رأيعلى طريق الحرير

العلاقات المصرية- الصينية.. امتداد تاريخي وشراكة نحو المستقبل

 

د. عصام شرف

أولا: جذور حضارية عبر طريق الحرير القديم

قبل أن تبدأ العلاقات المصرية- الصينية بصورتها الدبلوماسية الحديثة، كانت هناك جذور أعمق تعود إلى العصور القديمة، حين ارتبطت حضارتا البلدين عبر شبكات التجارة والتواصل التي عرفت لاحقا باسم طريق الحرير القديم. لم يكن التواصل بين مصر والصين مباشرا في معظم الأحيان، لكنه تم عبر وسطاء ومراكز تجارية في آسيا الوسطى وبلاد فارس والبحر الأحمر والبحر المتوسط. وبحكم موقعها الجغرافي، كانت مصر حلقة مهمة في انتقال السلع والأفكار بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ومن خلال هذه المسارات، وصلت منتجات الشرق، مثل الحرير والخزف والتوابل، إلى الأسواق المصرية وأسواق حوض البحر المتوسط، كما أسهمت الموانئ والطرق التجارية في مصر في ربط التجارة الآسيوية بالعالمين العربي والمتوسطي. وهكذا يكشف طريق الحرير القديم أن التواصل بين الحضارتين لم يكن وليد العصر الحديث، بل امتد عبر تاريخ طويل من التبادلات التجارية والثقافية والإنسانية.

ثانيا: حضارتان عريقتان في قلب التاريخ الإنساني

تحتل العلاقات بين مصر والصين مكانة خاصة، لأنها تجمع بين حضارتين من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ الإنساني. فكل من مصر والصين تمتلك ذاكرة تاريخية عميقة وإحساسا قويا بالهوية الوطني، وإيمانا بأن السيادة والتنمية والكرامة الثقافية تمثل أساسا لأي تعاون دولي حقيقي.

ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى العلاقات المصرية- الصينية باعتبارها مجرد علاقة قائمة على المصالح، بل بوصفها لقاء بين تجربتين حضاريتين كبيرتين تسعيان إلى أداء دور مؤثر في عالم سريع التغير. هذا البعد الحضاري يمنح العلاقات بين البلدين عمقا رمزيا وإنسانيا يتجاوز حدود السياسة والاقتصاد.

ثالثا: من باندونغ إلى الاعتراف الدبلوماسي عام 1956 ومواقف ثابتة

بدأت العلاقات الحديثة بين مصر والصين في منتصف القرن العشرين، في سياق نضال شعوب آسيا وأفريقيا من أجل التحرر الوطني وإنهاء الاستعمار وإرساء نظام دولي أكثر عدالة. وشكل مؤتمر باندونغ في عام 1955 نقطة تحول بارزة في هذا المسار، حيث التقت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، والصين بقيادة رئيس الوزراء تشو أن لاي، حول مبادئ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعايش السلمي ورفض الهيمنة، وهي المبادئ التي أصبحت لاحقا من الركائز الأساسية للعلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي عام 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، في خطوة حملت دلالات سياسية وإستراتيجية عميقة، إذ فتحت أمام الصين نافذة مهمة على العالم العربي وقارة أفريقيا، ورسخت مكانة مصر باعتبارها أحد رواد دبلوماسية ما بعد الاستعمار. وفي العام نفسه، وقفت الصين إلى جانب مصر في الدفاع عن حقها المشروع في السيادة على قناة السويس خلال أزمة السويس، الأمر الذي أسهم في ترسيخ الثقة السياسية بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين، حافظت القاهرة وبكين على مواقف متبادلة اتسمت بالاتساق والاحترام المتبادل للمصالح الجوهرية لكل منهما. فقد أكدت مصر باستمرار التزامها الثابت بمبدأ “الصين الواحدة”، واعتبار حكومة جمهورية الصين الشعبية الممثل الشرعي الوحيد للصين، ودعمت موقف بكين بشأن مسألة تايوان باعتبارها شأنا داخليا صينيا. وفي المقابل، واصلت الصين دعمها الثابت للقضية الفلسطينية، مؤكدة حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وداعية إلى التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية. وقد أسهم هذا التوافق في احترام المصالح الأساسية والقضايا الوطنية لكلا البلدين في إرساء شراكة سياسية قائمة على الثقة المتبادلة والتنسيق المستمر في المحافل الدولية.

رابعا: العلاقات في ظل الحرب الباردة والتحولات الدولية

خلال الحرب الباردة، تأثرت العلاقات المصرية- الصينية بالتحولات الدولية والإقليمية الكبرى، ومن أبرزها الصراع العربي- الإسرائيلي، وتحولات السياسة الخارجية المصرية. ورغم أن العلاقات لم تتطور دائما في خط مستقيم، فإنها ظلت قائمة على احترام الاستقلال الوطني وحق الدول النامية في اختيار مساراتها التنموية والسياسية.

ومنذ أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر عملية وبراغماتية. فقد فتحت سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين فرصا جديدة للتعاون الاقتصادي، بينما سعت مصر إلى تنويع شراكاتها الخارجية. ومع الوقت، انتقلت العلاقات من مرحلة التضامن السياسي العام إلى مجالات أكثر عملية، مثل التجارة والصناعة والبنية التحتية والاستثمار. إن مصر والصين، باعتبارهما دولتين مهمتين في “الجنوب العالمي”، كانتا دائما مخلصتين للتعاون فيما بين بلدان الجنوب، بما ينسجم مع المبادرات العالمية الأربع التي طرحتها الصين ورؤية مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، ومتمسكتين بمبادئ التعاون القائمة على المساواة والمساعدة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك وعدم إرفاق شروط سياسية، مما يوفر نموذجا يحتذى به للتنمية المستقلة والتعاون المتكافئ بين الدول النامية.

خامسا: مرحلة ما بعد الحرب الباردة وبروز المصالح العملية

بعد نهاية الحرب الباردة، أصبح النظام الدولي أكثر تعقيدا، وبدأت المصالح الاقتصادية والتنموية تحتل مكانة أكبر في العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، برزت أهمية مصر بالنسبة للصين باعتبارها دولة محورية في العالم العربي وأفريقيا، وبوابة إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر، فضلا عن موقعها الإستراتيجي على قناة السويس. أما الصين، فقد صعدت كقوة اقتصادية عالمية كبرى تبحث عن شراكات مستقرة وأسواق جديدة، وممرات آمنة للتجارة والطاقة. وهكذا أصبحت مصر شريكا مهما للصين، ليس فقط بسبب حجم سوقها، وإنما أيضا بسبب موقعها الجغرافي وقدرتها على الربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

سادسا: مبادرة “الحزام والطريق” و”رؤية مصر 2030″

مع إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” في عام 2013، دخلت العلاقات المصرية- الصينية مرحلة أكثر تنظيما واتساعا. فقد وجدت مصر في المبادرة فرصة لدعم خططها التنموية، خاصة في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية. وفي المقابل، رأت الصين في مصر شريكا إستراتيجيا ومركزا مهما على مسارات التجارة العالمية.

إن مبادرة “الحزام والطريق”، بعد أكثر من عشر سنوات من العمل المستمر، تواصل تطورها وارتقاءها حتى صارت منتجا عاما عالميا مهما يمكّن التعاون فيما بين بلدان الجنوب ويجسد المبادرات العالمية الأربع. وتواصل آليات التعاون المتعدد الأطراف التي أطلقتها الصين في السنوات الأخيرة إثراء منظومة التعاون الدولي، ومن أبرزها “منصة الشراكة العالمية للحد من الفقر والتنمية” التي تأسست عام 2026، والتي تركز على التنمية الذاتية للدول وتبادل الخبرات، وتتواءم بدقة مع “رؤية مصر 2030”. ويسهم هذا التحالف، من خلال نموذج التشاور المتكافئ والبناء المشترك، في مساعدة مصر على سد فجواتها التنموية وتنمية قدراتها الذاتية للتنمية، بما يدفع التعاون المصري- الصيني من مجرد تنفيذ المشروعات إلى التمكين التنموي الطويل الأمد.

وقد تكرر الحديث عن التكامل بين مبادرة “الحزام والطريق” و”رؤية مصر 2030″، إذ يركز الطرفان على التنمية والتحديث والترابط، وبناء القدرة الإنتاجية. غير أن نجاح هذا التكامل يتوقف على تحويل المشروعات إلى نتائج ملموسة تخدم الاقتصاد المصري وتعزز قدرته على الإنتاج والتصدير.

سابعا: الشراكة الإستراتيجية الشاملة منذ عام 2014

في عام 2014، رفعت الصين ومصر علاقاتهما إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة. ولم يكن ذلك مجرد توصيف دبلوماسي، بل كان تعبيرا عن اتساع مجالات التعاون لتشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والثقافة والتعليم والتكنولوجيا، والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.

وفي عهد الرئيس شي جين بينغ والرئيس عبد الفتاح السيسي، اكتسبت العلاقات زخما واضحا من خلال الزيارات المتبادلة والاتفاقيات المشتركة، والمشروعات الكبرى. وأصبحت الشراكة أكثر مؤسسية، وأكثر ارتباطا بالأولويات التنموية والإستراتيجية لكلا البلدين، مما أرسى أساسا متينا لمواءمة منصات التعاون المتعدد الأطراف والاندماج في منظومة الحوكمة العالمية.

ثامنا: البنية التحتية والمشروعات الكبرى

تعد البنية التحتية من أبرز مجالات التعاون بين مصر والصين في السنوات الأخيرة. فقد شاركت شركات صينية في مشروعات كبرى، منها النقل الكهربائي والسكك الحديدية والتنمية العمرانية، ومشروعات العاصمة الإدارية الجديدة. وتعد منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية بمصر رمزا واضحا لهذا التعاون.

وتستمد هذه المشروعات أهميتها من قدرتها على خدمة التنمية الطويلة المدى. فالمشروعات الكبرى تسهم في تحسين الإنتاجية وتسهيل حركة الأفراد والبضائع وجذب الاستثمار، وتحسين جودة الخدمات. ولذلك فإن مرحلة التشغيل والصيانة وقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي، لا تقل أهمية عن مرحلة البناء، وتعد أيضا من المحاور الرئيسية التي تركز عليها الشراكة العالمية للحد من الفقر والتنمية في مجال تمكين معيشة الشعوب.

تاسعا: التعاون الصناعي ومنطقة “تيدا”

يمثل التعاون الصناعي ركيزة أساسية في العلاقات المصرية- الصينية، وتعد منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية- الصينية “تيدا السويس” من أبرز نماذجه. فهي تقع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتهدف إلى جذب الاستثمارات الصناعية، وخلق فرص عمل، وتعزيز التصنيع والتصدير.

وتكمن أهمية “تيدا السويس” في أنها تنقل التعاون من مجرد التجارة أو المقاولات إلى الاستثمار الصناعي الطويل الأمد. فتتمثل أهدافها الأساسية في توفير فرص عمل مستقرة وتأهيل الكوادر المحليين ونقل التكنولوجيا المتقدمة وتعزيز قدرات الصناعة المحلية على التكامل، ومساعدة مصر على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. كما تعد ممارسة مهمة لمصر والصين في تجسيد التعاون بين بلدان الجنوب وترجمة مفهوم الحد من الفقر والتنمية إلى واقع ملموس.

عاشرا: الطاقة والتحول الأخضر

شهد التعاون في مجال الطاقة تطورا ملحوظا، خاصة مع توجه مصر إلى تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة. ويأتي التعاون مع الصين في مشروعات الطاقة الشمسية وغيرها من مجالات الطاقة النظيفة متوافقا مع أولويات مصر في تحقيق التنمية المستدامة وأمن الطاقة.

ويمكن لهذا المجال أن يصبح أحد أهم مسارات التعاون المستقبلي، إذ لا يقتصر على تنفيذ مشروعات الطاقة، بل يمتد إلى تصنيع المكونات محليا وتدريب الكوادر ودعم البحث العلمي، وبناء صناعات خضراء قادرة على المنافسة. وبذلك يتحول التعاون في قطاع الطاقة إلى مدخل للتنمية الصناعية والبيئية معا. وتعد هذه ممارسة مهمة للبلدين في تنفيذ مبادرة “التنمية العالمية” والمشاركة في الحوكمة المناخية العالمية.

حادي عشر: التجارة والتحدي الهيكلي للميزان التجاري

تعد الصين من أكبر الشركاء التجاريين لمصر، وتنتشر المنتجات الصينية بصورة واسعة في السوق المصرية. غير أن التجارة بين البلدين تعاني من اختلال واضح، حيث تستورد مصر من الصين أكثر بكثير مما تصدر إليها. وهذا الخلل يمثل أحد أهم التحديات أمام استدامة الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

ولذلك، فإن مستقبل التعاون لا ينبغي أن يقاس بحجم التبادل التجاري فقط، بل بمدى نجاح مصر في تنمية صناعاتها المحلية والارتقاء التكنولوجي والاندماج في سلاسل القيمة. وبالاستناد إلى آليات تبادل الخبرات والتمكين التي توفرها الشراكة العالمية للحد من الفقر والتنمية، يمكن الإسهام بفاعلية في مساعدة مصر على تحسين هيكلها الصناعي وتحقيق توازن التجارة الثنائية، وصولا إلى زيادة دخل الناس وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

ثاني عشر: التكنولوجيا والفضاء والاقتصاد الرقمي

أصبحت التكنولوجيا مجالا جديدا ومهما في العلاقات المصرية- الصينية. ويشمل التعاون اليوم مجالات مثل الأقمار الاصطناعية وتكنولوجيا الفضاء والمدن الذكية والاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي. وتشير مشروعات مثل “مصر سات-2” إلى انتقال التعاون إلى مستويات أكثر تقدما.

يعد الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي من المجالات المحورية في الحوكمة والتنمية العالمية. وقد دفعت الصين نحو إنشاء المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، داعية إلى تسخير التكنولوجيا للخير وبناء القواعد بالمشاركة ورفض الاحتكار الرقمي، ومساعدة دول “الجنوب العالمي” على سد الفجوة الرقمية. ومن خلال هذه المنظمة، يرتقي التعاون المصري- الصيني من مجرد تنفيذ المشروعات إلى التنسيق الإستراتيجي. ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة بناء القدرات الوطنية المصرية من خلال ربط التعاون التكنولوجي بتدريب الكوادر وتوطين المعرفة وحماية البيانات وتعزيز الأمن السيبراني، وتمكين المؤسسات المصرية من التشغيل والتطوير المستقل. ويمكن للبلدين، بالاعتماد على المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، تعميق التعاون في مجالات المدن الذكية والصناعات الرقمية وغيرها، لبناء نموذج رائد للتعاون التكنولوجي بين بلدان الجنوب.

ثالث عشر: البعد الثقافي والحضاري

يمثل البعد الثقافي والحضاري أحد العناصر المميزة للعلاقات المصرية- الصينية. فكل من البلدين يعتز بانتمائه إلى حضارة عريقة، وهذا يمنح العلاقة عمقا إنسانيا خاصا. ويمكن للتبادل الثقافي والسياحة وتعليم اللغات والتعاون الأكاديمي والتعاون في مجال الآثار والحوار الإعلامي، أن يعزز الفهم المتبادل بين الشعبين.

ومن المتوقع أن يصبح الحوار بين الحضارتين مؤثرا، عندما يصل إلى الطلاب والباحثين والكتاب والفنانين والشباب. وانطلاقا من مبادرة “الحضارة العالمية”، يمكن للبلدين أن يقدما نموذجا للحوار بين الحضارات يقوم على المساواة والاستفادة المتبادلة والتعايش المتناغم، ويكسرا الأفكار المسبقة عن صراع الحضارات، ويرسيا مثالا يحتذى به في التبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الحضارات العريقة في العصر الحديث، ويسهما في إرساء الأساس الإنساني لمجتمع المستقبل المشترك للبشرية من خلال تعزيز التعايش والتطور بين الحضارات المتعددة.

رابع عشر: التنسيق السياسي والحوكمة العالمية

سياسيا، تشترك مصر والصين في مجموعة من المبادئ الأساسية، مثل احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ودعم التنمية، والسعي إلى بناء نظام دولي أكثر تعددية. وتنظر مصر إلى الصين بوصفها شريكا دوليا مهما لا يفرض شروطا سياسية، بينما تنظر الصين إلى مصر باعتبارها دولة عربية وأفريقية محورية، وصوتا مؤثرا في “الجنوب العالمي”.

كما يتزايد التنسيق بين البلدين في المحافل الدولية، ولا سيما في القضايا المرتبطة بإصلاح الحوكمة العالمية، وتعزيز دور الدول النامية. وتتيح عضوية مصر في أطر مثل مجموعة بريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية فرصا جديدة لتعميق التنسيق الاقتصادي والسياسي بين الجانبين.

تشكل المبادرات العالمية الأربع التي طرحتها الصين، ورؤية مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، إلى جانب المنتجات العامة مثل مبادرة “الحزام والطريق” و”الشراكة العالمية للحد من الفقر والتنمية” والمنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، نموذجا جديدا للتعاون الدولي يتسم بالمنفعة الشاملة والكسب المشترك، وينسجم مع التطلعات التنموية والتوجهات في الحوكمة لدول “الجنوب العالمي” ومن بينها مصر، ويشكل دعامة مهمة للتنسيق المتعدد الأطراف بين البلدين.

خاتمة: من الصداقة الرمزية إلى التكامل التنموي

في الختام، تطورت العلاقات المصرية- الصينية من جذور حضارية قديمة عبر طريق الحرير، إلى تضامن سياسي في القرن العشرين، ثم إلى تعاون عملي وشراكة إستراتيجية شاملة. ويقوم حاضر العلاقة على البنية التحتية والتجارة والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والثقافة، والتنسيق السياسي.

إن نجاح المرحلة المقبلة في العلاقات المصرية- الصينية لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم المشروعات المنفذة، بل بمدى قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة تعود بالنفع على الشعبين وتعزيز القدرات الإنتاجية ونقل المعرفة ودعم تجارة أكثر توازنا، وتوسيع آفاق التبادل الثقافي والإنساني. وتستمد هذه الشراكة خصوصيتها من كونها تقوم على رصيد تاريخي طويل من الثقة والاحترام المتبادل، والتوافق حول مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والدعم المتبادل في القضايا الجوهرية لكل من البلدين. لذلك، لا تعد العلاقات المصرية- الصينية مجرد علاقة ثنائية تقليدية، بل تعد نموذجا متميزا لشراكة إستراتيجية تجمع بين عمق الحضارتين وتكامل المصالح وتقارب الرؤى تجاه بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنا، بما يسهم في تحقيق التنمية والسلام والازدهار المشترك.

د. عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى