قفزتان لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية خلال عامين متتاليين

قوه هوان ياو:Author
في العشرين من يناير 2025، هزت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة “ديب سيك”، التي لم يكن مضى على تأسيسها سوى عام واحد، أوساط التكنولوجيا العالمية، حيث أطلقت نموذجها اللغوي الكبير المفتوح المصدر “ديب سيك- آر1”. سجل هذا النموذج أداء متقدما في مهام الرياضيات والبرمجة واستدلال اللغة الطبيعية، بما يضاهي نموذج “أوبن إيه آي- أو1″، بتكلفة تعادل تقريبا عُشر تكلفة الأخير، وما إن أُطلق حتى تصدر بسرعة قائمة التطبيقات الأكثر تنزيلا في متجر آبل للتطبيقات في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى القول إنه “لحظة سبوتنيك جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي”.
وبعد عام واحد فقط، حققت الصين إنجازا لافتا مرة أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي. ففي الثاني عشر من فبراير 2026، أعلنت شركة “بايت دانس” رسميا إطلاق الجيل الجديد من نموذج توليد الفيديو المتعدد الوسائط “سيدانس 2.0″، وسرعان ما اجتاح منصات التواصل الاجتماعي داخل الصين وخارجها بفضل قدرته غير المسبوقة على تحويل النصوص والصور إلى مقاطع فيديو سينمائية. علق الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا” إيلون ماسك قائلا: “إن ذلك يحدث بسرعة.” كما قالت وكالة فرانس برس إنه “يعد أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدما لتوليد الفيديو حاليا”. من الاستدلال النصي إلى صناعة الفيديو، حققت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تقدما بارزا على مدى عامين متتاليين. لم تكن هذه مصادفة عابرة، بل كانت ثمار جهد الصين في تطوير الذكاء الاصطناعي ونتيجة تراكم طويل من التقنيات والخبرات.
الإنجازات التي حققها “سيدانس 2.0”
أثار “سيدانس 2.0” أصداء واسعة على مستوى العالم، بفضل نجاحه في حل العديد من المشكلات التي يعاني منها الفيديو المولد بالذكاء الاصطناعي لفترة طويلة. كان من الصعب على المستخدمين توجيه النموذج بدقة لتنفيذ أفكارهم الإبداعية. على سبيل المثال، قد تظهر مشكلة التغير المفاجئ للشخصيات، إذ تتغير ملامح الشخصية أو بنيتها الجسدية بشكل غير منطقي بين لقطة وأخرى. وهناك أخطاء في قوانين الفيزياء، مثل مشاهد تدفق الماء من أماكن منخفضة إلى أماكن مرتفعة، وتداخل الأشياء وتشابكها بشكل غير واقعي. إلى جانب ذلك، كثيرا ما ظهرت مشكلة عدم تطابق صوت الفيديو مع صورته، حيث لا يتوافق صوت الناس مع حركة شفاههم، كما لا تتوافق الأصوات البيئية مع المشاهد. وقد جعلت هذه القيود نموذج توليد الفيديو أقرب إلى “ألعاب طريفة”، من دون أن تتمكن من صناعة المحتوى الاحترافي.
في هذا السياق، حقق “سيدانس 2.0” نقلة نوعية في مواجهة هذه التحديات. استنادا إلى البنية الموحدة المتعددة الوسائط لتوليد المحتوى الصوتي والمرئي بشكل مشترك، يدعم “سيدانس 2.0” إدخال النصوص والصور والأصوات والفيديو، أي يمكن للمستخدم إدخال تسع صور وثلاثة مقاطع فيديو وثلاثة مقاطع صوتية إضافة إلى أوامر باللغة الطبيعية في آن واحد. ويتمكن النموذج من تحليل هذه المواد بعمق، بما يشمل التكوين البصري، والمؤثرات البصرية، وحركات الإنسان والكاميرا، والأصوات، ليولد المحتوى المطلوب. وهذا يعني أن صانع المحتوى يستطيع، على غرار المخرج السينمائي، صناعة فيديو احترافي متكامل بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
أما من حيث جودة الفيديو، فيتمكن النموذج من صناعة فيديو سينمائي يتوافق مع قوانين الفيزياء ويتميز بتسلسل طبيعي للأحداث والمشاهد، متجاوزا قدرات النماذج السابقة. على سبيل المثال، في المشاهد المعقدة مثل التزلج الفني الزوجي على الجليد، يستطيع النموذج محاكاة حركات القفز المشترك والدوران في الهواء والهبوط على الجليد بشكل دقيق، وكذلك إظهار انعكاس الضوء وحركة الملابس وتأثير الجاذبية، بالإضافة إلى التفاعل بين الشخصيات والبيئة المحيطة.
الجدير بالذكر أن “سيدانس 2.0” مزود بتقنية الصوت المجسم الثنائي القناة، ويتمتع بقدرة فائقة على مزامنة الصوت مع الصورة. يتمكن النموذج من توليد الموسيقى الخلفية وأصوات البيئة والتعليق الصوتي بالتزامن مع توليد الصورة، لتحقيق توافق الصوت مع إيقاع الصورة وحركة الشفاه، مما عالج بشكل فعال مشكلة انفصال الصوت عن الصورة التي لطالما عانى منها فيديو الذكاء الاصطناعي نتيجة آلية “إنتاج الصورة أولا وإرفاق الصوت لاحقا”.
وفي الوقت نفسه، أظهر “سيدانس 2.0” قدرة عالية على التكيف مع مختلف السيناريوهات، حيث يستطيع النموذج تقديم نتائج عالية الجودة، سواء في مجالات الإعلانات التجارية أو المؤثرات البصرية أو الرسوم المتحركة أو غيرها. كما أنتج تشارلز كيران، المخرج الأمريكي، مقطع فيديو دعائيا لفيلم مدته دقيقة و24 ثانية باستخدام “سيدانس 2.0″، وذلك في غضون عشرين دقيقة فقط، مشيرا إلى أن هذه التقنية قد تحدث تحولا جذريا في صناعة السينما. فيسهم “سيدانس 2.0” في خفض تكلفة إنتاج المحتوى السمعي البصري الاحترافي وتقليل تعقيداته، ليتيح للمبدعين والشركات مساحة أوسع لتجسيد أفكارهم الإبداعية.
في الوقت الراهن، تعد صناعة الأعمال الدرامية القصيرة والإعلانات التجارية مجالات رئيسية لتطبيق “سيدانس 2.0”. وفي مارس 2026، تم الطرح الرسمي لـ”سيدانس 2.0″ في الأسواق الدولية عبر منصة “كاب كات”، فوصل إلى أفريقيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا.
مسار تطور الذكاء الاصطناعي الصيني
نجاح الصين في مجال الذكاء الاصطناعي مبني على منظومة متكاملة تشمل التخطيط الإستراتيجي وتنمية الأكفاء وتطوير السوق.
وضعت الصين إستراتيجيتها للذكاء الاصطناعي منذ وقت مبكر، مع تكثيف جهودها لتنفيذها. في عام 2017، أصدر مجلس الدولة الصيني وثيقة ((خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي))، حيث أكد بوضوح ضرورة “احتلال الريادة في تطوير الذكاء الاصطناعي”، وحدد هدفا يتمثل في تحويل الصين بحلول عام 2030 إلى أحد المراكز العالمية الرئيسية للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.
ومنذ ذلك الحين، تم تنفيذ السياسات المعنية على مختلف المستويات. أصدر مجلس الدولة وثيقة ((آراء حول تعميق تنفيذ برنامج “الذكاء الاصطناعي+”))، التي تهدف إلى دفع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاعات التصنيع والرعاية الصحية والتعليم والنقل وغيرها. كما تكثف بكين جهودها لبناء منطقة تجريبية لتعزيز الابتكار والتنمية للذكاء الاصطناعي، وتسعى شانغهاي إلى أن تصبح مركز الابتكار للذكاء الاصطناعي، فيما تخطط مقاطعة قوانغدونغ لإنشاء تجمع صناعي للذكاء الاصطناعي. إن هذه السياسات المنهجية، الممتدة من التخطيط الإستراتيجي إلى التنفيذ المحلي، ترسم مسارا واضحا وتوفر ضمانات قوية لدعم الابتكار التكنولوجي.
وتعد تنمية الأكفاء ركيزة أساسية في هذه المنظومة. حتى إبريل 2025، بلغ عدد الجامعات الصينية التي حصلت على الموافقة لافتتاح تخصص البكالوريوس في الذكاء الاصطناعي 626 جامعة، وقد أنشأت الصين منظومة متدرجة لإعداد الأكفاء تشمل مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. وحتى نهاية عام 2024، تجاوز عدد الأكفاء العاملين في مجالات الصناعات الأساسية للذكاء الاصطناعي في الصين خمسمائة ألف شخص، فيما تراوح عدد المشتغلين في المجالات ذات الصلة بين 5ر1 مليون ومليوني شخص، كما تجاوز إجمالي عدد الأكفاء العاملين في مجالات “الذكاء الاصطناعي+ القطاعات المختلفة” ثمانية ملايين شخص. هكذا تتشكل منظومة موارد بشرية متكاملة تمتد من البحث الأساسي إلى التنفيذ الهندسي ثم التطبيقات في مختلف القطاعات. تنظر الحكومات المحلية إلى هؤلاء الأكفاء بوصفهم أكفاء إستراتيجيين، وتسارع إلى استقطابهم عبر حزمة من السياسات الداعمة، تشمل دعم الأجور، وتسهيلات الاستقرار والإقامة، والتمويل البحثي، ودعم ريادة الأعمال.
من جهة أخرى، توفر السوق الصينية الهائلة ساحة اختبار واسعة لمنتجات الذكاء الاصطناعي. فالصين تمتلك أكبر قاعدة من مستخدمي الإنترنت في العالم، كما تزخر بأكثر مشاهد التطبيق تنوعا وثراء؛ من خدمات توصيل الطلبات إلى بناء المدن الذكية، ومن منصات مقاطع الفيديو القصيرة إلى مركبات الطاقة الجديدة. في هذا الإطار، واصلت الصين تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحسينها لتلبية هذه الاحتياجات الواقعية المعقدة والمتنوعة.
الفرص والتحديات بعد الطفرة التكنولوجية
أثار إصدار “سيدانس 2.0” موجة جديدة للذكاء الاصطناعي، لكن هذه التقنية جلبت في الوقت نفسه مجموعة جديدة من التحديات، وفي مقدمتها التحديات الأخلاقية والأمنية. إذ يرى بعض المراقبين أنه مع التقدم الملحوظ الذي حققه “سيدانس 2.0” في جودة مقاطع الفيديو، قد يكون من الصعب أحيانا التمييز بين مقاطع الفيديو الحقيقية والمقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى انتحال الهوية والتزييف العميق وغيرهما من المشكلات. إزاء هذه المخاطر، اتخذت شركة بايت دانس إجراءات استباقية. فرضت الشركة قيودا على استخدام النموذج، إذ يتعين على المستخدم الراغب في رفع بيانات الوجه لصناعة مقطع فيديو، أن يستكمل أولا عملية التحقق من الهوية، لضمان أنه صاحب الوجه. ومع الطرح الرسمي للمنتج في الأسواق الخارجية، شددت الشركة كذلك على أن “سيدانس 2.0” مزود بآليات صارمة لأمن المحتوى وحماية حقوق الملكية الفكرية، بما يحول دون استخدام صور الآخرين أو أصواتهم أو أي محتوى محمي بحقوق الملكية الفكرية من دون تصريح.
في الوقت نفسه، تعمل الحكومة الصينية على تسريع وتيرة بناء الإطار المؤسسي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2023، أصدرت سبع جهات حكومية صينية بشكل مشترك، ومن بينها الهيئة الوطنية الصينية للفضاء السيبراني، وثيقة ((التدابير المؤقتة لإدارة خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي))، حيث أكدت مبدأ “الموازنة بين التنمية والأمن” و”المراقبة المتسامحة والحذرة”، ووضعت المتطلبات المحددة بشأن ضمان سلامة المحتوى، مع تعزيز حماية البيانات الشخصية وحقوق الملكية الفكرية في استخدام الذكاء الاصطناعي. وفي الأول من سبتمبر عام 2025، دخلت ((لوائح رمز المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي)) حيز التنفيذ رسميا، حيث نصت على أن أي محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي يجب أن يتضمن علامات واضحة تشير إلى أنه ليس من صنع البشر.
كما قالت خه رونغ، وزيرة العدل الصينية، ردا على سؤال من وسائل الإعلام بعد اختتام اجتماع الهيئة التشريعية الوطنية للصين في الثالث عشر من مارس 2026، إن الصين ستسرع في دراسة التشريعات المتعلقة بالصناعات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي. فتشهد حوكمة الذكاء الاصطناعي في الصين تحولا تدريجيا من المعالجة الجزئية إلى بناء إطار تشريعي متكامل.
من الظهور اللافت لنموذج “ديب سيك- آر1” في عام 2025، إلى إصدار “سيدانس 2.0” الذي أعاد تعريف تقنيات توليد مقاطع الفيديو في عام 2026، تواصل الصين مسيرتها لتطوير الذكاء الاصطناعي، سعيا إلى تعزيز التطبيق العملي للتكنولوجيا، وتحقيق المنفعة المشتركة للجميع.
الصين اليوم:Source




