هل تصبح الصين الوسيط الأكثر قابلية للقبول؟

لم تعُد الحرب الدائرة اليوم في المنطقة مجرد تصعيد محدود أو جولة توتر عابرة، بل أخذت منحىً أكثر خطورة مع انخراط مباشر للولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مفتوحة مع إيران، في مشهد يعيد رسم توازنات الإقليم ويضع النظام الدولي أمام اختبار جديد.
في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها العسكرية، بل بمدى قدرتها على احتواء التصعيد وفتح مسارات للحل. ومع اتساع رقعة المواجهة وتعقّد تداعياتها، يبرز سؤال ملح: من يمتلك القدرة الفعلية على لعب دور الوسيط المقبول في حرب تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية؟
في هذا السياق، تبرز الصين كفاعل دولي يمتلك خصوصية مختلفة. فهي، بخلاف أطراف رئيسية في هذا الصراع، لا تُعد طرفاً مباشراً فيه، ولا تُحمّل إرثاً من التدخلات العسكرية في المنطقة، وهذا ما يمنحها هامشاً أوسع للتحرك وبناء قنوات تواصل مع مختلف الأطراف، هذا الدور لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى سجل دبلوماسي بدأ يفرض حضوره تدريجياً وكان أبرز تجلياته الاتفاق الذي رعته بكين بين إيران والمملكة العربية السعودية في العام 2023، والذي شكّل لحظة مفصلية في إعادة بناء الثقة بين طرفين كانا على طرفي نقيض.
ما يميّز المقاربة الصينية ليس فقط قدرتها على جمع الأطراف، بل طبيعة المنهج الذي تعتمد عليه، والقائم على التهدئة، والابتعاد عن فرض الشروط، والتركيز على المصالح المشتركة. وهو ما يتقاطع مع رؤية الرئيس شي جينبينغ الذي يؤكد أن النزاعات الدولية يجب أن تُحل عبر الحوار والتشاور، لا من خلال المواجهة أو الإملاءات.
وفي ظل الحرب الحالية، عادت بكين لتؤكد هذا النهج، حيث شدد وزير خارجية الصين وانغ يي، على أن القضايا الساخنة ينبغي التعامل معها عبر الحوار والتفاوض، وليس باستخدام القوة، في موقف يعكس تمسكاً بخيار الحلول السياسية رغم تصاعد المواجهة.
وفي سياق عملي يعكس هذا التوجه، طرحت الصين وباكستان مبادرة مشتركة لاستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وصفتها المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ بأنها مبادرة مفتوحة أمام جميع الدول والمنظمات الدولية. تقوم هذه المبادرة على الدفع نحو وقف فوري للأعمال العدائية، وإطلاق محادثات سلام بأسرع وقت، مع التأكيد على حماية الأهداف غير العسكرية وضمان أمن الممرات الملاحية، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة كمرجعية أساسية لإدارة الأزمة.
ولا يمكن فصل هذه المبادرة عن تداعيات الحرب المتسارعة على مستوى العالم، إذ لم تعد الأزمة محصورة في حدودها الجغرافية، بل انعكست اضطراباً في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وتهديداً للاستقرار الاقتصادي الدولي، ما يجعل من التحرك الصيني محاولة لاحتواء مخاطر تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي برمته. كما تكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية لكونها صادرة عن دولتين من دول الجنوب العالمي، في مؤشر على تحوّل تدريجي في مراكز التأثير الدولي، حيث لم تعُد إدارة الأزمات حكراً على القوى التقليدية، بل باتت تشهد صعود أدوار جديدة أكثر توازناً في مقارباتها.
إنَّ خصوصية الدور الصيني اليوم لا تكمن فقط في حياده النسبي، بل في قدرته على الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع أطراف متعارضة، في وقت تتجه فيه خطوط الاتصال التقليدية إلى الانقطاع أو التصلب، وهذا ما يفتح نافذة دبلوماسية في لحظة انسداد سياسي حاد.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بقدرة الصين على الوساطة، بل بمدى استعداد الأطراف المنخرطة في هذه الحرب لمنح المسار السياسي فرصة حقيقية. فالتجارب الدولية تُظهر أن الوسيط، مهما بلغت مصداقيته، لا يمكنه فرض السلام، بل يسهّل الوصول إليه عندما تنضج الإرادة السياسية.
في هذا الإطار، يمكن فهم الحراك الدبلوماسي الصيني بوصفه محاولة لاحتواء تداعيات حرب تتجاوز حدودها الجغرافية، وقد تمتد آثارها إلى النظام الدولي ككل. وهو ما يجعل من الصين خياراً واقعياً في لحظة تتراجع فيها الثقة بقدرة بعض القوى التقليدية على لعب دور الوسيط النزيه.
إنَّ أهمية أي دور صيني محتمل في هذه المرحلة لا تكمن فقط في وقف التصعيد، بل في ترسيخ نموذج مختلف لإدارة الأزمات، يقوم على التوازن، والاحترام المتبادل، والسعي إلى حلول تدريجية قابلة للاستمرار.
وفي عالم يُعاد تشكيله تحت ضغط الأزمات والتحولات الكبرى، قد لا يكون السلام نتيجة حتمية للصراع، لكنه يبدأ دائماً من مبادرات جريئة تفتح الطريق أمام الممكن، وتؤكد أن استمرار الحرب ليس قدراً، بل خيار يمكن تغييره.




