رأيعلى طريق الحرير

سبعون عاماً من السير المشترك: كيف صاغت العلاقات الصينية المصرية نموذجاً للتعاون الصيني العربي

 

تشن جيه، رئيس معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين

فنغ تشى، باحثة مساعدة في معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين

 

يوافق هذا العام الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. فمنذ سبعين عاماً، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة، ثم ارتقت العلاقات بين البلدين في عام 2014 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وإذا أعدنا النظر في هذه المسيرة الطويلة، يتضح أن خصوصية العلاقات الصينية المصرية لا تعود فقط إلى أنها بدأت مبكراً وترسخت على أسس متينة، بل أيضاً إلى قدرتها الدائمة على الحفاظ على الاتجاه الصحيح وسط التحولات الدولية، وتحويل الصداقة التقليدية باستمرار إلى تعاون واقعي وملموس، بما يجعلها سنداً مستقراً لتطور العلاقات الصينية العربية.

أولاً: تكمن أهمية العلاقات الصينية المصرية في أنها شكلت موقع الريادة داخل العلاقات الصينية العربية

إن أكثر ما يمنح العلاقات الصينية المصرية قيمتها الخاصة هو أنها لم تكن تقارباً عابراً فرضته ظروف مؤقتة، بل تعاوناً مستقراً امتد عبر المراحل التاريخية المختلفة. فمهما تبدلت البيئة الدولية، ظلت هذه العلاقات تحافظ في المجمل على مسارها التصاعدي. وتعد مصر دولة محورية في العالم العربي، كما تشكل جسراً يربط بين المشرق العربي وأفريقيا والعالم المتوسطي، في حين تواصل الصين دفع الانفتاح عالي المستوى ومضيها في مسار التحديث. ومن هنا، فإن الطرفين يشتركان في تقدير قضايا التنمية والاستقلال والاستقرار، وهو ما منح علاقاتهما قدراً كبيراً من الصلابة الاستراتيجية، وجعلها تتجاوز رهانات اللحظة والملفات الآنية. ولذلك، عندما يجري الحديث اليوم عن التعاون الصيني العربي، فإن مصر تحضر في المقدمة، لأنها لم تشهد فقط البدايات الأولى لهذا التعاون، بل واصلت أيضاً الإسهام في توسيع آفاقه في المراحل اللاحقة.

ثانياً: تكمن قيمة التعاون الصيني المصري في تحويل الثقة السياسية المتبادلة إلى منجزات تنموية

إن حيوية العلاقات الصينية المصرية لا تقاس بالشعارات، بل بما تنتجه من نتائج ملموسة يمكن رؤيتها ولمسها. وخلال السنوات الأخيرة، تواصل الربط بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية مصر 2030، ولم يعد التعاون مقتصراً على التجارة والاستثمار بالمعنى التقليدي، بل امتد إلى بناء المناطق الصناعية، وتشييد البنية التحتية، والتصنيع المشترك، والطاقة الجديدة، والاقتصاد الرقمي، وغيرها من المجالات. وقد أصبحت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري في السويس منصة مهمة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، كما أضفت مشروعات مثل الحي التجاري المركزي في العاصمة الإدارية الجديدة بُعداً أكثر وضوحاً ورمزية على هذا التعاون. كما حافظت الصين لسنوات متتالية على موقعها بوصفها أكبر شريك تجاري لمصر. وهذا كله يدل على أن التعاون بين البلدين لا يقف عند حدود التأييد السياسي، بل يتحول بصورة متواصلة إلى فرص صناعية ووظائف جديدة، وإلى إسهام مباشر في التنمية الحضرية وتعزيز قدرات التحديث.

ثالثاً: تتجلى دلالة العلاقات الصينية المصرية في أنها توفر مساراً يمكن الاستفادة منه في تطوير التعاون الصيني العربي

إذا نظرنا إلى العلاقات الصينية المصرية ضمن الإطار الأوسع للعلاقات الصينية العربية، ولا سيما في إطار التعاون بين دول الجنوب، فإن طابعها النموذجي يتجلى بوضوح في ثلاثة جوانب رئيسية. أولها التمسك بالاحترام المتبادل، وعدم فرض الإرادة على الطرف الآخر، بل احترام خياراته التنموية وشواغله الجوهرية. وثانيها التمسك بأولوية التنمية، من خلال تركيز التعاون على التصنيع والبنية التحتية والابتكار العلمي والتكنولوجي وتحسين مستوى معيشة الناس. وثالثها التمسك بالتنسيق متعدد الأطراف، عبر تعزيز التشاور والتعاون في إطار منتدى التعاون الصيني العربي، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، وفي سياق التعاون بين دول الجنوب العالمي. ومن هذا المنطلق، فإن العلاقات الصينية المصرية لا تعود بالنفع على البلدين فحسب، بل ترسل أيضاً إشارة إيجابية على المستوى الإقليمي، مفادها أن الدول النامية قادرة، من خلال التشاور على قدم المساواة، والتكامل في المزايا، والتعاون العملي، على شق طريق مختلف عن منطق الصراع الصفري والمنافسة الإقصائية.

خاتمة

إن سبعين عاماً في عمر العلاقات بين الدول مدة كافية لتقول الكثير. وما وصلت إليه العلاقات الصينية المصرية اليوم لم يكن نتاج حماسة عابرة، بل حصيلة تراكم تاريخي طويل، وثقة سياسية متبادلة، وتعاون عملي متواصل. وإذا واصلت هذه العلاقات في المستقبل انطلاقها من أولويات التنمية، وارتباطها بمصالح الناس، واهتمامها باستقرار المنطقة، فإنها لن تدفع فقط بالشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين إلى مستوى أعلى، بل ستواصل أيضاً رفد العلاقات الصينية العربية بمزيد من اليقين والاستقرار والطاقة البناءة. وبالنسبة إلى الصين ومصر، فإن هذا المسار ليس فقط أفضل احتفاء بسبعين عاماً من الصداقة، بل هو أيضاً الجواب الأوضح عن مستقبل التعاون الصيني العربي.

 

تشن جيه، رئيس معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين

فنغ تشى، باحثة مساعدة في معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى