رأيعلى طريق الحرير

مصر والصين بعد زيارة شي جين بينغ: من شراكة المشروعات إلى صناعة المستقبل

 

وارف قميحة*

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، انشغلت معظم القراءات بالسؤال عما يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية الصينية. أما بعد اختتامها، فقد تغير السؤال: ماذا كشفت الزيارة فعلًا عن طبيعة هذه العلاقة، وإلى أين يمكن أن تذهب بعد سبعين عامًا من الصداقة وعقد كامل من الشراكة الاستراتيجية الشاملة؟

لا تكمن الإجابة في عدد الاتفاقات وحده، ولا في إعادة تعداد المشروعات التي أنجزتها الشركات الصينية في مصر، بل في التحول الذي ظهر في طبيعة المجالات المطروحة للتعاون. فالعلاقة التي بدأت سياسية، ثم ترسخت اقتصاديًا من خلال البنية التحتية والمشروعات الكبرى، تتقدم اليوم نحو التصنيع المحلي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد. وقد لخّص الرئيس شي هذا التوجه في مقاله الذي نشره في الصحف المصرية عشية وصوله إلى القاهرة بقوله: “علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة في التنمية المشتركة”.

لم تكن العبارة مجرد تحية دبلوماسية، بل جاءت منسجمة مع مضمون الزيارة والبيان المشترك وما تضمّنه من قطاعات تحدد مواقع الدول في اقتصاد المستقبل. ومن خلال متابعتي الميدانية الطويلة للتحولات التي شهدتها مدن ومناطق صناعية صينية عديدة، أرى أن الصين تنظر إلى الشراكات بعيدة المدى بوصفها عملية تراكم تبدأ ببناء الثقة، ثم تنتقل إلى المشروعات، قبل أن تبلغ مستوى التشابك الصناعي والتكنولوجي. وقد قطعت العلاقات المصرية الصينية المرحلتين الأوليين، بينما رسمت زيارة أيلول /سبتمبر 2026 طريق المرحلة الثالثة.

من المشروعات الكبرى إلى الإنتاج المشترك

ارتبط الحضور الصيني في مصر خلال العقد الماضي بمشروعات كبيرة وواضحة، من منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري في السويس، إلى الحي المالي والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي، ومشروعات الطاقة والفضاء والنقل. وقد بنت هذه الإنجازات قاعدة من الثقة العملية والمصالح المتبادلة، وأثبتت أن التقارب بين القاهرة وبكين لا يستند إلى المواقف السياسية وحدها، غير أن الجديد في الزيارة هو اتجاه قائمة التعاون إلى قطاعات أكثر تقدمًا، تشمل السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والألواح الشمسية وأبراج الرياح، وتحلية مياه البحر، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة.

لا تبدو هذه المجالات مجموعة عشوائية من المشروعات، بل أجزاء مترابطة من اقتصاد عالمي يتشكل حول التكنولوجيا والطاقة النظيفة والبيانات والصناعات المتقدمة؛ ولذلك، فإن وضعها ضمن أولويات المرحلة المقبلة يكشف عن تطلع مشترك إلى تجاوز العلاقة التقليدية بين مستثمر وسوق، أو ممول ومشروع، نحو بناء قاعدة إنتاجية ذات امتداد إقليمي. وتكتسب فكرة توطين الصناعة بذلك معناها الأوسع، لأنها تتجاوز إقامة خطوط لتجميع المنتجات لتشمل زيادة المكوّن المحلي، وربط الشركات المصرية بسلاسل التوريد، وتأهيل العمال والمهندسين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، ونقل المعرفة التقنية والإدارية.

ولا تقتصر القيمة المضافة المتوقعة على حجم الاستثمارات أو عدد المصانع، بل تمتد إلى الموقع الذي تستطيع مصر أن تحتله داخل سلسلة الإنتاج، من التجميع إلى التصنيع، وصولًا إلى المشاركة في التصميم والتكنولوجيا والتصدير. ويجمع البيان في هذا الصدد بين مشروعات أثبتت نجاحها على الأرض ومجالات جديدة يراد لها أن تقود التعاون في السنوات المقبلة، فيما يمنح إدراج السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات ومراكز البيانات في وثيقة سياسية مشتركة هذه القطاعات قوة دفع واضحة، ويمهد لتحويلها إلى استثمارات وشراكات وبرامج لتدريب الكفاءات ونقل المعرفة.

قناة السويس: الموقع يتحول إلى وظيفة اقتصادية

تقدم الزيارة قراءة أوسع للموقع المصري في الحسابات الصينية. فمصر ليست سوقًا كبيرة فحسب، ولا محطة جغرافية على طريق التجارة، بل نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومركز مرشح للجمع بين الصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي. وتعطي منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية “تيدا” في السويس دليلًا عمليًا على هذا الاتجاه؛ فقد أصبحت تضم نحو مئتي شركة، ووفرت قرابة عشرة آلاف فرصة عمل، باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليارات دولار، وفق التقارير الصينية المنشورة بالتزامن مع الزيارة، وبذلك تحولت أرض كانت صحراوية إلى تجمع صناعي يربط الشركات الصينية بالسوق المصرية ومحيطها الإقليمي.

والأهم أن وظيفة المنطقة نفسها تتطور، إذ لم يعد بعض الاستثمارات الجديدة يستهدف تلبية الطلب المحلي وحده، بل بات ينظر إلى مصر بوصفها قاعدة للإنتاج والتصدير تستفيد من قناة السويس، والموانئ المصرية، وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية. وبذلك يتغير معنى قناة السويس داخل الشراكة: من طريق تعبره السلع الصينية إلى مساحة يُنتج ويُخزن ويُعاد تصدير جزء منها عبرها، وتقام حولها خدمات مالية ورقمية ولوجستية.

الفارق بين الحالتين كبير؛ فالدولة التي يمر عبرها جزء من التجارة العالمية تحصل على عوائد الممر، أما الدولة التي تدخل في إنتاج هذه التجارة وخدمتها فتضيف إلى تلك العوائد فرص العمل والتكنولوجيا والصادرات والنفوذ الاقتصادي. ويمنح التقارب بين مبادرة الحزام والطريق و”رؤية مصر 2030″ هذا التحول مرجعية سياسية وتنموية مشتركة، ويساعد على توزيع الاستثمارات وفق الأولويات الصناعية المصرية، وزيادة المكوّن المحلي، وتوسيع برامج التدريب، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنّعة في مصر، مع دور أكبر للشركات المصرية في المشروعات المشتركة.

غير أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مركزًا اقتصاديًا بمفرده، بل تتضاعف قيمته حين يرتبط بموانئ حديثة، وشبكات نقل فعالة، وإجراءات جمركية مرنة، وقاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجات المستثمرين. وهذا ما تعمل مصر على بنائه حول قناة السويس، بحيث تتحول من طريق لعبور التجارة إلى مساحة لإنتاجها وخدمتها وإعادة توزيعها. ولا يكتمل هذا التحول بالخدمات اللوجستية والصناعات التقليدية وحدها، لأن موقع الدول في سلاسل القيمة الجديدة يتحدد بقدر متزايد بما تمتلكه من معرفة وتكنولوجيا، وهو ما يفسر الحضور اللافت للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات في نتائج الزيارة.

التكنولوجيا تدخل صلب العلاقة

ينقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء التعاون إلى مستوى مختلف عن مشروعات البناء والنقل. فالصين تمتلك منظومة صناعية وتكنولوجية واسعة ومتكاملة، بينما تمتلك مصر سوقًا كبيرة، وموقعًا جغرافيًا فريدًا، وقاعدة متنامية من المهندسين والمتخصصين، وروابط مباشرة بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية؛ والجمع بين هذه العناصر يمنح البلدين قدرة حقيقية على تطوير مركز إقليمي للخدمات الرقمية والصناعات التكنولوجية.

ولا تنفصل هذه المجالات عن بناء القدرات البشرية والسيادة الرقمية وحماية البيانات، ولذلك يحمل التعاون في الذكاء الاصطناعي قيمة تتجاوز استيراد الأجهزة أو استخدام المنصات، ليمتد إلى تأهيل الكفاءات المصرية، ودعم الشركات الناشئة، وإنشاء مراكز للبحث والابتكار، وتطوير تطبيقات محلية تخدم الاقتصاد المصري وتعزز موقعه الرقمي في المنطقة. ويبرز هنا الدور الذي تستطيع الجامعات ومراكز البحوث أن تؤديه، لأن التكنولوجيا لا تنتقل بعقود شراء المعدات وحدها، بل من خلال الباحثين والطلاب والمهندسين وبرامج التدريب والمختبرات والبحث المشترك، وعندما تلتقي الاستثمارات الصناعية بالتعاون الأكاديمي تصبح المعرفة جزءًا دائمًا من المشروع، لا خدمة مؤقتة مرتبطة بمرحلة تشغيله.

وهذه النقلة التكنولوجية لا تضيف قطاعًا جديدًا إلى مجالات التعاون وحسب، بل تساعد على تغيير بنية العلاقة الاقتصادية نفسها؛ فكلما زادت حصة المعرفة والتصنيع في المشروعات المشتركة، ارتفعت قدرة مصر على التصدير، وتحولت التجارة بين البلدين من تبادل غير متوازن للسلع إلى علاقة أوسع تشمل الإنتاج والخدمات والتكنولوجيا.

نمو التجارة وبداية تغيير بنيتها

تدعم الأرقام التجارية صورة العلاقة المتنامية؛ فقد بلغ حجم التجارة السلعية بين الصين ومصر 95.19 مليار يوان، أي نحو 14.16 مليار دولار، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بزيادة قدرها 18.7 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية. وارتفعت الصادرات الصينية إلى مصر بنسبة 17.5 في المئة، بينما نمت واردات الصين من مصر بنسبة 49.4 في المئة، أما واردات الصين من المنتجات الزراعية المصرية فارتفعت بنسبة 82.6 في المئة، وشكلت 41.7 في المئة من إجمالي وارداتها من مصر خلال الفترة نفسها.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كون نمو الواردات الصينية من مصر فاق نمو الصادرات الصينية إليها، وإن ظل الميزان التجاري يميل بوضوح لمصلحة الصين. ويظهر الاهتمام بمعالجة هذا الاختلال في دعوة البيان المشترك إلى استقبال مزيد من المنتجات المصرية داخل السوق الصينية، ومواصلة التشاور بشأن اتفاقية «الحصاد المبكر»، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.

وقد حققت المنتجات الزراعية المصرية، من البرتقال والفراولة المجمدة إلى بذور الكتان، تقدمًا لافتًا في السوق الصينية، إلا أن الفرصة الأوسع تمتد إلى إضافة صادرات صناعية وخدمية ذات قيمة أعلى. ويمكن للاستثمارات الصينية المقامة في مصر أن تساعد على ذلك من خلال مصانع تنتج للتصدير، وشراكات تضم الموردين المصريين، ومنتجات تدخل السوق الصينية أو تتوجه إلى أسواق ثالثة، ما يجعل الاستثمار الصيني جزءًا من عملية زيادة القدرة التصديرية المصرية، لا تدفقًا ماليًا منفصلًا عن حركة التجارة.

ولا يعني تحسين التوازن التجاري ضرورة الوصول إلى تعادل حسابي مباشر بين الصادرات والواردات، بقدر ما يعني تمكين مصر من تغطية جزء أكبر من وارداتها عبر صادرات ذات قيمة مضافة، واستثمارات إنتاجية، وخدمات لوجستية ورقمية وسياحية. أما تجديد اتفاقية تبادل العملات وزيادة قيمتها، فيمنح البلدين أداة لتخفيض كلفة المعاملات وتنويع وسائل التمويل، وينسجم مع اتجاه دول الجنوب إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية، فيما تزداد فاعلية هذه الترتيبات كلما اتسعت المشروعات الصناعية والتبادلات التجارية بين الطرفين.

ومع ذلك، فإن اتساع العلاقة الاقتصادية لا يفسر وحده المكانة التي باتت تحتلها مصر في الحسابات الصينية، فالزيارة أظهرت أن التعاون تجاوز التجارة والاستثمار ليلامس الشواغل الاستراتيجية المصرية وقضايا الإقليم.

لنيل وتايوان وفلسطين وأمن البحر الأحمر

دخلت الشواغل الاستراتيجية المصرية صلب البيان المشترك، وفي مقدمتها نهر النيل، إذ أكد الجانب الصيني إدراك أهميته بوصفه شريان الحياة لمصر، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، مع دعوة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم التسبب في ضرر. ويحمل هذا الموقف وزنًا سياسيًا واضحًا، لأنه يضع الأمن المائي المصري ضمن القضايا التي تحظى بتفهم الصين ودعمها، ويعزز المبادئ القانونية التي تستند إليها القاهرة، كما يدعم البحث عن حلول تحمي حق التنمية لجميع دول الحوض من دون المساس بالحقوق والمصالح الحيوية لمصر.

وفي تأكيد متبادل لاحترام المصالح الجوهرية للبلدين، جددت مصر التزامها الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأكدت أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، مع رفض التدخل في الشؤون الداخلية للصين ودعم سيادتها ووحدة أراضيها. ويعكس ذلك طبيعة الشراكة بين القاهرة وبكين، حيث يقترن التعاون الاقتصادي والتنموي بتفهم كل طرف للقضايا المرتبطة بسيادة الطرف الآخر وأمنه ومصالحه الأساسية.

وجدد البلدان موقفهما من القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية في الشرق الأوسط، وتمسكا بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران / يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما رفضا تهجير الفلسطينيين، ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية. ولم يبقَ التقارب السياسي محصورًا في هذه القضايا، بل امتد إلى السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث شدد البيان على احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، وعلى أن المسؤولية الرئيسية عن أمن البحر الأحمر تقع على الدول المشاطئة له.

وتتقاطع هذه المواقف مع رؤية مصر لأمنها القومي، ومع المقاربة الصينية التي تربط الاستقرار بالتنمية وتفضل الحلول السياسية على إدارة النزاعات بالقوة. ولا يحتاج هذا التقارب إلى أن يتحول إلى تحالف عسكري بالمعنى التقليدي حتى يكتسب أهميته؛ فقيمته تكمن في التقاء الرؤى حول السيادة وعدم التدخل ورفض التهجير والمعايير المزدوجة، وفي القدرة على تحويل هذا الالتقاء إلى تنسيق أوسع داخل الأمم المتحدة ومجموعة بريكس وغيرها من المنصات الدولية.

وهنا يبرز مفهوم “الاتزان الاستراتيجي” الذي أشاد به الجانب الصيني في البيان، لأنه يفسر كيف تنظر مصر إلى علاقتها مع بكين بعيدًا عن منطق الانتقال من محور دولي إلى آخر.

تعدد الشراكات واتساع القرار المصري

من الخطأ اختزال التقارب المصري الصيني في سؤال الاختيار بين بكين وواشنطن. فمصر لا تنتقل من محور إلى آخر، والصين لا تحتاج إلى مصر عضوًا في محور مضاد للغرب، بل تنبع القيمة الحقيقية للعلاقة من استقلال الطرفين وقدرة كل منهما على توسيع خياراته من خلال الآخر. وهذا هو جوهر الاتزان الاستراتيجي المصري: تنويع الشراكات، والاستفادة من الفرص التي تقدمها القوى الدولية المختلفة، مع الحفاظ على القرار الوطني وعدم الارتهان لعلاقة حصرية.

وتمنح الصين مصر بدائل أوسع في التمويل والتكنولوجيا والأسواق والدعم السياسي، بينما تمنح مصر الصين شريكًا عربيًا وأفريقيًا رئيسيًا، وموقعًا استثنائيًا على طرق التجارة، وصوتًا مؤثرًا في الجنوب العالمي. وتزداد متانة العلاقة كلما اتسعت المصالح المشتركة وبقيت فوائدها واضحة ومتبادلة، بما يفسر حرص الجانبين على الانتقال بها من التعاون الثنائي إلى تنسيق يتصل بالقضايا العربية والأفريقية وإصلاح النظام الدولي.

ما يتجاوز مصر والصين

لا تقف نتائج الزيارة عند حدود العلاقة الثنائية، فتحول مصر إلى قاعدة للإنتاج والتكنولوجيا بالشراكة مع الصين يقدم للتعاون العربي الصيني نموذجًا أوسع من العلاقة القائمة على تبادل الطاقة والسلع، كما يمنح مصر فرصة أن تصبح حلقة وصل إنتاجية بين التعاون الصيني العربي والتعاون الصيني الأفريقي، لا مجرد جسر جغرافي بينهما. فهي تجمع دوائر عربية وأفريقية ومتوسطية في موقع واحد، وتمتلك من البنية التحتية والقدرات البشرية والاتفاقيات التجارية ما يؤهلها لاستضافة مشروعات صينية عربية وأفريقية مشتركة.

وعند هذه النقطة، يتخذ الحديث عن الجنوب العالمي مضمونًا عمليًا؛ فالجمع بين القوة الصناعية الصينية والموقع المصري والامتدادين العربي والأفريقي يمكن أن يقدم نموذجًا للتعاون يقوم على الإنتاج ونقل المعرفة وتوسيع المصالح المشتركة، لا على تبادل السلع وحده. كما تكتسب دعوة البلدين إلى إصلاح مؤسسات الحوكمة والتمويل الدولية معنى أعمق، لأن حضور الجنوب العالمي لا يتعزز بالبيانات السياسية وحدها، بل بامتلاكه الصناعة والتكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإنتاج التي تمنحه قدرة أكبر على المشاركة في صنع القرار الدولي.

ولا ينفصل هذا الدور عن البعد الحضاري في العلاقة؛ فمصر والصين لا تقدمان نفسيهما بوصفهما دولتين ناميتين كبيرتين فقط، بل حضارتين تركتا أثرًا عميقًا في التاريخ الإنساني، وهو ما أعطى زيارة الرئيسين وقرينتيهما إلى المتحف المصري الكبير معنى تجاوز حدود البروتوكول.

حضارتان تلتقيان مجددًا

استحضر الرئيس شي في مقاله عشية الزيارة الروابط التاريخية بين الحضارتين المصرية والصينية، وما انتقل بينهما عبر طريق الحرير القديم من معارف ومنتجات وفنون، مستشهدًا بالمثل الصيني: “الإخلاص للأصدقاء يقرّب قلوبهم رغم المسافة الطويلة بينهم”. وتمنح هذه النظرة الحضارية العلاقة بعدًا لا توفره المصالح الاقتصادية وحدها؛ فهي تربط الحاضر بذاكرة تاريخية مشتركة، وتجعل التواصل الثقافي جزءًا من بناء الثقة بين الشعبين، لا مجرد نشاط مرافق للدبلوماسية.

وتلتقي هذه الرؤية مع مبادرة الحضارة العالمية التي طرحها الرئيس شي، والقائمة على احترام تنوع الحضارات والمساواة بينها والتعلم المتبادل. وتملك مصر، بما تمثله من ثقل عربي وأفريقي ومتوسطي، دورًا طبيعيًا في تحويل الحوار الحضاري إلى برامج ملموسة في التعليم والترجمة والآثار والمتاحف والإعلام والصناعات الثقافية، بما يتيح انتقال العلاقة من مستوى القيادات والمؤسسات الرسمية إلى الجامعات والباحثين والشباب ووسائل الإعلام.

كما أن زيادة حركة الطلاب، وتوسيع تعليم اللغتين العربية والصينية، ودعم الترجمة المباشرة، وتشجيع الإنتاج الثقافي المشترك، تمنح الشراكة قاعدة شعبية ومعرفية تصونها وتدفعها إلى الأمام، وتربط مسارها الاقتصادي والسياسي بعلاقة إنسانية أعمق بين الشعبين.

المسيرة الجديدة

كشفت الزيارة أن العلاقات المصرية الصينية بلغت درجة عالية من الثقة السياسية، وأن البلدين يمتلكان تصورًا واسعًا لمستقبلها. وقد عبّر الرئيس شي عن روح هذه المرحلة بعبارة موجزة”تتطلب المسيرة الجديدة العمل الجاد بعد 70 عامًا من التآزر والتضامن”.

فالمرحلة المقبلة أعمق بطبيعتها من مرحلة البنية التحتية وحدها؛ إذ يمكن قياس إنجاز برج أو قطار أو محطة طاقة بتاريخ بدء وانتهاء، بينما يمتد توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وبناء الاقتصاد الرقمي عبر السياسات والمؤسسات والجامعات والقطاع الخاص والموارد البشرية. ولهذا تكتسب اللجنة الحكومية المشتركة دورًا أكبر في متابعة المشروعات وتحديد الأولويات والجداول الزمنية والمسؤوليات، بينما يوسع حضور الجامعات ومراكز البحث والشركات المصرية والمؤسسات المالية قاعدة الشراكة ويمنحها بعدًا يتجاوز العلاقات الحكومية.

ويمكن قراءة التقدم في السنوات المقبلة من خلال حجم الاستثمارات التي دخلت التنفيذ، ونسبة المكوّن المحلي، وفرص العمل النوعية، والصادرات الجديدة، والكفاءات التي تلقت تدريبًا متقدمًا، وحصة الشركات المصرية من سلاسل الإمداد. ولا تضع هذه المؤشرات الاتفاقات موضع التشكيك، بل تساعد على إبراز نتائجها والبناء عليها، وتحويلها إلى قصة نجاح يمكن أن تمتد آثارها إلى العالمين العربي والأفريقي.

لقد أعادت الزيارة تثبيت مصر في الحسابات الصينية بوصفها أكثر من سوق أو معبر، وأكدت مكانة الصين في الرؤية المصرية بوصفها أكثر من ممول أو منفذ للمشروعات، بينما تتشكل بين البلدين منصة صناعية وتكنولوجية ولوجستية تربط آسيا بأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، وتقدم للجنوب العالمي نموذجًا للتعاون القائم على الاحترام والمصلحة المتبادلة.

وبذلك تكون زيارة ايلول /سبتمبر 2026 قد وضعت أسس مرحلة تنتقل فيها العلاقات من إنجاز المشروعات الكبرى إلى شراكة أعمق في الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، ويتجسد هذا الانتقال في توطين الصناعات، وتأهيل الكفاءات المصرية، وتوسيع مشاركة الشركات المحلية في سلاسل القيمة، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية.

بعد سبعين عامًا، لم تعد مصر والصين بحاجة إلى إثبات متانة صداقتهما؛ فقد أثبتها التاريخ والمواقف والمشروعات، وهما تعملان اليوم على تحويل الثقة السياسية إلى قدرة إنتاجية، والاستثمار إلى معرفة، والموقع الجغرافي المصري إلى موقع فاعل داخل سلاسل القيمة العالمية. وبهذا المعنى، لم تكن زيارة الرئيس شي جين بينغ محطة جديدة في تاريخ العلاقات فحسب، بل بداية فصل أكثر طموحًا في طبيعتها ووظيفتها ومستقبلها.

*رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى