رأيعلى طريق الحرير

أحمد السعيد وبيت الحكمة.. حين تصبح الثقافة شريكًا في صناعة العلاقات العربية الصينية

 

وارف قميحة

رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

في العلاقات بين الدول مساحة لا تصنعها الاتفاقيات وحدها، ولا تستطيع الزيارات الرسمية، مهما بلغت أهميتها، أن تملأها، فهي المساحة التي يدخل منها الكتاب والمترجم والباحث والناشر، ويعمل فيها أشخاص قد لا يجلسون إلى طاولات المفاوضات ولا تظهر أسماؤهم في البيانات المشتركة، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا في معرفة شعب بشعب آخر، وربما في الصورة التي تتشكل عن بلد كامل لدى أجيال من القراء.

في هذه المساحة أضع تجربة الصديق الدكتور أحمد السعيد، مؤسس مجموعة بيت الحكمة للثقافة، لا لأن الصداقة وحدها تمنحني سببًا للكتابة عنه، بل لأن ما فعله خلال خمسة عشر عامًا يستحق أن يُقرأ بوصفه تجربة ثقافية عربية صينية تجاوزت حدود مشروع للنشر بدأ صغيرًا، قبل أن يصبح واحدًا من العناوين المعروفة في حركة الترجمة والتبادل الثقافي بين الصين والعالم العربي.

بدأ أحمد السعيد علاقته بالصين من اللغة، فدرس الصينية في جامعة الأزهر، ثم انتقل إلى الصين وأكمل دراسته في جامعة نينغشيا، حيث حصل على الدكتوراه وعاش داخل المجتمع الصيني بما يتجاوز معرفة الزائر أو الباحث العابر، ومن مدينة ينتشوان، حاضرة منطقة نينغشيا في شمال غربي الصين، بدأت عام 2011 حكاية “بيت الحكمة” بشراكة مصرية صينية، قبل أن تتوسع المؤسسة لاحقًا وتبني حضورًا في مصر وعدد من الدول العربية.

وللاسم دلالته التي لا يمكن فصلها عن طبيعة المشروع، فحين اختار أحمد السعيد «بيت الحكمة» كان يستعيد اسم المؤسسة التي ازدهرت في بغداد في العصر العباسي وتحولت إلى أحد أشهر مراكز الترجمة والمعرفة في التاريخ، وكأن الرهان بعد أكثر من ألف عام يعيد طرح السؤال نفسه بصيغة جديدة: كيف يمكن للمعرفة أن تعبر من حضارة إلى أخرى، وكيف يمكن للترجمة أن تجعل المسافة بين الشعوب أقصر مما تبدو على الخريطة؟

كانت المهمة أصعب مما قد تبدو عليه اليوم، إذ كان حضور الصين في المكتبة العربية قبل عقدين أو ثلاثة محدودًا قياسًا بحجمها الحضاري والبشري والسياسي، وكانت معظم معرفتنا بها تمر عبر لغات ووسائط ثالثة؛ فكنا نقرأ عن الصين أكثر مما نقرأ الصين نفسها، ونعرف أخبارها أكثر مما نعرف أدبها وفلسفتها وتاريخها وتحولات مجتمعها، وهذه مسألة شديدة الأهمية لأن معرفة بلد من خلال ما يكتبه الآخرون عنه تختلف عن معرفته من خلال ما يكتبه أبناؤه عن أنفسهم.

دخل بيت الحكمة إلى هذه الفجوة وجعل من الترجمة محورًا لمشروعه، ومع السنوات أخذت التجربة تتسع حتى بلغ عدد الكتب التي نقلتها المجموعة من الصينية إلى العربية، وفق البيانات المنشورة عنها، نحو 1200 كتاب، إلى جانب نقل مؤلفات عربية إلى الصينية، وبناء شبكة تعاون واسعة مع دور نشر ومترجمين ومؤسسات ثقافية في الصين والعالم العربي، فضلًا عن الحضور في معارض الكتب والفعاليات الثقافية والعمل في مجالات تعليم اللغة الصينية والبحث والدراسات والتبادل الثقافي.غير أن قيمة هذه التجربة لا ينبغي أن تقاس بعدد العناوين وحده، فألف كتاب أو ألف ومئتا كتاب يمكن تسجيلها في تقرير أو في سيرة مؤسسة، بينما يبدأ الأثر الحقيقي عندما يصبح اسم كاتب صيني مألوفًا لدى قارئ عربي لم يكن يعرفه، وحين يستطيع طالب عربي أن يقرأ عن المجتمع الصيني وتاريخه وفلسفته بلغته، وحين يجد كاتب عربي طريقًا إلى قارئ صيني ربما لم يكن ليصل إليه لولا وجود مترجم وناشر يعرف الضفتين، لأن الترجمة في العلاقات بين الشعوب ليست عملية نقل كلمات بين لغتين بقدر ما هي عملية تقليص للمسافة بين صورتين وتصحيح لما تراكم بينهما من معرفة ناقصة أو صور جاهزة.

وأحمد السعيد يعرف هذه المسافة جيدًا لأنه عاش على جانبيها، فعرف مصر والعالم العربي من الداخل، وعاش سنوات في الصين وتعلم لغتها ودرس مجتمعها، ولذلك لم تكن الصين بالنسبة إليه مادة نشر رائجة أو سوقًا جديدة، بل تحولت مع السنوات إلى مساحة فكرية وثقافية واسعة، وإلى تجربة شخصية ومهنية جعلته ينظر إلى الترجمة باعتبارها حوارًا طويلًا بين حضارتين لا مجرد مهنة أو نشاط تجاري.وهذه التجربة تلتقي مع ما يكتشفه كثير ممن اقتربوا من الصين وعاشوا فيها على مدى سنوات؛ فالصين التي نكتشفها بالمعايشة ليست دائمًا الصين التي قرأنا عنها قبل أن نذهب إليها، بل بلد شديد التعقيد، يمتلك ذاكرة حضارية طويلة ويتغير بسرعة تجعل الصورة التي كوّناها عنه قبل سنوات بحاجة دائمة إلى المراجعة، ولذلك فإن بناء معرفة عربية جادة بالصين لا يمكن أن يعتمد على الزيارات العابرة أو المقالات الموسمية، بل يحتاج إلى تراكم في الكتب والترجمة والبحث والتعليم والتواصل المباشر، وهي حاجة التقطها بيت الحكمة مبكرًا وحاول أن يبني حولها مشروعًا مستمرًا.

وحين تأسس بيت الحكمة عام 2011 لم تكن مبادرة الحزام والطريق قد أُطلقت بعد، ثم جاء عام 2013 ليعلن الرئيس شي جين بينغ المبادرة التي أعادت طريق الحرير إلى قلب النقاش العالمي، ودخلت معها العلاقات الصينية العربية مرحلة أكثر اتساعًا، فنمت التجارة والاستثمارات والمشاريع والتبادلات السياسية، لكن الاتصال بين الشعوب بقي أحد الأبعاد الأساسية لهذه العلاقة، إذ لا معنى لطريق يصل بين الأسواق إذا بقيت العقول بعيدة بعضها عن بعض، ولا تكفي حركة البضائع ورؤوس الأموال لبناء علاقة طويلة الأمد إذا لم ترافقها معرفة متبادلة بين المجتمعات.في هذا السياق يمكن للكتاب أن يصبح طريقًا آخر للحرير؛ فإذا كانت السفن تحمل البضائع بين الموانئ، فإن المترجم يحمل الأفكار بين اللغات، وإذا كانت الاستثمارات تبني المصانع والمنشآت، فإن الثقافة تبني شيئًا أقل ظهورًا وربما أكثر بقاءً، هو المعرفة والثقة والقدرة على رؤية الآخر بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

ولهذا لا أنظر إلى بيت الحكمة باعتباره دار نشر متخصصة في الكتاب الصيني فقط، بل أراه تجربة تطرح سؤالًا أوسع يتعلق بالدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات الثقافية العربية في العلاقات مع الصين، فقد اعتدنا طويلًا أن ننتظر المبادرات الرسمية، بينما أثبتت السنوات الأخيرة أن العلاقات العربية الصينية أصبحت أكبر من أن تبقى محصورة بين الحكومات والسفارات والمؤسسات الرسمية، وأنها تحتاج إلى ناشرين ومترجمين وباحثين وجامعات ومراكز دراسات وإعلاميين يعرفون الصين من مصادرها، مثلما تحتاج في الاتجاه الآخر إلى حضور عربي أعمق داخل المجتمع الثقافي والأكاديمي الصيني.

وهذا الاتجاه الثاني لا يقل أهمية عن الأول، فكما نعاني أحيانًا من صور عربية غير دقيقة عن الصين، ما زال العالم العربي نفسه بحاجة إلى تقديم صورته إلى الصين بصورة أكثر اتساعًا وحداثة؛ فنحن لسنا تاريخًا وآثارًا ونفطًا وأزمات سياسية فقط، بل لدينا أدب وفكر وفنون وتجارب اجتماعية وأسئلة معاصرة تستحق أن تصل إلى القارئ الصيني، ولذلك فإن ترجمة الأدب والفكر العربيين إلى الصينية ليست عملًا مكمّلًا لترجمة الكتب الصينية إلى العربية، وإنما هي النصف الآخر من أي حوار ثقافي حقيقي.وهنا تظهر قيمة التجربة التي بناها أحمد السعيد مع شركائه وفريقه، لأنها حاولت أن تجعل الطريق في اتجاهين، وقد نختلف مع كتاب أو نناقش ترجمة أو نرى أن عناوين أخرى كانت أولى بالترجمة، وهذا طبيعي بل مطلوب في أي مشروع ثقافي حي، لكن يصعب تجاهل حقيقة أن مئات الكتب الصينية أصبحت متاحة بالعربية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، وأن مؤسسة عربية صينية استطاعت بناء شبكة مستمرة للعمل بين سوقين ثقافيين ولغتين تختلفان اختلافًا كبيرًا في بنيتهما ومرجعياتهما.

ولم يبقَ أحمد السعيد خلف مكتب الناشر، بل أصبح باحثًا وكاتبًا في الشأن الصيني، ومن أعماله كتاب “الصين من الداخل: ثقافة العقل السياسي الصيني – من كونفوشيوس إلى شي جين بينغ”، وهو عنوان يلخص إلى حد بعيد المسار الذي قطعه صاحبه، من تعلم اللغة إلى محاولة فهم المجتمع، ومن نقل الكتاب الصيني إلى محاولة قراءة العقل والثقافة والتاريخ التي أنتجت التجربة الصينية المعاصرة.

واليوم، فيما تحتفل مصر والصين بسبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، تكتسب العودة إلى مثل هذه التجارب دلالة خاصة، فمصر التي اتخذت في 30 مايو/أيار 1956 قرار إقامة العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، كأول دولة عربية وأفريقية تقوم بذلك، لم تفتح يومها علاقة بين دولتين فقط، بل فتحت بابًا اتسع على مدى العقود التالية أمام أجيال من الدبلوماسيين والتجار والطلاب والأساتذة والمترجمين والكتاب، وكان أحمد السعيد واحدًا من أبناء هذا المسار، لكنه اختار لنفسه طريقًا خاصًا بدأ باللغة وعبر منها إلى الكتاب، ثم تحول مع السنوات إلى مشروع ثقافي أوسع.

أعرف أحمد السعيد صديقًا، وأتابع تجربته باهتمام، لكن ما يدفعني إلى الكتابة عنه أبعد من الصداقة، ففي زمن تطغى فيه السياسة والاقتصاد على قراءة العلاقات الدولية، نحتاج أحيانًا إلى الالتفات إلى أولئك الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء الكبرى، إذ قد يترجم أحدهم كتابًا في القاهرة أو ينتشوان فيصل بعد سنوات إلى طالب في بيروت أو الرباط أو عمّان أو بغداد، فيغيّر شيئًا في فهمه للصين، وقد يصل كتاب عربي إلى قارئ في بكين أو شنغهاي أو نينغشيا فيكتشف من خلاله وجهًا آخر لعالمنا العربي، وهذه التفاصيل لا تدخل عادة في بيانات القمم، لكنها تبني الأرض التي تحتاج إليها القمم كي تبقى نتائجها بعد انتهاء الزيارات.

سبعون عامًا من العلاقات المصرية الصينية تختزن أسماء رؤساء وسفراء واتفاقيات ومحطات سياسية واقتصادية كبرى، لكنها تختزن أيضًا حكايات أشخاص قرروا أن يجعلوا المسافة بين الحضارتين أقصر، ومن بين هذه الحكايات تستحق تجربة أحمد السعيد وبيت الحكمة أن تُروى؛ فقد بدأ الرجل باللغة، ثم عبر منها إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى مشروع ثقافي، ومن مساحة صغيرة في ينتشوان إلى شبكة تمتد بين الصين والعالم العربي، وبعد خمسة عشر عامًا ما زالت التجربة وفية للفكرة التي حملها الاسم منذ البداية: أن يكون هناك “بيت” تلتقي فيه المعرفة بالمعرفة، لا لكي تذوب حضارة في أخرى، بل لكي تعرف كل واحدة منهما الأخرى بصورة أفضل، لأن الطرق بين الأمم، مهما اتسعت المصالح وتشابكت، لا تُبنى بالإسفلت والحديد وحدهما، وبعض أكثرها بقاءً يُبنى بالكلمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى