105 أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني: ماذا يمكن للعالم أن يتعلم من التجربة الصينية؟

“تطلعات الشعب إلى حياة أفضل هي هدف نضالنا.”
– شي جين بينغ
بقلم: وارف قميحة، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني
في صيف عام 1921، اجتمع 13 شابا في منزل متواضع بمدينة شانغهاي، واضعين اللبنة الأولى لمسيرة سياسية لم يكن أحد يتوقع أنها ستقود، بعد أكثر من قرن، واحدة من أكبر عمليات التحول للتاريخ الحديث.
واليوم، ومع احتفال الحزب الشيوعي الصيني بمرور 105 أعوام على تأسيسه، لا تبدو المناسبة مجرد محطة تاريخية تخص الصين وحدها، بل فرصة للتأمل في تجربة تنموية وسياسية أصبحت محط اهتمام الباحثين وصناع القرار في مختلف أنحاء العالم. فالصين لم تحقق فقط نموا اقتصاديا استثنائيا، بل قدمت نموذجا في التخطيط طويل الأمد، وبناء المؤسسات، وإدارة التنمية، يستحق الدراسة والتحليل.
لقد انتقلت الصين، خلال عقود قليلة، من دولة كانت تواجه الفقر والتحديات التنموية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقوة رائدة في مجالات التكنولوجيا والابتكار والتصنيع والبنية التحتية. غير أن هذه الإنجازات لا يمكن تفسيرها بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل من خلال فهم المؤسسة التي قادت هذا المسار، وكيف استطاعت أن تطور أدواتها وسياساتها بما يتلاءم مع التحولات المحلية والدولية، مع الحفاظ على رؤية استراتيجية واضحة للمستقبل.
ومن يقرأ تاريخ الحزب الشيوعي الصيني يلاحظ أنه لم يبق أسير مرحلة واحدة. فقد انتقل من قيادة الثورة إلى قيادة بناء الدولة، ثم إلى إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، وصولا إلى قيادة اقتصاد حديث يقوم على الابتكار والتنمية عالية الجودة. وفي كل مرحلة، أعاد تقييم أولوياته، وطور آليات عمله، مع الحفاظ على هدف أساسي يتمثل في تحقيق نهضة الصين وتحسين مستوى حياة شعبها.
ومن خلال زياراتي المتكررة إلى عشرات المدن الصينية، ولقاءاتي مع مسؤولين وأكاديميين وباحثين، أدركت أن أكثر ما يميز التجربة الصينية هو التفكير بالمستقبل. فالحديث عن الخطط الخمسية، والابتكار، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، لا يقتصر على الوثائق الرسمية، بل ينعكس في السياسات العامة، وفي المؤسسات، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. هناك قناعة راسخة بأن التنمية ليست مشروع حكومة، بل مشروع دولة يمتد عبر الأجيال.
ومع تولي الرئيس شي جين بينغ مسؤولية قيادة الحزب، دخلت الصين مرحلة جديدة من مسيرة التحديث، تقوم على مفهوم التنمية عالية الجودة، وتعزيز الابتكار، وتحقيق التنمية الخضراء، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الرفاه الاجتماعي، مع التأكيد المستمر على أن الإنسان هو محور عملية التنمية. وفي الوقت نفسه، شهدت هذه المرحلة تسارعا في تطوير الصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحديثة، بما يعزز قدرة الصين على المنافسة في الاقتصاد العالمي.
وعلى الصعيد الدولي، طرحت الصين، بقيادة الرئيس شي جين بينغ، مجموعة من المبادرات التي أصبحت تشكل ركائز في رؤيتها للعلاقات الدولية، من بينها مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية. وتعكس هذه المبادرات توجها نحو تعزيز التعاون الدولي، ودعم التنمية المشتركة، وتشجيع الحوار بين الحضارات، والمساهمة في بناء نظام عالمي أكثر توازنا وشمولا.
واليوم، يضم الحزب الشيوعي الصيني أكثر من 101 مليون عضو، ليبقى أكبر حزب سياسي في العالم، بينما يحمل نحو ستين في المئة من أعضائه تعليما جامعيا أو أعلى. ولا تعكس هذه الأرقام الحجم التنظيمي للحزب فحسب، بل تعكس أيضا اهتماما مستمرا ببناء الكفاءات البشرية وإعداد القيادات القادرة على إدارة دولة بحجم الصين وتعقيداتها.
وفي العالم العربي، لم يعد الاهتمام بالصين يقتصر على التجارة والاستثمار، بل امتد إلى دراسة تجربتها في الإدارة العامة، والتخطيط الاستراتيجي، والتنمية، والحوكمة، وبناء المؤسسات. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين الحزب الشيوعي الصيني وعدد من الأحزاب والمؤسسات العربية زخما متزايدا من خلال برامج الحوار، وتبادل الوفود، والندوات المشتركة، بما يعكس اهتماما متبادلا بتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب التنموية.
لكن دراسة التجربة الصينية لا تعني البحث عن نموذج جاهز للتطبيق في دول أخرى، فلكل دولة ظروفها وتاريخها وثقافتها. وإنما تعني الاقتراب منها بعقل الباحث، لاستخلاص الدروس المتعلقة بالتخطيط بعيد المدى، وبناء المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على التكيف مع المتغيرات، وهي عناصر أصبحت تشكل متطلبات أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في أي مجتمع.
وبعد مرور 105 أعوام على تأسيسه، لا يزال الحزب الشيوعي الصيني يمثل مفتاحا أساسيا لفهم الصين الحديثة، ليس لأنه قاد واحدة من أكبر عمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي في التاريخ فحسب، بل لأنه يواصل صياغة رؤيته لمستقبل الصين في عالم يشهد تغيرات متسارعة.
ولعل أهم ما يمكن أن يتعلمه العالم من التجربة الصينية هو أن التنمية ليست نتاج الموارد وحدها، بل ثمرة رؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، وتخطيط طويل الأمد، واستثمار مستمر في الإنسان. ولهذا، فإن فهم الصين اليوم لا يبدأ من ناطحات السحاب أو الأرقام الاقتصادية، بل من فهم الفلسفة التي أدارت مسيرتها طوال أكثر من قرن، وما تزال ترسم ملامح مستقبلها بثقة ورؤية بعيدة المدى.
ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس بالضرورة رأي قناة CGTN العربية.




