يُنسّق بين الأمن التقليدي وغير التقليدي، ويحل النزاعات الدولية من خلال الحوار والتشاور.
وفيما يتعلق بالقوة الناعمة الثقافية، يُعزز هذا المفهوم الاعتراف الدولي من خلال ثلاثة أبعاد: إبراز “الصين ذات المصداقية” من خلال الخصائص الشاملة للتحديث على الطريقة الصينية؛ وبناء “صين محبوبة” من خلال الالتزام بالقوة الوطنية دون هيمنة؛ وإظهار “صين محترمة” بتجاوز “فخ ثوسيديدس” ونظرية “صراع الحضارات”. حيث يُحوّل مفهوم مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التأملات الفلسفية للحضارة الصينية إلى حلول عملية لتحديات الحوكمة العالمية. فهو يُحلّ المواجهة الأيديولوجية من خلال الحوار بين الحضارات، ويُستبدل بالمواجهات الصفرية بفلسفة التكافل. وهذا لا يُظهر فقط مسؤولية الصين التاريخية كقوة عظمى، بل يُقدّم أيضًا نموذجًا جديدًا لتطور الحضارة الإنسانية. ففي فلسفة القوة الناعمة الصينية، يمثّل “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” نموذجًا ثوريًا للعلاقات الدولية. لا يكمن قوته في إجبار الآخرين على التشبه بها، بل في طرح السؤال الكبير: “هل يمكننا العمل معًا من أجل مستقبل أفضل؟”. إنه يسعى إلى كسب القلوب والعقول من خلال ممارسات ذات منفعة متبادلة وفلسفة التكافل والازدهار المشترك – شكل أعمق وأكثر ديمومة من أشكال القوة الناعمة، وأكثر ملاءمةً لاحتياجات عصر العولمة. ولا يعتمد نجاحها على جهود الصين المتواصلة فحسب، بل أيضًا على مدى استعداد العالم لقبول هذه الحكمة القائمة على العلاقات والتكافل.
ثانيا: الحوار التعليمي والثقافي كجسر للتنمية والسلام بين الصين والعالم العربي من منظور مجتمع مصير مشترك للبشرية والقوة الناعمة الصينية
يُعدّ الحوار التعليمي والثقافي أحد أهم الأدوات التي تسهم في بناء جسور من التفاهم بين الشعوب، وتحقيق التواصل الإنساني العميق بين الحضارات. وفي العلاقات الصينية العربية، يمثل هذا الحوار مساحة استراتيجية لتجسيد فكر الحوكمة لدى الرئيس شي جين بينغ، القائم على الانسجام والتنمية المشتركة. فالتعليم والثقافة ليس مجرد مجالات معرفية أو رمزية، بل تحولا إلى قوة ناعمة تسهم في تحقيق الأمن الإنساني والتنمية المستدامة وبناء مجتمع مصير مشترك.
- تبادل ثنائي الاتجاه بين التاريخ والحداثة
تمتد العلاقات التعليمية والثقافية بين الصين والعالم العربي جذورًا عميقة في التاريخ، إذ لم تبدأ في العصر الحديث، بل ترجع إلى قرون طويلة من التواصل الحضاري عبر طريق الحرير القديم، الذي مثّل جسرًا للتبادل التجاري والفكري بين الشرق والغرب. وقد لعب العلماء والرحالة والتجار دورًا محوريًا في نقل المعارف، والعلوم، والفنون، مما أسّس لمرحلة مبكرة من التفاعل الثقافي الذي تجاوز حدود المصالح المادية إلى تبادل القيم والرؤى حول الإنسان والمجتمع. فمنذ العصور الوسطى، عرفت الحضارة الإسلامية الصين من خلال الرحلات العلمية والتجارية التي قام بها العرب، مثل رحلة سعيد بن وهب وابن بطوطة، في حين تأثرت الصين بالتراث العربي في مجالات الطب، والفلك، والرياضيات، والفلسفة. كما دخل الإسلام إلى الصين في وقت مبكر، وأسهم المسلمون الصينيون في بناء جسر دائم للتواصل بين الثقافتين، ما خلق بيئة فكرية غنية بالتفاعل والاحترام المتبادل. ومع بدايات القرن العشرين، بدأ التواصل الأكاديمي يأخذ شكلًا مؤسساتيًا، حيث أُرسلت البعثات الطلابية الأولى بين الجانبين، وشهدت الجامعات الصينية والعربية اهتمامًا متزايدًا بتدريس اللغات المتبادلة. ففي عام ١٩٥٤، أرسلت الصين أول وفد لتدريب المعلمين إلى جامعة القاهرة في مصر. ومنذ ذلك الحين، تطورت أشكال وحجم ومحتوى التبادلات الثقافية الصينية العربية بالتوازي مع تطور العلاقات الصينية العربية، مما دعم التعاون بقوة في المجالات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وقد تزامن هذا التوجه مع حركات النهضة الفكرية في العالمين العربي والصيني، التي سعت إلى استلهام التجارب الحضارية المختلفة لتحديث مجتمعاتها. وفي سياق التحولات المعاصر في المجال الثقافي والتعليمي، شهدت العلاقات التعليمية والثقافية بين الصين والدول العربية تحولًا نوعيًا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، خاصة مع إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” التي جعلت من الثقافة والتعليم محورين أساسيين في بناء شراكة شاملة.
- مظاهر التعاون التعليمي- الثقافي الصيني العربي
إن التعليم أداة محورية في بناء العلاقات الصينية العربية الحديثة، إذ أطلقت الصين خلال العقدين الأخيرين عددًا من المبادرات التي تهدف إلى دعم التبادل الأكاديمي والعلمي مع الدول العربية. وتشمل هذه المبادرات، المنح الدراسية الحكومية الصينية المخصصة للطلاب العرب، والتي تتيح لهم دراسة تخصصات متنوعة في الجامعات الصينية. وبرامج التعاون البحثي بين الجامعات والمراكز العلمية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. والمعاهد المشتركة مثل معهد كونفوشيوس في العواصم العربية، الذي يعمل على نشر اللغة والثقافة الصينية بطريقة تحترم الخصوصية المحلية. كما بادرت الجامعات العربية بتوسيع أقسام اللغة الصينية والدراسات الآسيوية، وإقامة مؤتمرات علمية مشتركة تناقش قضايا التنمية والتعليم والثقافة، ما أوجد بيئة حوارية مثمرة على المستويين الأكاديمي والشعبي. فقد أرست مشاريع التبادل الثقافي الصينية العربية في سياق مشروع “المائة والألف والعشرة آلاف” الذي أطلقه شي في عام 2016، ومخيمات “الجسر الصيني” الصيفية (الشتوية)، وخطة التعاون الصينية العربية 10+10 للجامعات، وورشة عمل لوبان، أطرًا مؤسسية للتبادل. وعززت الجامعات تعاونها من خلال برامج تدريبية مشتركة ومنح دراسية خاصة. وعززت التبادلات بين مراكز الفكر الصينية والعربية بناء مجتمع أكاديمي. ونفذت شركات مثل CNPC وHuawei تعاونًا بين الجامعات والمؤسسات لمساعدة الدول العربية على تنمية المواهب في مجالات مثل التكنولوجيا الرقمية والطاقة. وفي الإمارات العربية المتحدة، يشهد “مشروع المائة مدرسة” ازدهارًا ملحوظًا، حيث تقدم 171 مدرسة حكومية دورات في اللغة الصينية، ويتعلم أكثر من 71 ألف طالب اللغة الصينية. وفي 12 نوفمبر من هذا العام، اقامت السفارة الصينية حفل تأسيس جمعية ” الدارسين المصريين في مصر”، والتي تعكس حرص الصين لي تعزيز التعاون الثقافي والتعليمي بين البلديين في مختلف المجالات عن طريق استقطاب المصريين الدارسين في الصين في مشاريع بحثية مشتركة بين البلديين لتعزيز الحوكمة.
ويواصل التعاون في مجال نشر الأخبار والبث الإذاعي والتلفزيوني تقدمه. حيث لعب مشروع ترجمة ونشر الكلاسيكيات الصينية العربية ومشروع كتاب طريق الحرير دورًا رائدًا، بينما ساعد مشروع الترجمة الأكاديمية الصينية على وصول الأعمال الأكاديمية الصينية إلى الدول العربية. وعززت آليات مثل ندوة تبادل النشر الصينية العربية، والمنتدى رفيع المستوى، ومنتدى التعاون في مجال النشر، تبادل النشر، وأنشأت منصات للنشر الدقيق لـ “الأصوات الصينية” و”القصص الصينية”. وتتعاون دور النشر من الجانبين بنشاط في مجال النشر الرقمي، وتنشئ منصات جديدة للتبادل الثقافي، وتشجع على مشاركة الموارد الأدبية المتميزة. وقد عُقد بنجاح عدة دورات من منتدى التعاون الإخباري الصيني العربي ومنتدى التعاون الإذاعي والتلفزيوني. وحظيت النسخة العربية من مسلسل “الجبال والبحار”، الذي ترجمته محطة إذاعة وتلفزيون نينغشيا، بإشادة واسعة بعد بثه في مصر والسودان وسلطنة عمان ودول أخرى.
وأنشأت شركة تشجيانغ هواس للسينما والتلفزيون قناة “هوى جوتشانغ” العربية على منصتها الإعلامية الجديدة، والتي تضم أكثر من مليون مشترك.
في الرؤية الصينية للحوار بين الحضارات. فبدلًا من فرض نموذج ثقافي واحد، تطرح الصين مفهوم “الاحترام المتبادل للثقافات” بوصفه أساسًا للتعايش المشترك. وفي هذا السياق، ازداد عدد الفعاليات الثقافية المتبادلة، مثل أسابيع الثقافة الصينية في الدول العربية، ومهرجانات الفن العربي في بكين، التي تسهم في إبراز التنوع الإنساني وتشجع على الفهم المتبادل. إن هذا التفاعل الثقافي لا يقتصر على الفنون والآداب، بل يمتد إلى الحوار الفكري والفلسفي حول قضايا القيم والهوية والتنمية. وهنا يتجسد فكر شي جين بينغ الذي يدعو إلى “تلاقي الجماليات الحضارية” و”استلهام الحكمة من تنوع الثقافات”، مما يجعل الثقافة أداة لتحقيق السلام بدلاً من أن تكون مجالاً للصراع أو التنافس الأيديولوجي. فمفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” يؤكد على التعايش والتعاون المتبادل والازدهار المشترك، ويُعدّ الحوار التعليمي والثقافي السبيلَ الأساسي لتحقيق هذا المفهوم. فمن خلال التبادلات التعليمية والثقافية المستمرة، تتجاوز النخب والشعوب من كلا الجانبين تدريجيًا الهوية الثنائية البسيطة الصينية العربية، وتبدأ في تشكيل هوية جماعية قوامها “نحن رفاق الدرب على طريق الحزام والطريق” و”نحن شركاء في التنمية المشتركة”. وهذا هو الأساس النفسي لوعي مجتمع المستقبل المشترك.
ومن منظور القوة الناعمة الصينية، تتجلى القوة الناعمة للصين هنا كعامل جذب. فهي لا تُجبر الآخرين على قبول قيمها بالقوة أو العقوبات، بل بتوفير موارد تعليمية عالية الجودة، ومنتجات ثقافية ثرية، ورؤية تنموية متبادلة المنفعة، مما يجعل العالم العربي مستعدًا طوعيًا لفهمها والتعلم منها والتعامل معها. فمن المنظور الصيني، بناء السلام الدائم لا يتحقق عبر المعاهدات السياسية فحسب، بل من خلال تأسيس ثقافة للتفاهم تبدأ من التعليم وتنمو عبر الحوار الثقافي. فكل مبادرة تعليمية أو ثقافية بين الصين والدول العربية هي في جوهرها مبادرة سلام، لأنها تُسهم في بناء وعي إنساني يقوم على احترام الآخر ونبذ التطرف والصراع. ويرى فكر شي جين بينغ أن تحقيق الأمن العالمي يرتبط بتعزيز الثقة بين الشعوب، وأن التعليم هو السبيل الأنجح لترسيخ هذه الثقة. ومن هنا، يصبح الحوار التعليمي والثقافي جسرًا للتنمية والسلام، يربط بين الحضارتين الصينية والعربية في مسار مشترك نحو الاستقرار والازدهار. فالرسالة التي تنقلها هي: “أنا شريك موثوق به، قادر على جلب فرص التنمية”. وهذا يعكس بأن التعاون التعليمي والثقافي بين الصين والعالم العربي دور المعرفة في تحقيق التنمية المستدامة. فالتبادل الأكاديمي لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يسهم في بناء القدرات الوطنية وتطوير المهارات التقنية والبحثية التي يحتاجها العالم العربي في مسيرته التنموية. فمن خلال مشاريع التدريب المهني والتعليم التقني التي ترعاها الصين في الدول العربية، يتم تمكين الشباب من اكتساب مهارات تتوافق مع متطلبات الاقتصاد المعاصر. كما تُسهم الشراكات الجامعية في تعزيز الابتكار العلمي وتبادل الخبرات في مجالات الطاقة، والزراعة الذكية، والتحول الرقمي، بما يخدم أهداف التنمية في الجانبين.
ثالثا، مستقبل الحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي: التحديات والفرص
إن مستقبل الحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي هو بالتحديد معيارٌ لاختبار مفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”، وفعالية القوة الناعمة الصينية، وحكمة الحوكمة الوطنية، وجاذبية نموذجها التنموي.
ومن خلال النجاحات التي حقق الحوار التعليمي والثقافي بين الشعبين، نجد ان هناك العديد من الفرص للتحول من “التعاون الثنائي” إلى “التوافق متعدد الأطراف”. حيث يُمكن للحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي أن يُحوّل “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” من مفهومٍ شامل إلى مشاريع بحثية مشتركة ملموسة، وكتب دراسية مُحرّرة، ومناهج دراسية مُصمّمة بشكل مشترك. على سبيل المثال، يُعدّ التطوير المشترك لمقررات دراسية حول “التعلم المتبادل بين حضارات طريق الحرير” أو “مبادرات التنمية العالمية” عمليةً لبناء شعورٍ مشتركٍ بـ “المجتمع” على المستوى الأكاديمي. كما يمكن تقديم رؤيةٍ شاملة تتجاوز الاختلافات. فعلي سبيل المثال عند مواجهة التحديات العالمية (مثل تغير المناخ، والصحة العامة، ومكافحة الإرهاب)، يُمكن للصين والدول العربية التعاون من خلال الجامعات ومراكز الفكر لاقتراح حلولٍ مشتركة قائمة على “التكافل” بدلاً من نهج “المحصلة الصفرية”، مُقدّمةً بذلك الحكمة ودراسات الحالة من الشرق والجنوب العالمي لـ “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”.
كما يمكن الانتقال من “القيادة الرسمية” إلى “التأثير الشعبي”. حيث يمكن أن يركز التعاون التعليمي والثقافي المستقبلي بشكل أكبر على مجالات مثل مسابقات ريادة الأعمال الشبابية، وبرامج الإقامة الفنية، والإنتاج السينمائي والتلفزيوني المشترك. يمكن لهذا النموذج “المحتوى الذي يصنعه الناس” أن يولّد قوة ناعمة أكثر أصالة وتأثيرًا، متجاوزًا الصور النمطية للدعاية الرسمية.
وأخيرا، في سياق جوهر القوة الناعمة للصين في إنجازاتها التنموية المذهلة، ومن خلال التعاون التعليمي، يمكن تحويل خبرة الصين وتقنيتها في مجالات مثل الاقتصاد الرقمي، والحد من الفقر، والبنية التحتية، والتنمية الخضراء إلى نظام معرفي يمكن للشباب العربي التعلم منه والاستفادة منه. حيث يكمن جوهر مسار الصين نحو التحديث في الاستقلال والاعتماد على الذات، إلى جانب الانفتاح على العالم الخارجي. تُعد هذه التجربة جاذبة للغاية للدول العربية التي تسعى إلى بناء مسارات تنموية خاصة بها، وتتجنب الاندماج الكامل في النظام الغربي. ويمكن للتعاون التعليمي أن يركز على هذا، من خلال استكشاف مشترك لقضية “التحديث من خلال نماذج غير غربية” المعاصرة. ويمكن للتعاون مع الدول العربية في مجال التدريب المهني والتقني أن يوفر مباشرةً الكفاءات الصناعية الضرورية لاستراتيجياتها الوطنية، مثل “رؤية 2030″، مما يمثل فرصة هائلة لتحقيق المنفعة المتبادلة.
ناهيك ان هناك حاجة ملحة الي تمكين “الحوكمة الرقمية”. حيث يمكن الاستفادة من المزايا التكنولوجية للصين، والبناء المشترك لـ”جامعات ذكية” و”منصات ثقافية إلكترونية” تجاوز الحواجز الجغرافية من خلال الوسائل الرقمية، وإدارة مشاريع التعليم العابرة للحدود، وتعزيز كفاءة الحوار الثقافي واتساع نطاقه.
ومع ذلك هناك أيضا بعض التحديات التي تواجه هذا الحوار، والتي تتمثل في الفجوة بين “الفكرة” و”الواقع”. حيث يواجه العالم العربي مطالب سياسية وصراعات جيوسياسية متنوعة. ويتمثل التحدي الرئيسي في ضمان قبول هذا المثال على نطاق واسع بين مختلف الدول والفصائل، ومنع اعتباره مجرد خطاب دبلوماسي أو أداة جيوسياسية. وفي سياق اخر يتعلق بالصراع على قوة السرد. لا تزال وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية الغربية السائدة تتمتع بقوة خطابية كبيرة، مما قد يُسيء تفسير “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” على أنه هيمنة جديدة لـ “مركزية الصين”. تحتاج الصين والدول العربية إلى بناء قنوات اتصال ومعايير تقييم أكاديمي مشتركة لا تخضع لتصفية أو تحريف نظام الخطاب الغربي.
كما ان هناك حاجة ملحة الي مواءمة الأنظمة والمعايير. حيث توجد اختلافات بين أنظمة الاعتماد التعليمي، والاعتراف بالشهادات، ومعايير التقييم الأكاديمي لدى الجانبين. وهذا يتطلب تنسيق هذه القضايا الإدارية والمؤسسية المعقدة والحيوية صبرًا كبيرًا وحكمة حوكمة متعمقة.
وأخيرا، فعالية مبادرات ومشاريع الحوار التعليمي الثقافي بين الجانبين تتطلب “نهج الاستدامة”. حيث هناك العديد من المشاريع التعاونية قد تتغير نتيجةً لتحولات القيادة، أو تقلبات التمويل، أو الاحتياجات السياسية قصيرة الأجل. ويمثل إنشاء آلية تعاون مستدامة وطويلة الأجل لا تتأثر بالدورات السياسية تحديًا كبيرًا على مستوى الحوكمة.
الخاتمة
إن العلاقات الصينية العربية تدخل اليوم مرحلة جديدة من النضج والتكامل، حيث تجاوزت العلاقات الاقتصادية والسياسية التقليدية لتصل إلى عمق حضاري وإنساني يقوم على التفاعل الثقافي والتربوي. ويحمل مستقبل الحوار التعليمي والثقافي الصيني العربي فرصًا وتحديات، لكن هذه الفرص تفوق التحديات. حيث تكمن الفرصة الجوهرية في الرغبة القوية في التنمية المستقلة لدى الجانبين، وتاريخهما المشترك كمركزين للحضارة المجيدة، وتطلعهما لاستعادة مجدهما السابق في القرن الحادي والعشرين. ويُعد هذا التناغم الحضاري رصيدًا استراتيجيًا فريدًا. أما التحدي الجوهري فيكمن في كيفية سد “فجوة الثقة” الناتجة عن الرأي العام الخارجي والاختلافات الداخلية بحكمة وصبر استثنائيين. وتتمثل الرؤية المستقبلية الناجحة في إنشاء نظام حوار شبكي متعدد الطبقات – يتكون من تبادلات نشطة بين المدارس والتفاعلات الشعبية؛ ويتمثل في البحث المشترك الجاد ومواءمة المعايير؛ ويتمثل في الابتكار الفكري بقيادة مشتركة فيما يتعلق بمستقبل التنمية البشرية. في نهاية المطاف، سيصبح هذا النظام الدعامة الأكثر صلابة لـ “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” للانتقال من المفهوم إلى الواقع، وأروع دليل على القوة الناعمة الصينية وممارساتها التنموية الناجحة.




