رأيعلى طريق الحرير

من الناقورة إلى العالم.. الدم كفلسفة لحفظ السلام

داخل مقر قيادة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الناقورة، لم يكن تدشين مشروع “ضمان توافر الدم ومشتقاته وتأمين إيصالها دعماً لعمليات الأمم المتحدة الميدانية” مجرد إجراء إداري أو لقاء بروتوكولي. كان لحظة تتجسّد فيها فلسفة السلام عبر التفاصيل الصغيرة، حيث تصبح حياة الإنسان أولوية، والجاهزية الطبية جزءاً من الأمن الدولي.

تمويل الصندوق 

يموّل هذا المشروع صندوق الصين– الأمم المتحدة للسلام والتنمية، وهو أكثر من أداة مالية؛ إنه ترجمة عملية لرؤية صينية أطلقتها بكين عام 2015 عبر الرئيس شي جين بينغ. الصندوق لم يُنشأ استجابة لأزمة عابرة، بل كخيار استراتيجي يعكس طريقة الصين في العمل من داخل النظام الدولي، تعزيزاً للأمم المتحدة بوصفها الإطار الشرعي الجامع لإدارة النزاعات وبناء الاستقرار.

ما يميّز الصندوق هو التركيز على التفاصيل التي تحدّد نجاح حفظ السلام: دعم الانتشار السريع لقوات بعثات الأمم المتحدة، تدريب عناصر من دول ناشئة تشارك لأول مرة في عمليات حفظ السلام، وتعزيز البنية التحتية الطبية واللوجستية في بيئات خطرة. هذه التفاصيل قد لا تحظى بعناوين إعلامية واسعة، لكنها تشكّل العمود الفقري لأي مهمة أممية ناجحة.

في فلسفة الصندوق، لا يُفصل السلام عن التنمية. فالرؤية الصينية ترى أن النزاعات لا تُحلّ عسكرياً فقط، بل عبر معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية. لذلك يدعم الصندوق مشاريع إعادة بناء القدرات المؤسسية، والخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وتمكين المجتمعات المحلية من الصمود بعد الأزمات، ليصبح العمل الوقائي جزءاً أساسياً من نهج حفظ السلام.

الدم كفلسفة للسلام

في مشروع اليونيفيل، لا يُنظر إلى الدم كعنصر طبي فحسب، بل كرمز لفلسفة السلام نفسها: حماية الإنسان الذي يحمل شارة الأمم المتحدة، وضمان استمرارية المهمة في الوقت الذي تصبح فيه ثانية واحدة مسألة حياة أو موت. هنا يلتقي الإنساني بالسياسي؛ دعم مشروع الدم يعكس رؤية الصين لمفهوم الأمن الدولي كأمن وقائي، شامل، ومتعدد الأطراف، يعمل داخل منظومة الأمم المتحدة لا خارجها.

في لبنان، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع حساسيات إقليمية دقيقة، يحمل المشروع بعداً إضافياً. فتعزيز قدرات اليونيفيل الطبية لا يقتصر أثره على سلامة الجنود الدوليين، بل ينعكس على استمرارية المهمة ودورها في تثبيت الاستقرار جنوب البلاد. ومن خلال صندوق الصين– الأمم المتحدة للسلام والتنمية، تحضر الصين في لبنان بطريقة عملية ومباشرة، بعيدًا عن أي استعراض سياسي، مركّزة على دعم المؤسسات الأممية وحماية العاملين في الميدان.

قد يبدو المشروع صغيراً إذا ما قورن بالأزمات العالمية، لكنه يختصر فلسفة الصندوق: السلام لا يُبنى دفعة واحدة، بل عبر خطوات دقيقة، مشاريع محددة، واستعداد دائم للحظة قد تُحدّد مصير حياة إنسان. في الناقورة، لم تُرفع شعارات كبرى، ولم تُطلق مبادرات سياسية مفخمة، لكن جرى تعزيز عنصر أساسي من عناصر حفظ السلام: الجاهزية للحفاظ على الحياة. وربما في عالم مضطرب، يكون هذا الشكل الصامت من الدعم هو أكثر أشكال الدبلوماسية صدقًا وتأثيرًا.

يمثّل صندوق الصين– الأمم المتحدة للسلام والتنمية تجربة فريدة في كيفية توظيف القوة الاقتصادية والسياسية لدولة كبرى في خدمة النظام الدولي. هو صندوق يعمل بصمت، لكنه يترك أثراً طويل الأمد، لأن ما يدعمه ليس فقط العمليات، بل فكرة أن السلام مشروع جماعي، يُبنى بالتعاون، وبالاستثمار في الإنسان قبل كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى