الصينرأي

بكين والضيف المرتقب

هل تصمد "السياسات الساذجة" أمام أرقام الواقع الصيني؟


 

د. سامي أبو عاصي 

  • باحث في جامعة الدراسات الدولية في بكين
  • عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

بكين على موعد مرتقب؛ حيث سيحل عليها ضيفٌ لطالما شغلته شؤونها وأرهقته قضاياها. تقف أمامه اليوم بكامل عنفوانها، غير راضخةٍ لإملاءاته، ولا تابعةٍ لتعليماته، ولا لاهثةٍ لكسب رضاه. حاول أن يعاديها برسومه الجمركية، فأدرك أنه لن يخرج من حربه التجارية معها بفائدة، ثم سعى لاستقطاب دولٍ أخرى لصفه ووضعها في مواجهتها، فوجدت تلك الدول أن سلاسل إمدادها ستنقطع، فعادت تستهدي طريق الوصول إليها.

ضيف بكين القادم هو الرئيس دونالد ترامب؛ الذي دأب في خطاباته على توبيخ قادة الاتحاد الأوروبي بطريقته المعتادة، واصفاً سياساتهم بـ«الساذجة» في ملف الطاقة. فبالنسبة لترامب، يُعد التخلي عن الوقود الأحفوري خطأً جسيماً، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر ترفاً غير مبرر؛ لذا كان يلوم القارة الأوروبية على اندفاعها نحو الطاقة المتجددة وتخليها عن استيراد الغاز والبترول، مدعياً أن هذه السياسة ستُضعف قدرة أوروبا التنافسية وتجعلها رهينةً للصين التي تستورد منها المعدات اللازمة لهذا التحول.

أما حجة ترامب الإضافية —والتي لا يُعرف إن كان مقتنعاً بها حقاً أم أن أحد مستشاريه أوعز إليه بها— فتقوم على فرضية أن الصين، التي تكاد تستحوذ على أكثر من 80% من سلاسل توريد منتجات الطاقة المتجددة عالمياً، إنما تنتجها للتصدير فقط، بينما لا تزال تعتمد في الداخل على الوقود الأحفوري والطاقة النووية.

والمفارقة هنا أن ترامب لم يطرح هذه الحجة لمرة واحدة فقط —حتى يمكننا القول إنه وقع في خطأ تقدير الموقف— وإنما كررها في مناسبات عدة، مستنداً إلى معلومات مضللة فندها الجانبان الأوروبي والصيني على حد سواء.

فالجانب الأوروبي أشار إلى أن الأرقام هي الدليل القاطع على سلامة خياره؛ إذ ولّدت توربينات الرياح والألواح الشمسية 30% من إجمالي كهرباء الاتحاد الأوروبي في عام 2025، متفوقةً لأول مرة على الوقود الأحفوري الذي تراجع إلى 29%. وهذا ما دفعهم للتمسك بهذا المسار؛ ففي يناير 2026، وقعت 9 حكومات أوروبية مسودة بيان يؤكد التزامها بتوسيع مشروعات طاقة الرياح، معتبرة إياها ركيزة أساسية لأمن الطاقة في القارة.

أما الصين، التي ردت حينها بأن اتهاماته «مضللة»، فإن الأرقام الرسمية تشهد لها. ففي العام 2025 وحده، شكّلت مصادر الطاقة المتجددة 38% من إجمالي توليد الكهرباء في البلاد، وفقاً لبيانات إدارة الطاقة الوطنية الصينية، بقدرة مركبة من طاقة الرياح والشمس تجاوزت 1700 غيغاواط، وهو رقم يفوق إجمالي قدرة الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين. وعلى صعيد المركبات، لم تكن الصورة أقل وضوحاً؛ فقد بلغت حصة سيارات الطاقة الجديدة (الكهربائية والهجينة) 47.9% من إجمالي مبيعات السيارات في البلاد خلال العام، ثم اخترقت مبيعات التجزئة الشهرية حاجز 60% في ديسمبر 2025، لتؤكد أن الصين ليست مجرد مصنّع يصدّر التقنيات الخضراء، بل أكبر سوق مستهلكة لها في العالم، في مشهد يصعب معه الادعاء بأن الثورة الخضراء ترف تصديري لا غير.

ورغم أنه لم يُعرف حتى الآن جدول أعمال الزيارة، إلا أنه قد يكون من الأهمية أن تشمل جولته مقاطعة «قانسو»؛ حيث تقع أكبر مزرعة رياح في العالم، بقاعدة تضم آلاف التوربينات وبقدرة إنتاجية تصل إلى 20 غيغاواط. هناك، في صحراء غوبي، لن يجد ترامب حجةً للتباكي على «جمال الطبيعة»، وهو الذي وصف التوربينات سابقاً بأنها «وحوش قبيحة» دمرت مناظر اسكتلندا الخلابة.

وإذا لم يرغب في زيارة الصحراء، فسيكون أمام المُضيف الصيني فرصة لصحبته نحو مقاطعة «فوجيان»؛ ليرى مزارع الرياح البحرية العملاقة القابعة قبالة مضيق تايوان. وبطبيعة الحال، ففي أي اتجاه سيسير مركبه، سيجد السيارات الكهربائية تملأ الشوارع من حوله؛ وعندها، ربما يعود من رحلته وقد أدرك أن هذه البلاد باتت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى