مفاهيم الحكم والإدارة الصينية من منظور بريكس
تفسير منهجي لمفهوم تعاون الجنوب – الجنوب في كتاب ((شي جين بينغ.. حول الحكم والإدارة))

عماد الأزرق
رئيس مركز التحرير للدراسات والبحوث
عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
يستمد النظام السياسي الصيني قوته من قدرته على الاحتفاظ بخصوصيته وهويته المستندة على إرث حضاري وثقافي عريق، الأمر الذي شكل سدا منيعا ضد محاولات الاختراق المتعددة التي تعرضت لها الصين خاصة منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.
لذلك لم يكن مستغربا أن تتميز الاشتراكية الصينية دون غيرها بالخصائص الصينية، المستمدة من حضارتها وثقافتها وهويتها، وتنعكس على كل سياساتها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية والتنموية والثقافية، وتشكل الركيزة الأساسية لمفاهيم الحكم والإدارة في الصين خاصة في عهد الرئيس شي جين بينغ، وهو ما يتضح جليا من تحليل خطاب الرئيس شي وما يتضمنه من اقتباسات هائلة من فلاسفة وحكماء الصين وحكمة الشعب الصيني عبر التاريخ الممتد والتي يستند عليها في بناء أسس الحكم والإدارة والتي تنطلق من قيم التعاون والتناغم والانسجام والتسامح والعدالة والسلام والبناء.
ومن تحليل مجلدات “شي جين بينغ حول الحكم والإدارة” بمجلداته المختلفة يبرز للعيان أن كل السياسات التي انتهجتها الصين خاصة في السنوات الـ 12 الأخيرة تتمحور جميعها حول هذه القيم وانعكست بشكل كبير على علاقات الصين مع دول العالم المختلفة وخاصة النامية منها، وهذا ما يفسر الدور الذي لعبته الصين في مؤتمر باندونغ عام 1955 واستصدار المبادئ العشرة للتعايش السلمي، والتي كانت بمثابة الموجه للتوجهات الصينية في علاقاتها الخارجية سواء على المستوى المتعدد أو الثنائي، الإقليمي أو الدولي.
- بريكس كنموذج لتعاون الجنوب
منذ اللحظة الأولى للتفكير في تشكيل تجمع بريكس ومع بدء مفاوضاته في عام 2006 عند عقد أول اجتماع لوزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في صورته الأولى باسم “بريك”، ثم عقد أول لقاء على المستوى الأعلى لزعماء دول «بريك» في يوليو عام 2008 – بجزيرة هوكايدو اليابانية على هامش قمة G8 – والتي شارك فيها رئيس روسيا فلاديمير بوتين ورئيس الصين هو جين تاو ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ ورئيس البرازيل لولا دا سيلفا، قبل انضمام جنوب أفريقيا عام 2010 ليصبح اسم التجمع “بريكس”، فقد كان من الواضح أن هناك رؤية محددة لتشكيل نواة لتكتل اقتصادي جديد يضم الدول النامية الكبرى والأسواق الناشئة بدول الجنوب تمهيدا لبلورة رؤية شاملة ومتكاملة يمكن أن يلتف حول دول الجنوب.
ويعد بريكس أول تجمع من نوعه يجمع دول من الجنوب العالمي لأهداف اقتصادية وليس لأهداف سياسية كما جرت العادة في السوابق التاريخية، كما أن بريكس تميز بأنه وإن كان يجمع بين دول نامية من الجنوب العالمي، إلا أنها في ذات الوقت تمتلك اقتصادات ضخمة وواعدة ولديها قدرات هائلة على النمو، كما أنها تمتلك قدرات بشرية ضحمة ومن بينها الدولتان الأكبر في العالم من حيث عدد السكان، حيث يبلغ عدد سكان دول بريكس أكثر من 3.5 مليار نسمة بما يمثل أكثر من 40% من سكان العالم، ويتوقع أن يزداد عدد سكان تجمع بريكس إلى 4.5 مليار دولار بعد قبول طلبات العضوية الجديدة ليشكل التجمع 56% من سكان العالم، جميعهم من دول الجنوب.
الاقبال الكبير من جانب دول الجنوب للانضمام إلى بريكس لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة طبيعية لم تحقق من طفرات كبيرة في التعاون المشترك بين دول التجمع وما حققته دوله من معدلات نمو مرتفعة وللتشارك الكبير في انجاز وتحقيق تنمية عالية الجودة في دولها وهو ما انعكس إيجابا على مستويات معيشة شعوبها، نتيجة السياسات التي انتهجتها دول التجمع من خلال توفير مصادر التمويل للمشروعات التنموية وتوفير القدرات التكنولوجية والاقتصادية وفتح الأسواق وإيجاد نقاط اتصال وتواصل اقتصادية وتكنولوجية وثقافية حققت أهداف التجمع.
لقد بات التجمع نموذجا يحتذى لتعاون دول الجنوب العالمي، ومحفز تنموي بالغ الأهمية لكافة دول الجنوب التي وجدت في دول التجمع داعما قويا لطموحاتها وخططها التنموية والقدرة على الإنجاز، والرغبة في التعاون المشترك وتبادل المنافع وتعظيم الاستفادة والفوز المشترك دول سعي للسيطرة والهيمنة والاستغلال والاستحواذ على ثروات الشعوب وخيراتها ومقدراتها، كما يحتفظ العقل الجمعي لدول الجنوب وخاصة في القارة الأفريقية.
وقد أكد الرئيس شي جين بينغ أمام القمة الـ 15 لتجمع بريكس أن “دول بريكس تعد قوة مهمة لتكوين المعادلة الدولية. ونحن نختار الطرق التنموية بإرادتنا المستقلة، وندافع سويا عن حقوقنا التنموية، ونتوجه سويا نحو التحديث، وذلك يمثل الاتجاه التقدمي للمجتمع البشري، وسيؤثر حتما على عملية التطور العالمي تأثيرا عميقا. نلتزم دوما بروح بريكس المتمثلة في الانفتاح والتسامح والتعاون والكسب المشترك، ونواصل الارتقاء بالتعاون في إطار بريكس إلى مستويات جديدة لدعم التنمية في الدول الخمس؛ ونلتزم دوما بالإنصاف والعدالة الدوليين، ونحن نقف إلى جانب الحق في القضايا الدولية والإقليمية الهامة ونرفع الصوت والتأثير للأسواق الناشئة والدول النامية”.
وبالإضافة إلى تأثير الإنجازات التي حققها تجمع بريكس في تعظيم رغبة الكثير من دول الجنوب للانضمام إلى التجمع للاستفادة منه فإن، انعكاس قيم ومفاهيم الحكم والإدارة الصينية المستمدة من ثقافتها وحضارتها وتاريخها الممتد باعتبارها الدولة القائدة والفاعلة والأكثر مبادرة في هذا التجمع بالغ الأثر في زيادة جاذبية دول الجنوب لتعزيز التعاون المشترك بين دول الجنوب والاستفادة من هذه القيمة المحفزة للتعاون وتبادل المنافع والاستفادة المشتركة..
- التنمية السلمية المشتركة
يعد مفهوم التنمية السلمية من أهم مفاهيم الحكم والإدارة التي تنتهجها الصين، والتي تقود سياستها الخارجية خاصة في دعم وتعزيز تعاون الجنوب – جنوب، وتعني التنمية السلمية أنها القدرة على تنمية الذات مع المحافظة على السلم العالمي، أو أنها حماية السلم العالمي من خلال التنمية الذاتية اعتمادًا على القدرات الذاتية والإصلاح والإبداع، والتمسك بالانفتاح على الخارج والتعلم والاستفادة من مزايا الدول الأخرى، ومجاراة تيار تطور العولمة الاقتصادية، والسعي لتحقيق المنفعة المتبادلة والفوز المشترك والتنمية المشتركة مع مختلف الدول، والعمل مع المجتمع الدولي على بناء عالم متناغم يسوده السلام الدائم ويتحقق فيه الازدهار المشترك.
فالتنمية السلمية، من وجهة النظر الصينية، تمثل السبيل الأساسي لتحقيق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العلاقات الخارجية، والتي تستهدف رفع راية السلام والتنمية والتعاون والتمسك بعزيمة لا تتزعزع بطريق التنمية السلمية الذي يُعد الآلية المُثلى لبناء “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”، وذلك باعتبار التنمية والسلام وجهان لعملة واحدة لا يتحقق أحدهما بعيدا عن الأخر.
ومنذ الاجتماع الأول الذي حضره الرئيس شي جين بينغ لتجمع بريكس في 17 مارس 2013، بعد أيام من توليه قيادة الصين، أكد على هذا المفهوم قائلا ” مهما كانت تغيرات الأوضاع الدولية، لابد لنا من المثابرة دوما على التنمية السلمية والتعاون والفوز المشترك، وأن ندعو إلى السلم لا الحرب، وإلى التعاون لا المواجهة، كما يجب علينا مراعاة المخاوف المعقولة للبلدان الأخرى حينما نسعى إلى تحقيق مصالح بلاده”.
وفي 22 يونيو 2022 أكد شي أمام قمة بريكس أنه، “يتعين علينا بذل جهود مشتركة لتعزيز التنمية المستدامة في العالم عبر التآزر والتساند. تعد التنمية مفتاحا لحل المعضلات المختلفة وتحقيق السعادة للشعوب. في الوقت الراهن، تتعرض عملية التنمية العالمية لصدمات شديدة، وتتقلل القوة الدافعة للتعاون الإنمائي الدولي، وتواصل الفجوة التنموية القائمة بين الجنوب والشمال في الاتساع، وتعرضت أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة لضربات شديدة في تنفيذها على المستوى العالمي. ويواجه السكان البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة من قرابة 70 دولة في العالم أزمات الجائحة والغذاء والطاقة والمديونية، الأمر الذي قد يشطب الإنجازات العالمية التي تحققت في الحد من الفقر خلال العقود الماضية”.
وفي 23 أغسطس من عام 2023 أكد شي أمام القمة الـ 15 لتجمع بريكس أنه ” على دول بريكس أن تتمسك بالتنمية السلمية كالاتجاه العام، وتوطّد علاقات الشراكة الاستراتيجية بين دول بريكس. من المطلوب تسخير الآليات بما فيها اجتماع وزراء الخارجية واجتماع الممثلين رفيعي المستوى للشؤون الأمنية بشكل جيد، لتبادل الدعم في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية للدول الأخرى، وتعزيز التنسيق بشأن القضايا الدولية والإقليمية الهامة”.
وقد أكدت الصين، في مناسبات عديدة، أن التنمية السلمية هي خيارها الاستراتيجي من أجل تحقيق التحديث والازدهار، وتقدم الحضارة الإنسانية وإصرارها على اتباع طريق التنمية السلمية بعزيمة لا تتزعزع، في الوقت الذي تعمل فيه على حماية السلام في العالم وتحقيق التنمية المشتركة والازدهار المشترك لجميع البلدان.
وقد انعكس هذا التوجه الصيني إيجابا على تجمع بريكس، حيث وجدت دول التجمع ضالتها في هذا المفهوم الذي يعتد على التعاون من أجل التنمية المشتركة التنمية القائمة على تحقيق السلام والاستقرار والندية والتوازن والعدالة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى أو فرض املاءات أو توجهات معينة عليها، وبما يحقق التعاون والفوز المشترك وتبادل المنافع بدون هيمنة أو سيطرة طرف على أخر أو الاجبار على انتهاج أنماط تنموية معينة.
- نظام دولي أكثر عدالة وانصافا
يعد تجمع بريكس أحد أهم الأدوات والآليات التي يعول عليها الكثيرين في تحقيق تطور وتوازن هادئ في النظام الدولي بحيث يكون أكثر عدالة وانصافا بين دول العالم المختلفة، وهو ما جعل البعض يقول أن تجمع بريكس يوازي مجموعة G8، وأنه يعبر عن طموح ورؤية الدول النامية والأخذة في النمو ويحقق قدرا من التوازان بين توجهات وسياسات الدول الغنية والنامية، وهو ما يجعله أحد المحفزات للكثير من الدول النامية للانضمام إليه، باعتباره القادر على إعادة رسم النظام الدولي الذي يحقق العدالة بين جميع وحدات النظام الدولي.
وهو ما أكد عليه الرئيس شي أمام قمة بريكس، عندما قال ” ينبغي لنا أن نحمي بثبات الانصاف والعدالة الدوليين ونحمي السلم والاستقرار العالمي، العالم اليوم لا يسوده الاستقرار، بل يواجه تهديدات وتحديات عالمية بلا انقطاع”.
وقدَّم الرئيس الصيني شي جين بينغ، في 29 سبتمبر 2015 خلال كلمته في المناقشة العامة السنوية رفيعة المستوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي أول مرة يعتلي فيها منبر الأمم المتحدة كرئيس للصين، اقتراحًا يمكن أن يكون الأساس المتين لبناء هذا النظام الدولي الذي يحقق العدالة والانصاف بين جميع أعضائه، ومن بين ما تضمنه هذا المقتر
” بناء شراكات تعامل فيها الدول بعضها بعضًا على أساس المساواة والانخراط في المشاورات وإبداء الفهم المتبادل، وتأكيد أن مبدأ المساواة في السيادة هو أساس ميثاق الأمم المتحدة، وأن تتشارك جميع الدول في رسم مستقبل العالم على أساس أن كل الدول متساوية، فلا ينبغي للدول الكبيرة والقوية والغنية أن تفرض سلطتها على الدول الصغيرة والضعيفة والفقيرة، وإدراك أن مبدأ السيادة لا يقتصر على فكرة ألا تُنتهك سيادة ووحدة أراضي الدول وألا تكون الشؤون الداخلية عرضة للتدخل، لكنها تعني أيضًا أن كل الدول لها الحق في أن تختار نظمها الاجتماعية ومسارات تنميتها، وأن ذلك الحق يجب التمسك به، ويجب احترام مساعي كل الدول لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستويات معيشة شعوبها”.
” تأسيس منظومة أمنية تتسم بالعدالة والإنصاف والمصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة والتشارك، وإدراك أنه في عصر العولمة الاقتصادية فإن أمن جميع الدول مترابط، ولا يستطيع أي بلد أن يحافظ على أمنه بجهده فقط، ولا يمكن لأي بلد أن يحصل على الاستقرار على حساب استقرار البلدان الأخرى، وأن مبدأ «الضعيف فريسة القوي»، الذي هو شريعة الغاب، ليس سبيلاً مقبولاً في العلاقات الدولية، وأن من يلوذ بالقوة بكل غطرسة سيرى أنه يرفع حجرًا سيقع على قدميه، والتخلي عن عقلية الحرب الباردة بكل ظواهرها وأشكالها، وتبني الرؤية الجديدة القائمة على الجهود المشتركة والشاملة والتعاون والأمن المستدام، والتأكيد على محورية الأمم المتحدة ومجلس أمنها في إنهاء النزاعات والحفاظ على السلام، وتسوية النزاعات عبر السبل السلمية والإجراءات القسرية معًا، لتحويل العداء إلى صداقة، ودفع التعاون الدولي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي لانتهاج نهج متكامل في سبيل مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية والوقاية من ويلات الحرب”.
- تعددية الأطراف وتحسين الحوكمة العالمية
تسهم التعددية في بناء نمط جديد من العلاقات الدولية، ترتفع فيه مساهمة كل الدول بدور فاعل في رسم وتفعيل النظام الدولي والإسهام في تعزيز التعاون المشترك، ما يؤدي إلى حوكمة النظام الدولي على أسس من العدالة والمساواة والإنصاف بين جميع وحداته، وهو ما أكده الرئيس شي في العديد من المحافل ومن بينها بريكس، فخلال المناقشة العامة للدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في 28 سبتمبر 2015، وتحت عنوان «العمل معًا لبناء شراكة جديدة قائمة على تعاون الفوز المشترك وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية»، أكد في كلمته أنه “ينبغي أن نلتزم بالتعددية ونرفض الأحادية. ينبغي أن نتبنى الرؤية الجديدة بالسعي إلى الفوز الثنائي والفوز المشترك وتحقيق نتائج إيجابية للجميع، وأن ننبذ العقلية القديمة المتمثلة في أن مكسب طرف يعني خسارة طرف آخر، أو أن الرابح يأخذ كل شيء. إن التشاور شكل مهم للديموقراطية، وينبغي أن يكون أيضًا سبيلاً مهمًّا لممارسة الحوكمة الدولية المعاصرة. ينبغي أن نحل النزاعات والخلافات من خلال التحاور والتشاور. ينبغي أن نصوغ شراكة عالمية على المستويين الدولي والإقليمي، وأن نتبنى مقاربة جدية للعلاقات بين الدول «تتسم بالحوار وليس المجابهة، وتسعى للشراكة بدلاً من التحالفات».
وشدد أمام منتدى بريكس للأعمال عام 2018، على “ضرورة التمسك بتعددية الأطراف، وتحسين الحوكمة العالمية، حيث تعد البيئة الخارجية الجيدة والمستقرة شرطا مسبقا هاما لتنمية جميع البلدان وخاصة بالنسبة لدول الأسواق الناشئة والدول النامية (..)، ينبغي لدول بريكس أن تنتهج تعددية الأطراف بحزم وتحث جميع الأطراف على الالتزام بجدية بالقواعد الدولية الموضوعة بشكل مشترك، وتتمسك بأن جميع الدول كبيرها وصغيرها متساوية، وتجري المناقشات حول شئون الجميع لتنفيذها، وتعارض الهيمنة وسياسة القوة”.
وأمام الاجتماع الـ15 لقادة دول بريكس بجوهانسبرغ في 23 أغسطس عام 2023، أكد أنه «علينا أن نتمسك بالعدالة والإنصاف لاستكمال الحوكمة العالمية. يُعد تعزيز الحوكمة العالمية خيارًا صحيحًا اتخذه المجتمع الدولي لتقاسم الفرص التنموية ومواجهة التحديات الكونية. وإن القواعد الدولية ينبغي أن يضعها ويحافظ عليها الجميع وفقًا لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة،».
- التنمية العالمية المستدامة والخضراء
تعد التنمية هي ركيزة أساسية في العقل الجمعي الصيني، وأحد أهم المفاهيم الرئيسية للحكم والإدارة في الصين، وأحد أبرز أدوات السياسة الخارجية الصينية لتحقيق هدفها الأسمى والمتعلق بمجتمع المستقبل المشترك للبشرية، ويتضح ذلك من حرص الرئيس شي على التأكيد في الجلسة الافتتاحية لمنتدى الأعمال لدول بريكس عام 2022، أنه “يتعين علينا بذل جهود مشتركة لتعزيز التنمية المستدامة في العالم عبر التآزر والتساند. تعد التنمية مفتاحا لحل المعضلات المختلفة وتحقيق السعادة للشعوب. في الوقت الراهن، تتعرض عملية التنمية العالمية لصدمات شديدة، وتتقلل القوة الدافعة للتعاون الإنمائي الدولي، وتواصل الفجوة التنموية القائمة بين الجنوب والشمال في الاتساع، وتعرضت أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة لضربات شديدة في تنفيذها على المستوى العالمي. ويواجه السكان البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة من قرابة 70 دولة في العالم أزمات الجائحة والغذاء والطاقة والمديونية، الأمر الذي قد يشطب الإنجازات العالمية التي تحققت في الحد من الفقر خلال العقود الماضية.
وقد جاء هذا الطرح من جانب الرئيس الصيني، في العالم التالي لطرحه مبادرة التنمية العالمية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي دعا فيها إلى التركيز على تنفيذ أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، والدفع بإقامة الشراكة التنموية العالمية المتميزة بالتضامن والمساواة والتوازن والنفع للجميع، والدفع بالتعاون على نحو شامل في مجالات الحد من الفقر والصحة والتعليم والترابط الرقمي وعملية التصنيع.
كما أكدت المبادرة على ضرورة تعزيز التعاون في مجالي الغذاء والطاقة والارتقاء بمستوى تأمين الغذاء والطاقة، وضرورة اغتنام فرصة الثورة التكنولوجية الجديدة والتحول الصناعي الجديد وتنشيط تدفقات عوامل الابتكار في كل أنحاء العالم ومساعدة الدول النامية على تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية الرقمية والتحول الأخضر.
كما أكد الرئيس شي أمام قمة بريكس عام 2023، أن “التنمية حقا غير قابل للتصرف لجميع الدول، وهي ليست “براءة اختراع” لحفنة من الدول. في الوقت الراهن، ليس زخم التعافي للاقتصاد العالمي صامدا، وقد لا تتجاوز نسبة النمو للاقتصاد العالمي في العام الجاري 3% وفقا لتنبؤات الوكالات الدولية. تواجه الدول النامية تحديات أكثر خطورة ومهام أكثر مشقة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. في هذا السياق، ينبغي أن تكون دول بريكس رفاقا في طريق التنمية والنهضة، وأن ترفض “فك الارتباط” أو “قطع السلاسل” أو الإكراه الاقتصادي. كما ينبغي أن تركز دول بريكس على التعاون العملي، وخاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء وسلاسل الإمداد وغيرها، وتعزز التواصل والتبادل في مجالات الاقتصاد والتجارة والمالية”.
- الاستفادة المتبادلة بين الحضارات
تعتز الصين بشدة بإرثها الحضاري والثقافي، ويعد أحد أهم أبرز محركات سياستها الخارجية وأهم عناصر قوتها الناعمة، الصين كدولة ذات حضارة عريقة وكعادة الدول الحضارية فهي دول بناء وفكر واعمار وليست دولة حرب وتدمير وتخريب وهدم، لذا فهي حريصة شأن مثيلاتها من الدول الحضارية على بناء جسور التعاون والتبادل المعرفي والحضاري والثقافي، وهو ما يبرز من خلال تأكيد شي خلال القمة 15 لدول بريكس على أهمية “تعزيز التواصل الشعبي والثقافي والاستفادة المتبادلة بين الحضارات. إن الحضارات المتنوعة والطرق التنموية المتعددة تمثل صورة أصلية للعالم. ولن ينتهي تاريخ البشرية في حضارة واحدة أو نظام واحد. لذا، على دول بريكس أن تكرس روح الاحتضان مثل البحر الذي يحتضن الأنهار، وتدعو إلى التعايش السلمي والمنسجم بين الحضارات المختلفة، وتحترم طرق التحديث التي تختارها الدول بإرادتها المستقلة. ومن المطلوب تسخير الآليات مثل ندوة الحكم والإدارة ومنتدى التواصل الشعبي والثقافي ومسابقة المرأة للابتكار على نحو جيد، بما يعمق التواصل الشعبي والثقافي ويعزز التقارب بين الشعوب”.
ولم يتوقف الرئيس شي عند هذا التأكيد وانما اقترح على دول بريكس توسيع التعاون في مجال التربية والتعليم وتفعيل دور رابطة التعليم المهني بشكل جيد، والبحث في إنشاء آلية التعاون في التعليم الرقمي، لتشكيل معادلة شاملة الأبعاد للتعاون التعليمي، إضافة إلى تعزيز التواصل بين الثقافات التقليدية، وتدعيم التوارث والابتكار للثقافات التقليدية المتميزة.
ولاشك أن ذلك يأتي اتساقا مع مفهوم “الحضارات العالمية” التي طرحها الرئيس شي عام 2023، وهو المفهوم الذي يدعو لاحترام التنوع الحضاري الذي يزخر به العالم، وما قدَّمه للإنسانية من تراث عريق يعيش العالم في كنفه حتى الآن، وما احتفظت به من خصوصية وتميز. وفتح ممر أخضر للتواصل بين الحضارات والتغلب على الحواجز التي بينها وتبادل المعارف والتعلم من بعضها بعضًا.
- ويتضمن هذا المفهوم أربعة عناصر رئيسية تتمثل في
- احترام تنوع الحضارات في العالم، والالتزام بالمساواة والمنفعة المشتركة والتحاور والتسامح بين الحضارات، وتجاوز الفوارق والصراعات بين الحضارات، والتفوق الحضاري عبر التواصل والتسامح بين الحضارات.
- تكريس القيم المشتركة للبشرية المتمثلة في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والديموقراطية والحرية، التي تُعد من التطلعات المشتركة لشعوب العالم، فمن المهم أن تبقى الدول منفتحة لفهم محتويات القيم لدى الحضارات الأخرى، بدلًا من فرض قيمها وأنماطها على الغير أو ممارسة المجابهة الأيديولوجية.
- الاهتمام بتوارث الحضارات وإبداعها، وتكريس القيمة العصرية لتاريخ كافة الدول وثقافاتها بشكل كامل، وتحقيق التحول المبتكر والتطور المبدع للثقافات التقليدية المتميزة لكافة الدول في عملية التحديث.
- تعزيز التواصل والتعاون الدوليين في المجال الإنساني والثقافي، والتباحث في بناء شبكة التعاون للحوار بين حضارات العالم، وإثراء مقومات التواصل وزيادة قنوات التعاون وتعزيز التعارف والتقارب بين شعوب العالم، بما يدفع بتطور الحضارة البشرية وتقدمها.




