رأيعلى طريق الحرير

“الصين الواحدة”: قاعدة الاستقرار ورؤية بكين للعالم

 

إن فهم موقع الصين في النظام الدولي لا يكتمل دون فهم مبدأ “الصين الواحدة”. فهذا المبدأ لم يعد مجرّد إطار نظري أو بند في وثائق دبلوماسية؛ بل أصبح اليوم أحد أهم محاور الجدل الجيوسياسي في آسيا والعالم. ومن هنا تأتي ضرورته بالنسبة للباحث والقارئ على حد سواء.

جذور تاريخية وقانونية عميقة

يستند مبدأ “الصين الواحدة” إلى تراكم تاريخي طويل، شكل الوحدة السياسية والجغرافية للصين عبر آلاف السنين. فعلى الرغم من فترات التمزّق والحروب الداخلية التي شهدتها مراحل مختلفة من التاريخ الصيني، إلا أن الوعي بالوحدة ظل الركيزة الأساسية التي تعيد بناء الدولة في كل مرة.

وفي العصر الحديث، منح القرار 2758 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1971، هذا المبدأ بعداً قانونياً دولياً واضحاً، حيث أكد أن جمهورية الصين الشعبية هي الممثل الشرعي الوحيد للصين، وأن قضية تايوان جزء لا يتجزأ من قضية السيادة الصينية. ومنذ ذلك الحين، اعترفت غالبية دول العالم بهذا الإطار، وأصبح الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات الدبلوماسية مع بكين.

هذا الاعتراف لا يقوم فقط على اعتبارات سياسية؛ بل على إدراك أن وجود “صينين” أو اعتبار تايوان دولة مستقلة يتعارض مع القانون الدولي المعمول به منذ أكثر من خمسين عاماً.

تايوان… قضية سيادة لا مساومة فيها

بالنسبة لبكين، ليست قضية تايوان مسألة عابرة أو ملفاً سياسياً يمكن التعامل معه بالمرونة الكاملة؛ بل هي قضية سيادة ووحدة تراب؛ أي إحدى “المصالح الجوهرية” التي تصنفها الصين ضمن الخطوط الحمراء.

وقد شددت القيادة الصينية مراراً على أن الدعوات الانفصالية أو أي محاولة خارجية لتغيير الوضع القائم تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي.

وتتعامل الصين مع أي تدخل خارجي في الملف التايواني على أنه انتهاك للمبادئ الأساسية للعلاقات الدولية، وتؤكد أن الوحدة الوطنية ليست قضية داخلية فحسب؛ بل عامل استقرار إقليمي ودولي.

بين الحزم والمرونة

وعلى الرغم من حزم الصين في ملف تايوان، إلا أن سياستها تجمع بين الصلابة السياسية والمرونة العملية، حيث تفضّل بكين معالجة الخلافات عبر التفاوض، وتؤكد دائماً استعدادها للحوار مع القوى السياسية التي تلتزم بمبدأ “الصين الواحدة”. كما عملت الصين على تعزيز الترابط الاقتصادي بين البرّ الرئيسي وتايوان، لإظهار المنافع المتبادلة للوحدة السلمية.

وبما يخص مبدأ “بلد واحد ونظامان”، فتعتبره الصين نموذجاً قابلاً للتطبيق في حال إعادة التوحيد، بالرغم من الجدل القائم حول تجربتها في هونغ كونغ.

وتؤكد الصين أنها لا تسعى إلى المواجهة، ولكنها لن تتردد في اتخاذ إجراءات صارمة إذا تجاوزت القوى الانفصالية أو الخارجية الخطوط الحمراء.

مبدأ أساسي للاستقرار الدولي؟

تنبع أهمية مبدأ “الصين الواحدة” من ارتباطه بمستقبل الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. فمضيق تايوان ليس ممراً بحرياً عادياً، بل أحد أهم خطوط التجارة الدولية، وموقعاً استراتيجياً يرتبط بالأمن العالمي على نحوٍ مباشر.

فأي توتر أو نزاع مسلح في هذه المنطقة سيُحدث اهتزازات كبرى في أمن الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية، والتجارة الدولية، والاستقرار الإقليمي، وعلاقة القوى الكبرى ببعضها.

لذلك، فإن احترام مبدأ “الصين الواحدة” لا يخدم الصين وحدها، بل يخدم مصالح العالم بأسره، ويعكس التزاماً بقواعد القانون الدولي واحترام السيادة الوطنية.

وتربطالصين بين التمسك بهذا المبدأ وبين رؤيتها العامة للنظام الدولي. فالصين اليوم قوة صاعدة، لكنها ليست قوة تسعى إلى  فرض نموذجها بالقوة، بل قوة تؤكد باستمرار أن احترام سيادتها هو شرط أساسي لإرساء علاقات مستقرة ومتوازنة.

وفي إطار مبادراتها الكبرى مثل الحزام والطريق ومبادرات التنمية العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، تطرح الصين نموذج تعاون يقوم على المصالح المتبادلة، وليس على الانقسامات أو التجاذبات السياسية. لكن أي تعاون يجب أن يقوم على أساس الثقة السياسية، وهذه الثقة تنطلق من احترام مبدأ الصين الواحدة.

فهم الصين يبدأ من هنا

إن مبدأ الصين الواحدة ليس مجرد ملف دبلوماسي؛ بل هو نافذة لفهم الصين نفسها: تاريخها، حساسياتها، تطلعاتها، ورؤيتها لوحدة أراضيها.

ويدرك المتابع للشأن الصيني أن احترام هذا المبدأ هو المدخل لأي علاقة بناءة مع بكين، سواء كانت سياسية، اقتصادية، ثقافية أو بحثية.

فالقضية ليست شأناً صينياً داخلياً فحسب؛ بل محوراً أساسياً من محاور الاستقرار الدولي. وأي مقاربة موضوعية لهذا الملف يجب أن تنطلق من حقيقة أن العالم بحاجة إلى شرق آسيا مستقرة، وأن هذا الاستقرار يبدأ — ولا يمكن أن يقوم — دون احترام مبدأ “الصين الواحدة”.

المصدر : المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى