الصين وإصلاح منظمة التجارة العالمية: صوت الجنوب العالمي في معركة التعددية

بقلم وارف قميحة، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
في لحظة دقيقة يمر بها النظام التجاري العالمي، قدمت الصين أول وثيقة سياسات شاملة تحدد موقفها بشأن إصلاح منظمة التجارة العالمية منذ إطلاق مسار الإصلاح في عام 2022. ولا يمكن قراءة هذه الخطوة كإجراء تقني فحسب، بل بوصفها تموضعا سياسيا يعكس رؤية أوسع لمستقبل العولمة في ظل تحولات عميقة في موازين الاقتصاد العالمي.
ويشهد العالم اليوم تصاعدا في النزعات الأحادية، وتسييسا متزايدا للتجارة، واستخدام الرسوم والعقوبات والقيود التقنية كأدوات ضغط جيوسياسي. وفي مواجهة هذا الواقع، تطرح الصين خيارا مغايرا يقوم على تثبيت التعددية وتعزيز نظام قائم على القواعد، لا على موازين القوة.
وغير أن البعد الأكثر أهمية للوثيقة الصينية يتمثل في إعادة إدراج “التنمية” كأولوية مركزية في عملية الإصلاح. ولم تكن التجارة، من منظور بكين، مجرد تدفقات سلع وخدمات، بل أداة لتحقيق نمو متوازن يتيح للدول النامية اللحاق بركب التحول الصناعي والتقني.
وهنا يتقدم مفهوم “الجنوب العالمي” إلى واجهة المشهد. وخلال العقد الأخير، لم يعد الجنوب العالمي مجرد توصيف جغرافي، بل بات كتلة اقتصادية وسياسية صاعدة تضم آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتمثل غالبية سكان العالم وحصة متنامية من الناتج العالمي. وتبحث هذه الدول عن نظام تجاري أكثر عدالة، يمنحها مساحة سياساتية للتصنيع، ونقل التقنيات، والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي والتحول الأخضر.
وتعكس الوثيقة الصينية وعيا بهذه التحولات. وتدعو لتمكين الدول النامية من اغتنام فرص النمو في مجالات مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بدلا من أن تتحول هذه المجالات إلى ساحات احتكار. كما تؤكد احترام اختلاف النظم الاقتصادية ومراحل التنمية، في إشارة واضحة إلى أن مسارات التنمية ليست واحدة، وأن فرض نموذج اقتصادي موحد يتعارض مع الواقع المتنوع للاقتصادات الناشئة.
ومن منظور عربي، يحمل هذا الطرح دلالات إستراتيجية. وتحتاج الدول العربية، بوصفها جزءا من الجنوب العالمي، إلى نظام تجاري دولي مستقر وعادل، يسمح بتنويع اقتصاداتها وتعزيز التصنيع المحلي والانخراط في سلاسل القيمة العالمية الجديدة. وسينعكس أي تفكك في النظام متعدد الأطراف أو تحوله إلى أداة صراع بين القوى الكبرى مباشرة على فرص التنمية لمنطقتنا.
ويعبر تقديم الصين لهذه الوثيقة في هذا التوقيت عن إدراك بأن مستقبل العولمة لن يرسم فقط في العواصم الصناعية التقليدية، بل أيضا في عواصم الجنوب العالمي. ويمكن لإصلاح منظمة التجارة العالمية، إذا ما أنجز بروح التوافق والتوازن، أن يشكل فرصة لإعادة صياغة قواعد التجارة الدولية بما يراعي التحولات الصناعية والرقمية، ويعزز العدالة الاقتصادية بين الشمال والجنوب.
ويقف العالم اليوم أمام خيارين: إما استمرار الانقسام والتجزئة، أو إعادة بناء الثقة في نظام تجاري متعدد الأطراف أكثر شمولا. وتبدو الوثيقة الصينية مساهمة مهمة في إعطاء الجنوب العالمي صوتا أوضح في معركة الدفاع عن تعددية عادلة ومتوازنة في القرن الـ21.
ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتبة، ولا يعكس بالضرورة رأي قناة CGTN العربية.




