الجنوب العالمي في زمن الحرب: الصين ومسار عالم متعدد الأقطاب مشاركة

رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
نادراً ما تقتصر الحروب الكبرى على ساحات القتال وحدها. فبينما تنشغل الأنظار بتطورات الجبهات العسكرية، تكون التحولات الأعمق تجري في بنية النظام الدولي نفسه. فالتاريخ يُظهر أن الحروب غالبًا ما تكون لحظات فاصلة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول موازين القوة في العالم ومن يملك القدرة على التأثير في صياغة قواعده.
الحرب التي يشهدها العالم اليوم ليست استثناءً من هذه القاعدة. فإلى جانب تداعياتها السياسية والاقتصادية المباشرة، كشفت هذه الحرب عن أزمة أعمق في النظام الدولي القائم، الذي بات عاجزًا عن استيعاب التحولات المتسارعة في موازين القوة العالمية.
في هذا السياق عاد مصطلح الجنوب العالمي إلى واجهة النقاش الدولي. لم يعد هذا المفهوم مجرد توصيف جغرافي للدول النامية، بل أصبح يعكس واقعًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا لدول تسعى إلى دور أكبر في إدارة الشؤون العالمية. فدول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، التي بقيت لفترة طويلة على هامش القرار الدولي، بدأت اليوم تبحث عن موقع أكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل النظام العالمي.
وقد أظهرت الحرب الحالية أن كثيرًا من دول الجنوب العالمي تفضّل الابتعاد عن الاصطفافات الحادة بين القوى الكبرى. فهي تدرك أن الانخراط في صراعات المحاور لا يخدم مصالحها التنموية، وأن الحفاظ على هامش من الاستقلالية في القرار السياسي بات ضرورة في عالم سريع التغير.
غير أن هذه الدول، رغم تنوع مصالحها وتجاربها التاريخية، تشترك في إدراك متزايد لحقيقة أساسية: العالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية لم تتبلور ملامحها بالكامل بعد. وهذه المرحلة الانتقالية تفتح أمامها فرصة لإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي.
في قلب هذه التحولات يبرز الدور الصيني بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي تدفع باتجاه إعادة التوازن في العلاقات الدولية. فالصين، التي تحولت خلال العقود الماضية إلى أحد أكبر الاقتصادات في العالم، لا تطرح نفسها فقط كقوة صاعدة، بل كطرف يسعى إلى تقديم رؤية مختلفة لإدارة الشؤون العالمية.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في الدعوة الصينية المتزايدة إلى إصلاح منظومة الحوكمة العالمية بحيث تصبح أكثر عدلاً وتمثيلاً لمصالح الدول النامية. كما يتجلى في مبادرات اقتصادية وتنموية واسعة، أبرزها مبادرة الحزام والطريق، التي أعادت إحياء فكرة الترابط بين القارات من خلال مشاريع البنية التحتية والتعاون الاقتصادي.
من وجهة نظر العديد من دول الجنوب العالمي، يمثل هذا التوجه فرصة لتعزيز التعاون الدولي على أساس الشراكة والتنمية المشتركة، بدل أن تبقى هذه الدول مجرد ساحات للتنافس بين القوى الكبرى.
غير أن الطريق نحو نظام عالمي أكثر توازنًا لن يكون سهلاً. فالعالم ما زال يعيش مرحلة انتقالية تتداخل فيها بقايا النظام الدولي القديم مع ملامح نظام جديد لم يستقر بعد. وفي هذه المرحلة، تتقاطع المصالح وتتصاعد المنافسة، ما يجعل المشهد الدولي أكثر تعقيدًا.
ومع ذلك، يبدو أن التحولات الجارية اليوم تحمل في طياتها بداية مرحلة مختلفة في التاريخ الدولي. فمع اتساع وزن دول الجنوب العالمي اقتصاديًا وديموغرافيًا، ومع صعود قوى دولية جديدة مثل الصين، يتجه العالم تدريجيًا نحو نظام أكثر تعددية في مراكز القوة.
لذلك قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو فقط كيف ستنتهي الحروب الدائرة، بل أي عالم سيخرج من بعدها: عالم يستمر فيه منطق الهيمنة والصراعات، أم عالم أكثر توازنًا يتيح لدول الجنوب العالمي دورًا حقيقيًا في صياغة قواعد النظام الدولي.
ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتبة، ولا يعكس بالضرورة رأي قناة CGTN العربية.




