رأيعلى طريق الحرير

الحكمة السياسية في الخطاب الإعلامي:

استكشاف دور الإعلام في الحوكمة الحديثة من خلال أعمال شي جين بينغ

 

 

عادل علي،

إعلامي وباحث متخصص في الشؤون الصينية

يُعد شي جين بينغ الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس الصين من الزعماء القلائل في العالم الذين يمزجون بين النظرية والتطبيق في إدارتهم لشؤون السياسة والحكم، فضلا عن تناغم وتكيف أفكاره مع الظروف المتغيرة للعصر. فمن المعروف عن شي ابتكاره مفاهيم رائدة بشأن كيفية ممارسة مسائل الحكم، وهو ما تجلى في منتجاته الفكرية المتعددة، وعلى رأسها الكتاب ذائع الصيت (شي جين بينغ.. حول الحكم والإدارة)، والذي صدرت منه خمسة مجلدات، أحدثها باللغتين الصينية والإنجليزية في يوليو 2025، وهي المجلدات التي تعكس حكمة الصين والأمين العام شي جين بينغ في مجال الحوكمة.

ومن بين القضايا الرئيسية التي تطرقت إليها هذه المجلدات، الإعلام بمختلف وسائله، والذي يحظى بمكانة مركزية مهمة في فكر شي جين بينغ حول الحوكمة، إذ تتمحور أفكاره بهذا الصدد بشكل رئيسي في “سرد قصص الصين بشكل جيد”، وذلك بهدف تعزيز بناء قدرتها على الإعلام الدولي بما يتناسب مع قوتها الوطنية الشاملة ومكانتها الدولية، وتهيئة بيئة رأي عام خارجية مؤاتية للإصلاح والتنمية والاستقرار في الصين، فضلا عن تعزيز بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية، وذلك كما جاء في النقاط الرئيسية للكلمة التي ألقاها شي لدى ترؤسه للدراسة الجماعية الثلاثين للمكتب السياسي للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، في 31 مايو 2021.

وفي ضوء التحديات غير المسبوقة التي يواجهها الإعلام في الوقت الراهن، والذي يشهد تسارعا هائلا نتيجة ثورة تكنولوجيا المعلومات، بظهور الذكاء الاصطناعي وتقنيات ونماذج وصناعات جديدة تُعيد تشكيل المشهد الإعلامي المحلي والعالمي، فإن أفكار شي جين بينغ المهمة تقدم الإجابات التي توجه وتقود سعي الصين الدؤوب نحو مواجهة التحديات الإعلامية الراهنة، خاصة وأن الرئيس شي يسعى إلى تكريس مكانة الصين كلاعب فاعل ومؤثر في الحوكمة العالمية، والتأكيد على “حكمة الصين وحلولها وقوتها” في تشكيل النظام الدولي، بجانب تجديد شبابها الوطني في ظل التحديات والتوترات الجيوسياسية العالمية المتصاعدة.

في هذا السياق، سوف تتناول هذه الورقة موضوع الحكمة السياسية في الخطاب الإعلامي: استكشاف دور الإعلام في الحوكمة الحديثة من خلال أعمال شي جين بينغ، من خلال المحاور الرئيسية التالية:

أولا: العلاقة بين الحكمة السياسية والخطاب الإعلامي

تشير الحكمة السياسية إلى الأفكار والمعارف التي يتصف بها القادة السياسيين، والتي تمكنهم من النجاح في عملية صنع القرار السياسي، ومواجهة التحديات والتفاعل مع الرأي العام بفعالية، وصولا إلى فهم ديناميكيات الحوكمة وتوظيف التفكير الاستراتيجي لتحقيق الحوكمة الفعالة والتناغم في المجتمع.

أما الخطاب السياسي، فيشير إلى أساليب استخدام اللغة في المجال السياسي، بما في ذلك الخطب والمناظرات والمناقشات السياسية المكتوبة بهدف التأثير على الرأي العام وصنع القرار، وتشكيل المجتمع، عبر تحديد كيفية إيصال القضايا وفهمها والتعامل معها، مما يعكس ويؤثر على ديناميكيات القوة والقيم الثقافية. ومن خلال تحليل الخطاب السياسي، يمكن التعرف على الاستراتيجيات التي يستخدمها القادة للإقناع وتبرير السياسات وكسب الدعم.

ومن هنا، تشير الحكمة السياسية في الخطاب الإعلامي إلى الاستخدام الاستراتيجي للغة وتأطيرها لتشكيل فهم الجمهور وسلوكه. وثمة ارتباط عميق بين هذين المتغيرين، إذ يُعد الخطاب الإعلامي الأداة التي يستخدمها القادة السياسيين للتعبير عن أفكارهم وآرائهم، وتشكيل تصورات الجمهور حول القضايا السياسية، فضلا عن محاولة إقناع الجمهور بقبول وجهات نظر معينة أو اتخاذ مواقف محددة.

في هذا السياق، فإن الحكمة السياسية في الخطاب الإعلامي تعني التواصل المسؤول والدقيق الذي يلتزم بالمعايير الأخلاقية، ويركز على الحقيقة والدقة، ويهدف إلى بناء الوعي العام بدلا من التلاعب به أو استغلاله، كما يتجنب العشوائية والتحريف، ويعتمد على المعلومات الموثقة والإحصائيات لتقديم تحليل متوازن يوضح ويشرح القضايا، وذلك بهدف التوعية والإقناع المنطقي. وتتمثل الخصائص التي يتسم بها الخطاب الإعلامي الموصوف بأنه حكيم سياسيا، في الآتي:

– المسؤولية والمعايير الأخلاقية: تشير إلى التزام المرسل بمسؤوليته تجاه الجمهور، عبر وضع الأطر الأخلاقية والمهنية فوق الحرية المطلقة، مع الأخذ في الاعتبار التأثير المحتمل على الجمهور.

– الدقة والموضوعية: يعتمد على الحقائق والمعلومات الدقيقة والإحصائيات، مع تقديم تحليل علمي وموضوعي، وطرح الحقائق بشفافية.

– المشاركة والتفاعل: يهدف إلى التفاعل مع الجمهور وتوسيع نطاق مشاركته بدلا من مجرد التلقين والتوجيه المباشر.

– الوضوح والشرح: لا يكتفي بتقديم الأخبار والمعلومات، بل يسعى لتوضيحها وتفسيرها لزيادة الوعي العام لدى الجمهور.

– التخصص والنوعية: يأخذ بعين الاعتبار الجمهور المستهدف، كالمرأة أو الأطفال أو كبار السن، ويقدم خطابا نوعيا متخصصا وموجها لهذه الفئات.

– الابتعاد عن التلاعب: يتجنب الخطاب العشوائي والمبني على التحريف، ويُسهم في تشكيل وعي الجمهور بدلا من التلاعب به.

دلالات الحكمة السياسية في الخطاب الإعلامي الصيني: يمكن النظر إلى الحكمة السياسية في الإعلام الصيني باعتبارها استراتيجية اتصال سياسي تستخدم اللغة والمفاهيم التقليدية والحديثة، ليس فحسب بهدف بناء شرعية النظام الصيني وسياساته، وإنما أيضا بهدف تعزيز دور الصين ومكانتها كقوة عالمية مسؤولة. في هذا السياق، فإن الحكمة السياسية في الخطاب الإعلامي الصيني تتسم بمجموعة من السمات والخصائص والدلالات الرئيسية. حيث ترتكز هذه الحكمة على التوظيف الاستراتيجي والأيديولوجي لوسائل الإعلام لخدمة أهداف ومصالح الدولة وتعزيز قوتها ونفوذها، من خلال تحديد الأهداف والأدوار الرئيسية للإعلام الصيني، واستخدامه كأداة لتعزيز الرواية الصينية وتشكيل الرأي العام العالمي، مع التركيز على النجاحات الاقتصادية والتكنولوجية. كما تتميز هذه الحكمة أيضا بتركيزها على تقديم صورة وطنية إيجابية، عبر مزيج من السياسات الرسمية والقيم الثقافية والرسائل الاستراتيجية، مع إدراك ومواجهة التحديات الإعلامية التي تواجهها الصين وتحديد سبل التعامل معها. بالإضافة إلى الاستخدام الاستراتيجي للأطر المجازية لتشكيل تصورات الحكم والتقدم الوطني، فضلا عن الدمج بين القيم التقليدية والحداثة، من خلال المزج بين الرؤى الفلسفية الصينية التقليدية والأنظمة السياسية الحديثة. هذا بالإضافة إلى التطور الديناميكي، إذ يتسم الخطاب الإعلامي الصيني بأنه ليس ثابتا، وإنما يتطور باستمرار، وهو يستجيب للعوامل الداخلية والخارجية، بما في ذلك تطور سرديات حقوق الإنسان والتوترات الجيوسياسية.

ثانيا: استكشاف الدور الداخلي للإعلام في ظل الحوكمة الحديثة

تلعب سياسات حوكمة الإعلام في الصين دورا مهما في تشكيل بيئة الإعلام وتعزيز تحديث قدرات الحوكمة الوطنية. وقد شهدت حوكمة الإعلام الصيني إعادة هيكلة جذرية منذ الإعلان عن تحديث الحوكمة الوطنية في عام ٢٠١٣، ورفع مستوى التقارب الإعلامي كأولوية استراتيجية في عام ٢٠١٥. ويمكن إرجاع خصوصية نظام حوكمة الإعلام في الصين إلى المنطق المؤسسي الذي يرتكز عليه، إذ لا تعمل حوكمة الإعلام كآلية تنظيمية فحسب، وإنما أيضا كأداة رئيسية للتواصل السياسي والاستقرار الاجتماعي والأمن الأيديولوجي. ويمكن رصد دور الإعلام الصيني في ظل الحوكمة الحديثة من خلال أعمال شي جين بين بينغ على المستوى الداخلي، من خلال العناصر الرئيسية التالية:

1- الترويج الأيديولوجي: يُعد الخطاب الإعلامي وسيلة رئيسية لنشر فكر الحزب الشيوعي الصيني، وفكر الأمين العام شي جين بينغ، فهذا الخطاب يعكس المطالب والمواقف والتوجهات الرسمية للحزب تجاه القضايا السياسية، ويُنظر إليه على أنه تعبير مباشر عن الأيديولوجية السياسية، وناقل للقيم والمواقف، وداعم لنظام الدولة وأساليب حكمها.

2- الاستقرار الاجتماعي: يعمل الخطاب الإعلامي كأداة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، من خلال تشكيل الرأي العام، وحشد الدعم للنظام، والحفاظ على النظام الاجتماعي، عبر تنظيم المشاعر العامة والتحكم في تدفق المعلومات، بما يؤدي إلى الحفاظ على الاستقرار والأمن الأيديولوجي، من خلال تقديم هوية وطنية موحدة وتشكيل الرأي العام والمواقف والسلوك.

3- بناء الصورة الوطنية: يتمثل أحد السمات الرئيسية للخطاب الإعلامي الصيني في بناء وتعزيز صورة وطنية إيجابية، ترتكز على تعزيز الهوية والوحدة الوطنية، وإبراز التفوق الاقتصادي الصيني، فضلا عن تعزيز الوعي الوطني.

4- محورية القيادة والأيديولوجيا: يؤكد الخطاب الإعلامي على محورية الدور السياسي للقيادة الصينية، مع التركيز على أهمية الأيديولوجيا في ضمان تماسك النظام، وربط ذلك بالحملات التثقيفية داخل الحزب الشيوعي الصيني وخارجه.

5- التمحور حول أهداف الدولة والحزب: تعمل وسائل الإعلام الرسمية الصينية على خدمة أهداف الحزب الشيوعي والدولة، وذلك عبر تقديم تقارير إيجابية عن النظام المحلي ومبادراته، مثل مبادرة “الحزام والطريق”، لتعزيز الشرعية الداخلية والخارجية.

6- السيادة الإلكترونية في الفضاء السيبراني: يعمل الخطاب الإعلامي على تعزيز السيادة الإلكترونية، من خلال إبراز القوانين والسياسات التي تحكم الإنترنت داخل الحدود الصينية، مع دعم رؤية بكين لحوكمة الإنترنت عالميا. في هذا السياق، تعمل الصين على بناء دولة قوية في المجال السيبراني، حيث يرى الرئيس شي جين بينغ أن حضارة الانترنت تعتبر ليس فقط جزءا مهما من الحضارة الاجتماعية في ظل الوضع الجديد، وإنما أيضا مجالا حيويا لبناء دولة قوية في المجال السيبراني.

7- توسيع قنوات المشاركة العامة: يعمل الخطاب الإعلامي على توسيع قنوات المشاركة الاجتماعية في الشؤون العامة، من خلال توسيع الحوكمة الرقمية لوسائل الإعلام. وهو الأمر الذي يساعد الحكومة الصينية على استخدام البيانات الأساسية لتلبية احتياجات المواطنين وحماية المصلحة العامة بفعالية أكبر. وبالتالي تعميق التفاعل بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الحوكمة بشكل مبتكر.

8- الحوكمة الدقيقة والتركيز على الإنسان: يركز الخطاب الإعلامي في ظل الإعلام القائم على الذكاء الاصطناعي على الحوكمة الدقيقة وتكامل الخدمات المتمحورة حول الإنسان. حيث تتسم سياسات حوكمة وسائل الإعلام في الصين بالتعميق التآزري لتوحيد المنصات والتمكين القائم على الذكاء الاصطناعي والخدمة العامة التي تركز على الإنسان. وفي هذا السياق، تمت صياغة أول معيار صيني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام، يوضح بشكل أولي موضوعات استخدام الذكاء الاصطناعي ونطاقه وعملياته مع الحفاظ على “الخط الأحمر” لمصداقية الأخبار.

9- ظهور أشكال إعلامية جديدة: أدى التقدم في التقنيات والابتكارات الرقمية إلى ظهور أشكال إعلامية جديدة، وعزز الدقة التنظيمية والكفاءة التشغيلية، مما أدى إلى إنشاء منصات إعلامية متميزة لكل من الجهات الحكومية والعامة، وهو الأمر الذي ساعد هذه الجهات على التأثير على الخطاب العام، وهو ما يتيح المجال أمام التواصل المباشر بين الحكومة والشعب وتوليد بيانات الحوكمة لتلبية الاحتياجات الدقيقة.

10- تعزيز التحول المنهجي لوسائل الإعلام الرئيسية: تولي الصين أهمية كبيرة لتكامل وسائل الإعلام والتحول المنهجي لوسائل الإعلام الرئيسية، مؤكدة على أهمية السيطرة على الرأي العام في عصر المعلومات، بدءا من تخطيط الأمين العام شي جين بينغ لتكامل وسائل الإعلام ونشره وتعزيزه، مرورا بقيام المكتب السياسي بإجراء دراسة جماعية حول موضوع “عصر الإعلام الشامل وتطوير تكامل وسائل الإعلام”، وصولا إلى إصدار الآراء التوجيهية حول تعزيز وتسريع تكامل وسائل الإعلام التقليدية والناشئة. ويهدف تعزيز التحول المنهجي لوسائل الإعلام الرئيسية، والسيطرة التامة على الرأي العام في عصر المعلومات، إلى تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية من خلال التحديث على الطريقة الصينية. وأيضا تعزيز قدرة النشر والتوجيه والتأثير والمصداقية لوسائل الإعلام السائدة، وتشكيل دائرة متحدة المركز على الإنترنت وخارجها، وتوحيد جميع الناس عن كثب حول المثل العليا والقيم والمفاهيم الأخلاقية المشتركة، وتضخيم الطاقة الإيجابية.

11- إنشاء وسائل إعلام رئيسية جديدة من الطراز العالمي: يعمل الإعلام الصيني على تحقيق هذا الهدف من خلال: بناء القدرة التنافسية الجوهرية لتكامل الوسائط من خلال المحتوى المتميز، وتسريع بناء أنظمة الخطاب والسرد الصينية، ودعم التبادل الحضاري والتعلم المتبادل من زوايا متعددة، وتعزيز بناء منصات الوسائط المتعددة، والاستفادة من تأثيرات التجميع لتعزيز فعالية النشر، حيث توفر المنصات البنية الأساسية لعرض المحتوى ونشره وتخزينه. هذا بجانب تسليط الضوء على الدور الريادي للتكنولوجيا، ومواصلة استكشاف التكامل العميق بين الثقافة والتكنولوجيا، ورعاية واختيار أفضل المواهب، ودعم بناء إعلام رئيسي جديد عالمي المستوى.

ثالثا: استكشاف الدور الخارجي للإعلام في ظل الحوكمة الحديثة

يتسم المشهد الإعلامي الدولي في الوقت الراهن بالتعقيد، وهو ما يفرض على الإعلام الصيني العديد من التحديات التي تتطلب مواجهتها تعزيز فعالية التواصل الدولي بشكل شامل، وزيادة تأثير الحضارة الصينية. وقد أدى تزايد دور منصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى ساحة للتنافس بين القوى الدولية لكسب الرأي العام الدولي، إلى تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية المختلفة والنظر إليها كسلاح شديد التأثير في الفضاء الإلكتروني. حيث يتطلب مواصلة سرد قصة الصين بشكل جيد، وتعزيز صوت الصين، وإنشاء قوة خطاب دولية تتناسب مع القوة الوطنية الشاملة للصين ضرورة تعميق تكامل وسائل الإعلام، وتعزيز التحول المنهجي لوسائل الإعلام الرئيسية، ومواصلة الاستفادة من الدور الأساسي للإنترنت في الاتصال الدولي. في هذا السياق، يمكن استكشاف دور الإعلام في ظل الحوكمة الحديثة إنطلاقا من أعمال شي جين بينغ على المستوى الخارجي، في العناصر الرئيسية التالية:

1- التوظيف الاستراتيجي للخطاب الإعلامي: تعمل الصين على توظيف خطابها الإعلامي بشكل استراتيجي في العلاقات الدولية، بما في ذلك توجيه رسائل إيجابية والتواصل مع النخبة في بعض الدول، واستخدام الردع أو الإكراه مع دول أخرى، ويشمل ذلك جهودا لمواجهة السرديات السلبية من خلال وسائل متنوعة، بما في ذلك تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي.

2– الاستراتيجية الشاملة: لا يقتصر هدف الخطاب الإعلامي الصيني على السرد الإيجابي لقصة الصين في جميع المجالات فحسب، وإنما يهدف أيضا إلى زيادة القوة الناعمة لنموذج الصين السياسي والتنموي ليصبح جذابا مقارنة بالنموذج الغربي. وذلك من خلال إبراز الأفكار والمفاهيم الجديدة التي يطرحها الرئيس شي جين بينغ، وكذلك إبراز الديمقراطية الصينية وتأكيد اختلاف نموذج الحكم الصيني عن نظيره الغربي، فضلا عن إبراز دور الصين في القيادة العالمية والتعاون الدولي متعدد الأطراف في إطار تجمع البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ودول الجنوب العالمي. بالإضافة إلى إنجازات الصين على المستوى الاجتماعي، مثل التخلص من الفقر المدقع، مواجهة جائحة كوفيد -19، تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

3- تجنب التدخل في الشؤون الداخلية للغير: يحرص الخطاب الإعلامي الصيني على إبراز دور الصين كشريك ودي لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، على عكس ما يُنظر إليه في الإعلام الغربي، لكسب التأييد وبناء علاقات دولية متوازنة.

4- تقديم الحلول الصينية للحوكمة العالمية: يتم التأكيد على الحكمة الصينية وتقديم الحلول الصينية الفعالة لمواجهة التحديات العالمية، مثل أزمة الحوكمة العالمية، وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، مما يعكس طموح الصين للعب دور قيادي على الساحة الدولية. وذلك من خلال نشر مبادرات الصين وحكمتها وحلولها على نطاق واسع، لاسيما وأن شي جين بينغ يرى أن الصين تقترب من مركز المسرح العالمي بشكل متزايد، ولديها القدرة والمسؤولية للعب دور أكبر في الشؤون العالمية، ومشاركة البلدان الأخرى في الإسهام بشكل أكبر في حل المشاكل التي تواجه البشرية.

5- بناء قوة الخطاب: تسعى الصين إلى تشكيل المشهد الإعلامي والمعلوماتي العالمي، من خلال وضع أجندة سردية تركز على إعادة تشكيل المعايير والقيم العالمية وإضفاء الشرعية على قوتها وتواجدها. وذلك من خلال تشكيل حق الحديث على الصعيد الدولي، وإيصال صوت الصين على المستوى الدولي، بما يتناسب مع قوتها الوطنية الشاملة ومكانتها الدولية. حيث يرى شي جين بينغ ضرورة أن تقوم الصين بلعب دور كبير في تشكيل وصياغة النظام الإعلامي الدولي بما يتواءم مع المكانة التي وصلت إليها على المستوى الدولي، وعدم ترك الساحة الإعلامية الدولية لكي تنفرد بها قوى دولية أخرى تعمل على تشكيلها وصياغتها بما يتناسب مع أهدافها ومصالحها، والتي تتعارض مع أهداف ومصالح الصين. فضلا عن رفع راية مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وتقديم تفسيرات تعبر عن وجهات نظر الصين إزاء التنمية والحضارة والأمن وحقوق الإنسان والبيئة الإيكولوجية والنظام الدولي والحوكمة العالمية.

6- التأكيد على التعاون والشراكة: يتم استخدام آليات، مثل منتديات التعاون الإعلامي لتدريب الصحفيين الأجانب وصياغة وجهات نظر مشتركة، مما يساهم في نشر الرواية الصينية وإيجاد بيئة رأي عام دولي إيجابية. فعلى سبيل المثال، تم إطلاق “منتدى الابتكار الإعلامي العالمي” في عام 2022، مما خلق علامة تجارية عالمية رفيعة المستوى لمنتدى إعلامي عالمي عالي التمثيل، والذي عُقد لمدة ثلاث سنوات متتالية. كما تم إطلاق العديد من منتديات التعاون الإعلامي الإقليمية، مثل “منتدى التعاون الإعلامي لشركاء الآسيان”، ومنتدى التعاون الإعلامي للشركاء الأفارقة، ومنتدى التعاون الإعلامي الصيني- العربي. كما تعمل بكين على توثيق التعاون الإعلامي مع الدول النامية ودول الأسواق الناشئة، أو ما يُطلق عليه الجنوب العالمي، وخاصة في الإطار متعدد الأطراف، بما يترتب عليه تنفيذ أهدافها والترويج لوجهة نظرها الرسمية.

7- توظيف الإعلام لمواجهة التصورات الخاطئة: تستخدم الصين وسائل الإعلام الرسمية لمواجهة الخطاب الغربي المناوئ لها، وتفنيد خطاب “التهديد الصيني” الذي تروج له بعض وسائل الإعلام الغربية، بالإضافة إلى توضيح سياساتها الداخلية والخارجية.

8– حوكمة الإعلام الدولي: تعمل الصين على صياغة القواعد المنظمة لحوكمة الإعلام الدولي. حيث طرحت الصين العديد من المبادرات الدولية بهذا الصدد، ومنها “مبادرة أمن البيانات العالمية”، بهدف وضع حلول صينية لقواعد الحوكمة الرقمية العالمية. كما طرحت الصين مبدأ “السيادة على الإنترنت”، لتنظيم حوكمة الإنترنت على المستوى الدولي. فضلا عن اقتراحها تأسيس منظمة عالمية للذكاء الاصطناعي، في محاولة من جانبها للعب دور مهم في صياغة القواعد العالمية للذكاء الاصطناعي.

9- التأثير على الرأي العام الدولي: يدعو الرئيس شي جين بينغ إلى “بناء إعلام رئيسي جديد من الطراز العالمي يتمتع بقيادة قوية وقدرة على النشر والتأثير”. وهو ما تعمل وسائل الإعلام الصينية على تحقيقه من خلال: الاستفادة من مزايا النشر المتكامل، وابتكار صيغ جديدة لتعزيز الثقافة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، وتعزيز فعالية الاتصالات الدولية بشكل شامل، وتعزيز التبادل الحضاري والتعلم المتبادل، وتعميق التكامل الإعلامي، وضمان تواجد وسائل الإعلام الصينية حيث يوجد جمهورها، بالإضافة إلى تعميق الابتكار في تكنولوجيا الإعلام، وخاصة في تكنولوجيا الوسائط.

10- تعزيز القوة الناعمة الثقافية للصين: يعمل الخطاب الإعلامي الصيني على توسيع جاذبية المنتجات الثقافية الصينية للجماهير الأجنبية، باستخدام منصات إعلامية جديدة في الخارج، مثل الأفلام والحلقات التلفزيونية وألعاب الفيديو، بهدف تنفيذ الاستثمار الثقافي والتعاون في الخارج، وبناء شبكات التسويق الدولية، وتوسيع نطاق الأصول الثقافية عالية الجودة في الخارج. حيث يرى شي جين بينغ أن المجتمع الدولي يرغب في معرفة طريق تنمية الصين وأسرار نجاحها، مطالبا العاملين في مجال الأدب والفن بسرد قصص الصين بشكل جيد، وعرض صورة الصين الجديرة بالثقة والمودة والاحترام أمام العالم.

رؤية ختامية

لقد نجحت الصين بدرجة كبيرة في توظيف الإعلام كأحد الأدوات الرئيسية لتحقيق أهداف سياساتها الداخلية والخارجية. فقد نجح الإعلام الصيني على المستوى الداخلي، في نشر فكر الحزب الشيوعي الصيني وأمينه العام شي جين بينغ، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وبناء صورة وطنية إيجابية، وتعزيز السيادة الإلكترونية في الفضاء السيبراني، وتوسيع قنوات المشاركة الاجتماعية في الشؤون العامة، والتركيز على الإنسان في ظل إعلام الذكاء الاصطناعي، فضلا عن تعزيز التحول المنهجي لوسائل الإعلام الرئيسية. أما على المستوى الخارجي، فقد تزايد التعاون الإعلامي بين الصين ومعظم دول العالم، ونجحت وسائل الإعلام الرسمية الصينية في توسيع نطاق انتشارها وحضورها على المستوى الدولي في السنوات الأخيرة، فضلا عن تطوير قدراتها في مجال الاتصالات الدولية المتكاملة، مما عزز التأثير العالمي للثقافة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد. فبحلول نهاية عام 2024، بلغ معدل الأخبار العاجلة العالمي لمجموعة الصين للإعلام 40.5% لتحتل المرتبة الأولى من بين وسائل الإعلام العالمية الكبرى. كما ابتكرت أساليب جديدة في نشر أفكار شي جين بينغ، من خلال وسائل الإعلام المتكاملة على الساحة الدولية، وإيصال ابتكارات الصين النظرية وسرد قصة الصين للمجتمع الدولي. وقامت وسائل الإعلام الصينية بتطوير منصات إعلامية جديدة رئيسية في الخارج، ووسعت شبكة نشرها الخارجية، وعززت فعالية الاتصالات الدولية بشكل شامل، مستخدمة مزايا نشر سريعة وشخصية ودقيقة، من خلال البث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة والبرامج المميزة والفعاليات الإعلامية لسرد قصة الصين وإبراز صوتها.

وقد كان لتطبيق أفكار الرئيس شي جين بينغ حول حوكمة الإعلام، دورا كبيرا في النجاح الذي حققه الإعلام الصيني على المستوى الخارجي، حيث قامت الصين بمنح الأولوية لدور الإعلام الخارجي كأحد القضايا المهمة التي تحظى باهتمام الحزب الشيوعي الصيني، وعملت على تنظيم أنظمة الإعلام الداخلي والخارجي، وشكلت مجموعة من وسائل الإعلام ذات التأثير الدولي، ودفعت الثقافة الصينية للتوجه إلى الخارج، ووجهت الرأي العام الدولي، كما عززت حق الكلام على المستوى الدولي والتأثير الدولي للصين بشكل ملحوظ.

وفي الختام، يمكن القول إن فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، وفكر شي جين بينغ الثقافي، يعتبر المرشد والموجه للإعلام الصيني نحو المضي قدما في تعميق التكامل الإعلامي، والسعي لبناء وسائل إعلام رئيسية جديدة من الطراز العالمي ذات قيادة قوية وقدرة على النشر والتأثير، بالإضافة إلى تعزيز التحول المنهجي لوسائل الإعلام الرئيسية لتشكيل نمط جديد من الرأي العام السائد. وذلك بهدف تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في بناء قوة ثقافية اشتراكية، وتقديم مساهمات جديدة وأكبر لترسيخ الأساس الثقافي لبناء الأمة والتجديد الوطني.

إن الإعلام يحظى بمكانة مهمة في إطار فكر شي جين بينغ، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يتسم بها المشهد الإعلامي العالمي في الفترة الأخيرة، والتي تضاعف من أهمية دور الإعلام في التعبير عن أهداف ومصالح الدولة في الوقت الراهن. ورغم التأثير الإيجابي الكبير للحكمة السياسية للرئيس شي على دور الإعلام الصيني في الداخل والخارج، والذي نجح في القيام بدوره بدرجة كبيرة، وهو ما انعكس فيما حققته الصين من نجاحات وإنجازات كبيرة على كافة المستويات، بجانب المكانة المحورية التي باتت تحظى بها في النظام الدولي الراهن. فإن الإعلام الصيني مازال يواجه بعض التحديات الداخلية والخارجية، والتي تدركها القيادة الصينية وتعمل على طرح الحلول والأفكار المبتكرة لمواجهتها، عبر ضرورة دراسة أساليب شي جين بينغ في سرد ​​قصة الصين للعالم، لتعزيز القوة الثقافية الناعمة الوطنية، ومواصلة تعزيز نشر المنتجات الثقافية الصينية في الخارج، بهدف تحويل الثقافة الصينية إلى ثقافة أكثر تنافسية عالميا، بجانب مواصلة ابتكار أنشطة الدبلوماسية الإعلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى