ثقافةعلى طريق الحرير

خلف أسوار “القوة الهادئة”.. حكاية عشق أجهضت زيف المسافات بين ميلاد الرباط وسمو المعنى..

سيرة روح أعادت الصين صياغتها

أيوب بشروري:Author

قبل أن تطأ قدماي أرض الصين، كان مصطلح “القوة الناعمة” يتردد في أروقة السياسة ونشرات الأخبار. ظل هذا المصطلح بالنسبة لي كلمة باردة بلا روح، حتى وقفت ذات يوم خلف أسوار جامعة محمد الخامس بالرباط، ممزقا بين واجب العقل وشغف القلب. كنت أوزع وقتي بين تخصص “السياحة والفندقة” في إحدى المدارس الخاصة الذي مثل واجب البقاء، وبين “اللغة الصينية” التي ولدت كعشق وجودي مباغت.

هناك أدركت أن القوة الناعمة لا تمارس بالخطب ولا تفرض بالسياسات، بل تتسلل خلسة كلغة مفتونة الحروف، حروفها مرسومة بطلاسم سحرتني. ظننت أنني سأحتوي حروفها، فإذا بها هي تفتنني وتستبيح شغفي، وتصبح سيرتي ووجودي.

كنت أعيش حالة من الحب قبل الانكسار. التمزق اليومي كان ينهش الروح والجسد؛ ففي الصباح كنت أرتمي في أحضان لغتي الفاتنة في رحاب الجامعة، وفي المساء أهرع مجهدا إلى مدرسة السياحة لأدرس علوم الطيران والبروتوكول والخدمات السياحية. كنت أركض بين الحافلات وأسابق عربات الترام في شوارع الرباط، والوقت يطاردني. صار التعب وشما على وجهي، والوهن ساكنا في عظامي. ورغم ذلك الحب العظيم، كانت وطأة الازدواج المرهق أقوى من طاقتي؛ فخانني العقل قبل الجسد، واضطررت لمغادرة أسوار الجامعة بمرارة الانكسار لا الهزيمة.

ظن البعض أنها النهاية، وأنني سأطوي صفحة الحلم إلى الأبد. لكن العشق إذا تغلغل في المسام لا يغادره إلا بخروج الروح. سقطت جسدا، لكن الحسناء الصينية الناعمة ظلت تقيم في مخيلتي حلما يأبى الانكسار، حتى قادتني خطوات القدر إلى حضن الصين.. لأجد أنني لم أغترب، بل عدت أخيرا إلى حضن من أحب.

لم يكن الوصول إلى أرض الصين نزهة، بل كان أشبه بمختبر وجودي أعاد صياغة الذات. هناك تعلمت أن الميدان لا يعترف إلا بالنتائج. خضت غمار التحدي وسط زملاء صينيين يجسدون معادلة مذهلة: رقة الحرير في المعاملة، وصلابة الفولاذ في الإرادة. تعلمت منهم كيف يمكن للمرء أن يصقل نفسه وسط الزحام، محولا التعب القديم إلى انضباط يسكن الروح قبل الجسد. فالطفرة الصينية التي نراها اليوم في التقدم التكنولوجي والصناعي والاقتصادي لم تصنعها المصادفة، بل صنعها صبر لا ينفد وكد لا يعرف الكلل.

أتذكر بحزن مشوب بالابتسام، حين قلت لوالدتي قبل رحيلي: “الصين بلد التجارة، وابنك سيذهب لبناء إمبراطوريته الخاصة.” كم كنت سجينا لتلك الصورة النمطية الضيقة! إذ اكتشفت لاحقا أن من يحصر الصين في الحاوية والبضاعة والأسواق، كمن يختصر البحر في قطرة ماء.

لقد رسم الإعلام الغربي صورا مشوهة، صوروا لنا الصينيين كروبوتات بلا مشاعر، كما صاغوا للعالم صورة الإرهاب ملتصقة بالمسلمين زورا وبهتانا. وأوهمونا أن الأحلام والجمال والحرية هي ماركات حصرية لمجتمعاتهم الغربية. لكن أين كانت حقيقة الفلسفة التي انتشلت الملايين من الفقر؟ أين تاريخ الشاي الذي يقطر حكمة وصبرا؟ أين الفلسفات الكونفوشيوسية والطاوية وحكمتها؟ لماذا لم يحدثنا أحد عن كرم الفلاح الصيني الذي يقتسم معك خبزه وابتسامته؟ ولماذا غاب عن إعلامنا العربي، الذي ظل للأسف صدى للصوت الغربي، الحديث عن النهضة الخضراء، وعن التكنولوجيا التي ولدت من رحم المعاناة لتخدم الإنسان لا لتستعبده؟

كل هذا وأكثر غشاوة تضليل، لكنني آمنت بالحكمة الصينية القديمة: “أن تقطع عشرة آلاف ميل خير لك من أن تقرأ عشرة آلاف كتاب.”

طفت في أرجاء الصين شمالا وجنوبا، فرأيت جمالا يخطف الأنفاس وتنوعا يذهل العقل. من خيول وهضاب منغوليا الداخلية التي تمنحك شعورا بالحرية المطلقة، إلى جبال تيانشان الشاهقة بشموخها المهيب، وصولا إلى شنيانغ بطابعها التاريخي العريق، وشينجيانغ حيث يمتزج عبق طريق الحرير بجمال الثقافة وتنوع الإنسان. وفي الجنوب عاينت سحر الطبيعة الاستوائية، وغصت في أعماق ثقافة شيتسانغ وروحانيتها التي تعلم الصبر والسكينة. رأيت أناسا ودودين في كل شبر، يذكرونني بنبل الجيل العربي الذهبي، حتى خيل إلى أكثر من مرة أنني أقف في جنة الله فوق أرضه.

وحين قطعت تلك الأميال، لم أجد قوة ناعمة بالمعنى السياسي التقليدي، بل وجدت “قوة هادئة”، جميلة ووديعة، لا تقتحمك بل تدعوك بلطف لتذوب فيها. قوة تجعلك تنجذب إليها وتسكن فيك قبل أن تسكن فيها. هذا هو سحرهم الحلال الذي يتجلى في فلسفة الشاي التي تعلمك الصبر والحكمة، وفي أخلاقهم التي تأسر القلوب قبل العقول. لقد استبصرت وجها للصين ينبض بالإنسانية ويقدس السلام، ويشبهنا كعرب في تمسكه بالقيم العريقة وكرم النفوس.

اليوم، وحين أقف أمام الكاميرا، كإعلامي معتمد في قلب هذا الوطن العظيم، أشعر بثقل الأمانة. صرت جسرا للحقيقة ومترجما للحضارات. تعلمت في كواليس الإعلام الصيني درسا جوهريا: الإعلام أمانة بناء، لا معول هدم. إعلام يركز على بناء الهوية الوطنية وروح المواطنة، والمحافظة على القيم الأخلاقية، إعلام يسهم في بناء المجتمع. هذا هو الفرق بين إعلام يخدم الأمة، وإعلام يتغذى على تمزيق الآخرين.

اليوم، وبعد أن طويت من عمري ثماني سنوات فوق أرض الصين، لم أعد أرى في المرآة ذلك الصحفي المغربي الذي جاء يوما يحمل حقائب الاغتراب. بل أرى إنسانا صهرته بواتقها، فأعادت الصين ترتيب فوضى أعماقه، وشكلت من جديد ملامح روحه. لقد علمتني تلك الحسناء التي استوطنتني حتى الإدمان، أن الحب في أسمى تجلياته هو ذاك الذي يصقلك لتغدو نسخة أرقى من ذاتك. ولهذا لم أكتف بعشقها، بل عاهدتها عهد الوفاء الأبدي، حتى تماهت روحي بروحها، وغدوت بها ومعها كيانا واحدا لا يقبل القسمة.

يستحضرني هنا قول حكماء الصين: “حيثما استكان قلبك واطمأن، فثمة موطنك الأكبر.” وإذا كان المغرب العظيم قد منحني شرف الميلاد، فإن الصين العظيمة قد وهبتني هيبة المعنى. وما بين سجدة الميلاد وسمو المعنى، ولدت من جديد. ليس كصحفي يرقب الأحداث فحسب، بل كشاهد عيان على قيامة أمة، وعاشق صوفي لتلك الحروف التي سحرتني يوما، فمنحتني وطنا ثانيا لا أكتفي بسكناه، بل يسكنني هو في كل نبضة.

أيوب بشروري، صحفي ومراسل ومذيع مغربي في قناة الصين العربية، وصانع محتوى يعيش في الصين منذ ثماني سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى