تربيةثقافةعلى طريق الحرير

قميحة شارك في ندوة في الجزائر عن التبادلات الحضارية بين الصين والدول العربية – الأفريقية: ترسم ملامح تعاون الجنوب العالمي

احتضنت الجزائر فعاليات الندوة الأكاديمية الدولية الأولى حول التبادلات الحضارية والتعلّم المتبادل بين الصين والدول العربية الإفريقية، والندوة الأكاديمية الدولية الرابعة حول التبادلات الحضارية والتعلّم المتبادل بين الصين والدول العربية، بمشاركة واسعة من شخصيات أكاديمية ودبلوماسية وباحثين من 13 دولة، في حضور أكثر من 300 مشارك من مختلف الجامعات والمؤسسات البحثية.


جاء تنظيم هذه الندوة بشكل مشترك بين جامعة الشمال الغربي الصينية، وجامعة الجزائر الثالثة، وسفارة جمهورية الصين الشعبية لدى الجزائر، ومجلة الصين اليوم، إلى جانب جامعة فودان، في إطار تعزيز الحوار الحضاري والتبادل المعرفي بين الصين والعالم العربي وإفريقيا، ودفع مسارات التعاون ضمن فضاء دول “الجنوب العالمي”.

شهدت الجلسة الافتتاحية حضور السفير الصيني لدى الجزائر دونغ قوانغلي إلى جانب ممثل وزير التعليم العالي والبحث العلمي الجزائري الدكتور عبد الكريم تفرقنيت، ومدير جامعة الجزائر الثالثة البروفيسور خالد رواسكي، بالإضافة إلى نخبة من الأكاديميين والباحثين من العالم العربي وإفريقيا والصين.

السفير الصيني

وأكد السفير الصيني لدى الجزائر في كلمته أن “التبادل الثقافي بين الحضارات يشكل ركيزة أساسية لبناء سلام دائم”، مشددًا على أن “العلاقات بين الصين والدول العربية والأفريقية لم تعد تقتصر على الأطر التقليدية، بل باتت تمتد إلى مجالات أوسع تشمل الحوار الحضاري والتعاون المعرفي”.

واعتبر أن “التبادل الثقافي بين الحضارات يشكل جسرًا نحو سلام دائم”، مجددا استعداد بلاده لـ “العمل جنبا إلى جنب مع الدول العربية والأفريقية لتجاوز الحواجز والنزاعات بروح منفتحة، والاهتمام بمصير البشرية بروح نبيلة، والمساهمة معا في تعزيز التعايش السلمي بين مختلف الحضارات”.

وأكد أن “الصين تنظر إلى علاقاتها مع الدول العربية والأفريقية باعتبارها نموذجًا للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة”، مؤكدًا أن “المرحلة المقبلة تتطلب تعميق هذا التعاون، بخاصة في مجالات التعليم والبحث العلمي والتبادل الثقافي”.

ودعا إلى أن تكون الندوة “نقطة انطلاق جديدة لتعزيز التعاون، ومنطلقًا لنشر نور العلم، وإنارة طريق التعاون، وإشعال شعلة الصداقة بين الشعوب”.

وأشار إلى أن “تعزيز التواصل بين الجامعات ومراكز الأبحاث، إلى جانب دعم المبادرات المشتركة، من شأنه أن يسهم في بناء جسور مستدامة بين الشعوب، وترسيخ فهم أعمق بين الحضارات”.

رواسكي

من جهته، أكد مدير جامعة الجزائر الثالثة أن “احتضان هذا الحدث العلمي الدولي يعكس الدور المتنامي للجامعة في الانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي، وتعزيز حضورها في فضاءات البحث الأكاديمي المشترك”.

وأشار إلى أن “الندوة لا تمثل مجرد لقاء أكاديمي، بل هي امتداد لمسار تاريخي طويل من التفاعل بين الحضارتين العربية والصينية، حيث شكّل هذا التفاعل على مر القرون نموذجًا للتبادل القائم على المعرفة والانفتاح”.

وأشار إلى أن “التحديات العالمية الراهنة تفرض على الجامعات ومراكز البحث أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في إنتاج المعرفة وتوجيه السياسات العامة، من خلال تعزيز الشراكات الدولية وتبادل الخبرات”. وشدد على “أهمية تطوير التعاون مع الجامعات الصينية، لما لذلك من أثر مباشر في الارتقاء بمستوى البحث العلمي، وتوسيع آفاق التبادل الأكاديمي، وتمكين الطلبة والباحثين من الانخراط في تجارب دولية غنية”.

وأكد أن “الجامعة تسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، عبر دعم المبادرات المشتركة، وتنظيم مثل هذه الندوات التي تفتح المجال أمام تفاعل حقيقي بين مختلف المدارس الفكرية والثقافية”.

قميحة

وفي مداخلة عبر الفيديو، قدّم رئيس جمعية “طريق الحوار اللبناني – الصيني” ورئيس الرابطة العربية – الصينية للحوار والتواصل وارف قميحة، قراءة تحليلية متعددة الأبعاد للعلاقات الصينية العربية، انطلقت من إدراك التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد العلاقات تُقاس فقط بموازين القوة والاقتصاد، بل بقدرتها على إنتاج نماذج جديدة من التفاعل والتعاون”.

وأوضح أن “هذه العلاقة تتشكل عند تقاطع ثلاثة أبعاد رئيسية: التاريخ، الحوكمة، والإنسان”، معتبرًا أن “ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور في العلاقات بل انتقال من منطق التبادل التقليدي إلى منطق إعادة تعريف العلاقة بين الحضارات”.

ففي البعد التاريخي، أشار إلى أن “طريق الحرير لم يكن مجرد شبكة تجارية، بل فضاءً حضاريًا مفتوحًا لتبادل السلع والأفكار والقيم، امتد إلى مجالات المعرفة والعلوم وأساليب الإدارة، بما يعكس عمق التفاعل بين الحضارتين العربية والصينية”، ويؤكد أن “هذه العلاقة نشأت خارج منطق الهيمنة وضمن إطار التبادل المتكافئ”.

أما في بعد الحوكمة، فقد تناول “التجربة الصينية بوصفها نموذجًا قائمًا على التخطيط طويل الأمد وربط التنمية بالاستقرار”، مشيرًا إلى “الرؤية التي طرحها شي جين بينغ والتي تقوم على تنوع مسارات التنمية ورفض فرض نموذج واحد ما يفتح المجال أمام حوار حقيقي بين التجارب بدل نقل النماذج الجاهزة”.

وفي هذا السياق، شدد على أن “العالم العربي لا يقف كمجرد متلقٍ لهذه التجربة، بل كطرف فاعل يمتلك خبرات متراكمة في إدارة التنوع والتعامل مع البيئات المعقدة، ما يجعل العلاقة بين الجانبين قائمة على التعلّم المتبادل لا على التبعية”.

في البعد الإنساني، أكد أن “الشعوب تمثل الأساس الحقيقي لاستمرارية العلاقات، حيث يشكل التبادل الثقافي والتعليمي والإعلامي جسورًا حقيقية للتفاهم، يقودها الطلبة والباحثون والمثقفون”.

كما تطرق إلى مفهوم الحوكمة العالمية، معتبرًا أن “العالم يواجه مرحلة انتقالية تتطلب الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة، عبر نماذج تقوم على التشاور وتقاسم المنافع، بما يعكس تحولًا في طبيعة النظام الدولي”.

وتوقف عند مبادرة الحزام والطريق بوصفها “امتدادًا معاصرًا لطريق الحرير، تقوم على تعزيز الترابط الاقتصادي والثقافي”، مؤكدًا أنها “منصة مفتوحة للتعاون وليست إطارًا للهيمنة”.

وختم بالتأكيد أن “العلاقات الصينية – العربية تمثل اليوم نموذجًا مختلفًا في العلاقات الدولية، يقوم على الاحترام المتبادل والتكامل والتعلّم المشترك، في عالم يسعى إلى إعادة صياغة توازناته”.

شهدت الندوة جلسات علمية ونقاشات معمقة تناولت قضايا التبادل الثقافي والتعاون الاقتصادي والتجاري، إلى جانب تنظيم معرض مصغّر للكتاب يعكس ثراء الإنتاج الفكري المرتبط بالحوار الحضاري.

 

 

 

 

 

 

 

 

وثيقة “توافق الجزائر”

 


وقد أصدر  المشاركون وثيقة توافق الباحثين الصينيين والعرب والأفارقة حول تعزيز التعلم المتبادل بين الحضارات وتعاون دول “الجنوب العالمي”، في ما يلي النص الكامل:

“نجتمع في الجزائر لإحياء روح الصداقة الصينية- العربية والأفريقية، ودفع بناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين وأفريقيا، وبين الصين والدول العربية في العصر الجديد، والإسهام بالحكمة في مسيرة دول “الجنوب العالمي” نحو التحديث المشترك.

أولا: ندعو إلى احترام السيادة وسلامة الأراضي وبناء نظام دولي عادل ومنصف. فجميع الدول، كبيرها وصغيرها، قويها وضعيفها، أعضاء متساوون في المجتمع الدولي. ونؤكد دعمنا الثابت لصون كل طرف سيادته ووحدته وسلامة أراضيه، ونرفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، ونعارض الأحادية وممارسات الهيمنة. كما ندعو إلى التمسك بتعددية حقيقية، والحفاظ على النظام الدولي ومحوره الأمم المتحدة، ودفع الحوكمة العالمية نحو مزيد من العدالة والإنصاف، وتعزيز تمثيل دول “الجنوب العالمي” وصوتها.

ثانيا: ندعو إلى احترام تنوع الحضارات وتعميق الحوار والتبادل بين الحضارات المختلفة. فالحضارات الصينية والعربية والأفريقية كنوز إنسانية، وتزخر بروح الانفتاح والتعلم المتبادل. وندعو إلى تجاوز الحواجز عبر الحوار الحضاري، وإزالة النزاعات عبر التعلم المتبادل، ونبذ التفوق عبر التعايش، وتعزيز الحوار الحضاري الصيني- العربي والأفريقي على مختلف المستويات، بما يسهم في تقارب الشعوب.

ثالثا: ندعو إلى تعزيز التبادلات الإنسانية بين أفريقيا والدول العربية والصين ، ودفع ازدهار البحث الأكاديمي. وسنعمل على تطوير دراسات الصين في أفريقيا والعالم العربي، ودعم تنمية الدراسات الأفريقية والدراسات العربية في الصين، وتعزيز الحوار بين المنظومات المعرفية الثلاث. كما سندفع التعاون بين الجامعات ومراكز الفكر ووسائل الإعلام، وتعزيز حماية التراث الثقافي، والترجمة المتبادلة للتراث الكلاسيكي، والتعاون الثقافي والسياحي، بما يرسخ أسس الصداقة.

رابعا: ندعو إلى احترام تنوع طرق التنمية والعمل المشترك من أجل تعزيز مسارات التحديث. فمسارات التحديث في الصين والدول العربية وأفريقيا متجذرة في تقاليدها الحضارية. وسنعزز تبادل خبرات الحوكمة، ومواءمة الإستراتيجيات التنموية، وتعميق التعاون في إطار مبادرة التنمية العالمية، والعمل المشترك على تنفيذ أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي ورؤية العرب 2045، لتحقيق تنمية خضراء وعالية الجودة.

خامسا: ندعو إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن وصون السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. إن مصير الشرق الأوسط ينبغي أن يقرره أبناء المنطقة بأنفسهم. ونؤكد دعمنا الثابت لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة واستعادتها، وندعو إلى تنفيذ حل الدولتين. كما ندعو إلى الإسراع في استعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وتهدئة التوترات الراهنة. ونؤكد حل الخلافات عبر الحوار والتشاور، وبناء هيكل أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، بما يحفظ الأمن والاستقرار طويل الأمد في الخليج والشرق الأوسط.

سادسا: ندعو إلى تعميق التعاون العالمي وبناء مجتمع المستقبل مشترك للبشرية. وننادي بعولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع، والحفاظ على استقرار سلاسل الانتاج والإمداد. كما نعزز التعاون الصيني- العربي والأفريقي في مجالات الطاقة، ومكافحة التصحر، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات الناشئة، والعمل المشترك لمواجهة تغير المناخ، وتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وبناء عالم نظيف وجميل للأجيال المقبلة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى