شيا يي بو:Author
الفقر داء عضال يؤرق المجتمع البشري. فعند استعراض مسار تطور الحضارة الإنسانية، نلاحظ أن الجوع والفقر ظلا يلازمان دولا ومناطق كثيرة. فالفقر لا يحد من التنمية الاقتصادية فحسب، وإنما أيضا قد يفضي إلى اضطرابات اجتماعية وتفشي الأمراض وتراجع التعليم، وغيرها من المشكلات المترابطة التي تقف حجر عثرة أمام تقدم الحضارة الإنسانية.
يتطلع البشر جميعا إلى التخلص من الفقر وعيش حياة سعيدة. وكما يقول المثل الصيني: “إذا امتلأت مخازن الغلال، عرف الناس الآداب”. ففي مسيرته المتواصلة لمكافحة الفقر، انتقل الإنسان من الحياة البدائية إلى أفق الحضارة، ومن التخلف إلى الازدهار، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن التشرذم إلى التكاتف. ومن هذا المنطلق، فإن كيفية تقليص عدد الفقراء تدريجيا، والتخفيف من حدة الفقر، وصولا إلى التخلص منه في نهاية المطاف، تظل قضية كبرى تحظى باهتمام مشترك من شعوب العالم كافة وتستدعي معالجة عاجلة. أما بالنسبة للصين، فإن التخلص من الفقر يمثل عهدا قطعه الحزب الشيوعي الصيني على نفسه أمام الشعب بأسره.
وبوصفها أكبر دولة نامية في العالم، واجهت الصين طويلا تحديا قاسيا تمثل في الفقر. ففي العصر الحديث، عانى مئات الملايين من الصينيين ويلات الفقر بسبب ما كانت تعانيه البلاد من تراكم الفقر والضعف، وأصبح التخلص من الفقر المدقع وتأمين الغذاء والكساء أمنية ملحة راودت الشعب الصيني على مدى قرون. ومنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، ظل الحزب الشيوعي الصيني يضع التخلص من الفقر وتحسين معيشة الشعب وتحقيق الرخاء المشترك في صدارة مهامه، وقاد الشعب الصيني في مواصلة خوض المعركة ضد الفقر. فمن مكافحة الفقر الموجهة نحو التنمية التي انطلقت في بدايات سياسة الإصلاح والانفتاح، إلى شن معركة التخلص من الفقر على نحو شامل في العصر الجديد، شقت الصين طريقا فريدا في مجال مكافحة الفقر. وقد شكلت هذه المسيرة أعظم ملحمة في تاريخ مكافحة الفقر من حيث الحجم والقوة والنتائج، ومعجزة إنسانية سيخلدها التاريخ، جعلت الصين، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: “البلد الذي قدم أكبر إسهام في مكافحة الفقر عالميا”.
يصادف عام 2026 الذكرى السنوية الخامسة لانتصار الصين في معركة التخلص من الفقر. وخلال السنوات الخمس الماضية، لم تتوقف مسيرة التنمية في الصين، بل اتخذت البلاد من هذا الانتصار منطلقا جديدا لتنفيذ إستراتيجية النهضة الريفية على نحو شامل، محققة انتقالا مستقرا ومنظما من التخلص من الفقر إلى النهضة الريفية. ومن الانتصار الشامل في معركة التخلص من الفقر إلى الدفع المتعمق للنهضة الريفية، غيرت الصين ملامحها تغييرا عميقا، وأثبتت بممارساتها أن إنجازاتها في التخلص من الفقر صمدت أمام اختبار التاريخ والشعب، وأن النظريات والممارسات ذات الخصائص الصينية في مكافحة الفقر قدمت رصيدا ثمينا لقضية الحد من الفقر عالميا. كما أسهمت تجربة الصين، بحكمتها وقوتها ورؤيتها المنفتحة، في إثراء الفكر الإنساني ودفع التنمية العالمية، وتعزيز مسيرة البشرية نحو مستقبل أفضل.
ممارسة الصين في التخلص من الفقر تصمد أمام اختبار التاريخ والشعب
قال الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينغ، في كلمته خلال المؤتمر الوطني لتلخيص وتكريم جهود التخلص من الفقر في فبراير عام 2021: “سواء في الهضاب المغطاة بالثلوج أو الصحارى القاحلة أو على حواف المنحدرات الشاهقة أو في المناطق الجبلية الصخرية، أشرقت شمس معركة التخلص من الفقر في كل زاوية، فتغيرت بذلك مصائر عدد لا يحصى من الناس، وتحققت أحلام عدد لا يحصى منهم، وصنعت سعادتهم.” لقد كانت معركة التخلص من الفقر في الصين حربا شعبية حشدت فيها البلاد كلها، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، قواها وطاقاتها وحكمة شعبها. ومنذ المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، وضعت اللجنة المركزية للحزب، وفي القلب منها الرفيق شي جين بينغ، التخلص من الفقر في مكانة بارزة للحوكمة، وطرحت النهج الأساسي المتمثل في “التخفيف من حدة الفقر والتخلص منه بشكل دقيق ومستهدف”، والالتزام بمتطلبات “الدقة في ستة جوانب”، ودفع تنفيذ الإجراءات الخمسة الموجهة، وهي: إخراج فئات من الفقر عبر تنمية الإنتاج وإعادة التوطين في مناطق أكثر ملاءمة والتعويضات الإيكولوجية وتطوير التعليم وشبكات الضمان الاجتماعي الأساسية، سعيا إلى معالجة سلسلة من القضايا الجوهرية، مثل: “من يجب دعمه؟” و”من يتولى تقديم الدعم؟” و”كيف يقدم الدعم؟” و”كيف يتم ضمان الخروج الحقيقي من الفقر؟”. وعلى هذا الأساس، أقامت الصين منظومة مسؤولة تقوم على التخطيط الشامل للجنة المركزية للحزب، وتحمل المقاطعات المسؤولية العامة، وتولي المدن والمحافظات مهمة التنفيذ، كما شكلت نمطا واسعا لمكافحة الفقر تتكامل فيه المساعدة الخاصة والمساعدة القطاعية والمساعدة المجتمعية. وبقوة استثنائية، تمكنت الصين من التغلب على أشد بؤر الفقر استعصاء وأصعبها، بما أثبت أن “الفقر ليس من الاشتراكية”، وجسد مزايا النظام الاشتراكي.
من حيث التوزيع الجغرافي، شملت معركة التخلص من الفقر جميع المناطق الفقيرة في البلاد؛ سواء كانت هضابا مغطاة بالثلوج أو وديانا جبلية عميقة أو صحارى قاحلة، فقد ودعت هذه المناطق تاريخيا الفقر المدقع. وتعد منطقة شيهايقو في منطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي بشمال غربي الصين مثالا بارزا على ذلك. فبحكم وقوعها في هضبة التراب الأصفر (اللوس) حيث المناخ الجاف وقلة الأمطار، يتراوح المعدل السنوي لهطول الأمطار فيها بين 200 و300 مليمتر، في حين يصل معدل التبخر السنوي إلى ما بين 1300 و1400 مليمتر. وقد وصف تسوه تسونغ تانغ، المسؤول البارز في أسرة تشينغ (1644- 1911م)، هذه المنطقة بأنها من أشد المناطق فقرا وجدبا في البلاد، كما صنفها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ضمن أكثر المناطق غير الملائمة لعيش البشر. غير أن الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية ظلا يوليان اهتماما كبيرا بقضية الفقر في شيهايقو. وبعد دراسات متكررة ودقيقة، قررا تنفيذ مشروع الري لمكافحة الفقر عبر رفع مياه النهر الأصفر إلى المرتفعات، لتصل إلى السكان المحليين “مياه الحياة” و”مياه الأمل” و”مياه السعادة”. وبعد عقود من الجهود المتواصلة، تحولت هذه الأرض القاحلة، التي كانت تعاني شح المياه، إلى منطقة صالحة للعيش والزراعة والتنمية. وفي عام 2020، خرجت المحافظات الفقيرة التسع التابعة لها جميعا من قائمة الفقر.
ومن حيث تحسين معيشة الشعب، لم تقتصر معركة التخلص من الفقر على حل مشكلة الغذاء والكساء لدى السكان الفقراء، بل حققت أيضا المعايير الشاملة المتمثلة في ضمان عدم القلق بشأن الغذاء والكساء، وضمان التعليم الإلزامي والرعاية الطبية الأساسية والسكن الآمن. فقد تم القضاء بشكل ديناميكي على مشكلة تسرب الأطفال في سن التعليم الإلزامي أو انقطاعهم عن الدراسة في المناطق التي تخلصت من الفقر، وأصبح التعليم الإلزامي حقا مضمونا لأبناء الأسر الفقيرة. كما تم توفير التأمين الصحي الأساسي والتأمين ضد الأمراض الخطيرة لجميع السكان الفقراء، مما أسهم بشكل كبير في تسهيل حصولهم على العلاج. علاوة على ذلك، تم ترميم وإعادة بناء المساكن غير الآمنة للأسر الفقيرة المسجلة، مما وفر سكنا آمنا لهم.
وفي جبال داليانغ بمقاطعة سيتشوان، توجد قرية أتولير، المعروفة باسم قرية الجرف. في الماضي، كان سكان القرية لا يستطيعون دخولها أو الخروج منها إلا عبر تسلق سلالم خطيرة مصنوعة من الحبال النباتية، وكان عرض بعض القطاعات لا يتجاوز كف اليد، ما جعل عملية التسلق محفوفة بمخاطر شديدة. وكان الأطفال يواجهون طريقا وعرا وخطيرا للوصول إلى مدارسهم، وكان السكان يعانون من صعوبة السفر لتلقي العلاج الطبي أو لتلبية احتياجاتهم اليومية. كان القرويون يعيشون في مساكن متواضعة وبسيطة تفتقر إلى البنية التحتية. ولمعالجة الأسباب الجذرية لتحديات بقاء القرية وتنميتها، تم نقل 84 عائلة فقيرة من قرية أتولير على مراحل في مايو 2020 إلى تجمع سكني مخصص لمساعدة الفقراء من خلال إعادة التوطين بمركز محافظة تشاوجيويه، تاركين وراءهم أخيرا مساكنهم الجبلية المتداعية. وأصبح جميع الأطفال في سن الدراسة يلتحقون الآن بالمدارس القريبة، من دون الحاجة إلى عبور الجبال والوديان طلبا للعلم. كما شمل التأمين الطبي الأساسي والتأمين ضد الأمراض الخطيرة جميع السكان، بحيث بات علاج الأمراض البسيطة متاحا داخل القرية، وأصبحت الحالات المرضية الخطيرة مشمولة بضمانات الحماية. ولم يقف التغيير عند هذا الحد، إذ بدأت مفاهيم الإنتاج لدى السكان المحليين تتبدل تدريجيا بفضل الإرشاد الصبور من كوادر مكافحة الفقر. فشرعوا في زراعة محاصيل اقتصادية مثل البرتقال أبو سرة وفلفل سيتشوان الأخضر والجوز، كما أسسوا تعاونية لتربية الأغنام، مما أتاح لهم تنويع مصادر الدخل وزيادتها.
أهمية عالمية لانتصار الصين في معركة التخلص من الفقر
في الصين، لم يكن التخلص من الفقر إنجازا بين عشية وضحاها، ولا إنجازا ينتهي بمجرد تحقيقه. لم يكن الانتصار في معركة التخلص من الفقر نهاية المطاف، بل كان نقطة انطلاق لحياة جديدة ونضال جديد. وانطلاقا من هذا الانتصار، ومن مرحلة جديدة من التنمية، طرحت الصين فكرة إستراتيجية مهمة تقوم على ترسيخ وتوسيع نطاق إنجازات التخلص من الفقر، وربطها بفعالية بالنهضة الريفية. ومن خلال نظرية منهجية ومتكاملة لهذا الترابط، قامت الصين بإثراء وتطوير نظرية لمكافحة الفقر ذات خصائص صينية، والتي لا توفر فقط توجيها علميا للتنمية المستدامة في المناطق التي يتم تخليصها من الفقر والنهضة الريفية الشاملة ولكنها تقدم أيضا مرجعا وتجربة للدول النامية في انتقالها من الحد من الفقر إلى تحديث الريف.
في نوفمبر عام 2024، وخلال القمة التاسعة عشرة لقادة مجموعة العشرين، ألقى الرئيس شي جين بينغ كلمة مهمة بعنوان “بناء عالم عادل ينعم بالتنمية المشتركة”، أوضح فيها، من خلال مسيرة الصين في التخلص من الفقر، أن مشكلة الفقر في الدول النامية يمكن حلها، متى تحلت هذه الدول بروح المثابرة والإصرار والكفاح، وبعزيمة تجعل قطرات الماء تثقب الحجر، وبالتزام تنفيذ المخطط حتى النهاية. وأكد أن الطائر الضعيف يستطيع أن يبدأ الطيران مبكرا وأن يحلق عاليا، وأن الصين نجحت، ويمكن للدول النامية الأخرى أن تنجح كذلك، وهذه هي الأهمية العالمية لانتصار الصين في معركة التخلص من الفقر. لم يقتصر نجاح الصين في معركة التخلص من الفقر على صمودها أمام اختبار الشعب والتاريخ فحسب، بل إن صعوبة هذه المعركة الاستثنائية جعلت التجربة الصينية تجربة قابلة للتطبيق وممثلة بشكل استثنائي، وعززت ثقة دول الجنوب العالمي في قدرتها على التخلص من الفقر. وأمام التجربة الصينية الناجحة، قال أحد قادة الدول الأفريقية إن الصين لا تمنحهم السمك فحسب، بل تعلمهم الصيد أيضا، وإنهم يأملون أن يتعلموا، بمساعدة الصين، كيف يصطادون السمك بأنفسهم. أما رئيسة بيرو آنذاك دينا بولوارت، فقد عبرت صراحة عن إعجابها بالتنمية الصينية، قائلة إنها تأمل في تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبناء دولة ذات آفاق بعيدة المدى، وتأمل أن تصبح بلادها مثل الصين. لا تظهر هذه التصريحات عظمة إنجازات الصين في مكافحة الفقر ومصداقيتها وتأثيرها العالمي فحسب، وإنما أيضا تجسد الأهمية العالمية للحكمة الصينية؛ إنها تجربة يمكن التعلم منها واعتبارها مصدرا للإلهام الروحي وصقل الإرادة.
وباعتبارها طريقة جوهرية في عملية التخلص من الفقر في الصين، استفادت دول نامية عديدة من “مساعدة الفقراء بشكل دقيق ومستهدف” وطبقتها في ممارساتها. ففي يونيو عام 2025، حضر الرئيس الصيني شي جين بينغ الدورة الثانية لقمة الصين- آسيا الوسطى، مؤكدا على حرص الصين على تعزيز التعاون مع دول آسيا الوسطى في مجالات الهيئات التشريعية والأحزاب السياسية والمرأة والشباب والإعلام ومراكز الفكر، وتعميق تبادل الخبرات في الحوكمة، وتقاسم التجارب في التنمية الخضراء والحد من الفقر ومكافحة الفساد وغيرها من المجالات. وفي صيف عام 2025، قال الأوزبكي جاسور دوفلاييف، الذي شارك في الدفعة الأولى للدورة التدريبية للمزارعين المهنيين بين الصين ودول آسيا الوسطى الخمس في كلية وينان المهنية والتقنية بمقاطعة شنشي في عام 2025، إن مسألة كيفية إطعام الصين 4ر1 مليار نسمة اعتمادا على مساحة محدودة من الأراضي الزراعية لطالما أثارت فضوله. وأضاف أن هذه الدورة أتاحت له أن يرى بعينيه تقنيات الصين المتقدمة في الزراعة المقاومة للجفاف، وعززت ثقته في مساعدة المزارعين في بلاده على تحسين جودة الزراعة ورفع كفاءتها وزيادة دخلهم. وقبل ذلك، استفادت أوزبكستان من نموذج “التعاونيات+ السلاسل الصناعية” لمساعدة الفقراء بشكل دقيق ومستهدف في محافظة فوبينغ بمقاطعة شنشي، فمكنت عشرة آلاف أسرة في الأوزبكستان من تطوير زراعات مميزة على مساحة عشرين ألف هكتار من الأراضي الحرجية، بما ساعدها على زيادة دخلها. وقال روسلان كنزاييف، نائب رئيس تحرير صحيفة ((آراء الشعب)) الأوزبكية، إن بلاده استفادت من نموذج الصين في مساعدة الفقراء بشكل دقيق ومستهدف ومساعدة الفقراء عبر تنمية الصناعات، ونفذت برامج للنهضة الريفية في وادي فرغانة، كما أنشأت نظاما إلكترونيا لملفات الأسر الفقيرة. وفي عام 2024، تخلص 719 ألف شخص في أوزبكستان من الفقر، وانخفضت نسبة الفقر في البلاد إلى 9ر8%.
وقد جرى تعميم النموذج الصيني القائم على تنمية الصناعات المميزة بما يتلاءم مع الظروف المحلية وبناء السلاسل الصناعية وتحفيز السكان المحليين على زيادة دخلهم، في عدد من الدول. فعلى سبيل المثال، ولمساعدة مدغشقر على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، أطلقت الصين في عام 2007، في إطار منتدى التعاون الصيني- الأفريقي، مشروع المركز النموذجي للأرز الهجين في مدغشقر. وتوجه عدد من الخبراء الزراعيين الصينيين إلى الحقول هناك، حيث أجروا بحوثا وتجارب نموذجية، وعملوا على تعميم التقنيات الزراعية. وبفضل تقنيات الأرز الهجين الصينية، زاد الإنتاج الزراعي في مدغشقر بشكل ملحوظ، مما ساعد على حل مشكلة نقص الغذاء هناك. ويواصل التعاون الزراعي بين الصين وأفريقيا تعمقه في إطار منتدى التعاون الصيني- الأفريقي والتشارك في بناء “الحزام والطريق”. وفي عام 2024، أنشئت في منطقة شامفا بمقاطعة ماشونالاند الوسطى في زيمبابوي، قرية نموذجية للتعاون الزراعي الصيني- الزيمبابوي. وما إن وصل فريق الخبراء الزراعيين الصينيين إلى القرية، حتى بدأ في معالجة أكثر المشكلات إلحاحا، وهي مشكلة المياه، من خلال حفر الآبار وتركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية ومد أنابيب المياه، وأنشأ نظاما للري تبلغ قدرته اليومية على توفير المياه 55 ألف لتر. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المياه المستقرة تصل إلى القرية وتروي الحقول. ولم يكتف الفريق الصيني بتعليم السكان المحليين تقنيات زراعة محاصيل مختلفة، بل شجعهم أيضا على المشاركة في الإدارة، بما جعل أعمال الزراعة وتربية المواشي وصيانة مرافق المياه أكثر انتظاما، وعزز قدرة القرية على الاعتماد على نفسها وتحقيق تنمية مستدامة.
تعميم تجربة الصين في بناء المناطق الريفية على المستوى العالمي
تقدم خبرات الصين في مشروع النهضة الريفية الخضراء، وممارساتها في تحسين بيئة المعيشة في المناطق الريفية وتعزيز البنية التحتية فيها، نماذج يمكن للدول النامية الاستفادة منها في بناء مناطقها الريفية. فعلى سبيل المثال، استفادت كمبوديا من التجربة الصينية في بناء الطرق الريفية، فعملت على تحسين شبكة النقل في الأرياف وتيسير تنقل السكان الريفيين ودفع نمو الاقتصاد الريفي. أما نيبال، فقد استفادت من النموذج الصيني في تحسين بيئة المعيشة الريفية ودفعت “إصلاح المراحيض” ومعالجة النفايات المنزلية، بما أسهم في تحسين البيئة الإيكولوجية في القرى. كما أطلقت الصين، بالتعاون مع الأمم المتحدة، التحالف العالمي للشراكة في الحد من الفقر والتنمية وأنشأت قاعدة البيانات العالمية لحالات الحد من الفقر بين الصين والأمم المتحدة، التي تضم حالات الحد من الفقر من أكثر من مائة دولة نامية، بما يعزز تبادل الخبرات العالمية في هذا المجال. وفي إبريل عام 2026، وفي العاصمة الإندونيسية جاكرتا، روى رئيسا قريتين إندونيسيتين، سبق لهما أن درسا في الصين أساليب بناء المناطق الريفية، تجربتهما الشخصية في دفع تنمية قريتيهما بعد عودتهما إلى بلدهما. وأشارا إلى أن أكثر ما ترك لديهما انطباعا عميقا في القرى الصينية هو النظافة والنظام ومشاركة الجميع. ومن هذا المنطلق، رأيا أن قريتيهما قادرتان تماما على الاستفادة من التجارب والممارسات الصينية، واستيعابها وتكييفها مع الواقع المحلي، ثم إجراء تحسينات أكثر ملاءمة للظروف الخاصة، بما يجعلهما أفضل.
لقد ظل نموذج التحديث الغربي، على مدى فترة طويلة، ينظر إليه بوصفه طريقا وحيدا نحو الحداثة والازدهار. غير أن ممارسة الصين، من التخلص من الفقر إلى النهضة الريفية، شقت طريقا للتحديث لا يقوم على التبعية، بل يتسم بالاستدامة والشمول، فكسرت احتكار النموذج الغربي للتحديث ووفرت للدول النامية خيارا جديدا في مسيرتها نحو التحديث.
في الوقت الراهن، لا تزال مشكلة الفقر في العالم حادة، ويتزايد بروز اختلالات التنمية، وتواجه مسيرة التنمية والتقدم البشري تحديات عديدة. فالفقر قضية عالمية، وحلها يتطلب تعاونا عالميا وحوكمة مشتركة. انطلاقا من نقطة البداية الجديدة المتمثلة في الذكرى السنوية الخامسة لانتصار الصين في معركة التخلص من الفقر، ستواصل الصين التمسك بفكرة التنمية المتمثلة في وضع الشعب في المقام الأول، وتعزيز وتوسيع منجزات التخلص من الفقر بصورة مستمرة، والدفع الشامل للنهضة الريفية، وتعزيز الرخاء المشترك بخطوات راسخة، وفتح آفاق جديدة باستمرار للتحديث الصيني النمط. وفي الوقت نفسه، ستواصل الصين التمسك بمفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وتعميق التعاون الدولي في مجال الحد من الفقر، وتقاسم التجربة الصينية، وتقديم الإسهام الصيني، والعمل يدا بيد مع دول العالم، وبقلب واحد وجهد مشترك، من أجل التخلص من الفقر، وتعزيز التنمية المشتركة، وصون السلام العالمي، والدفع نحو بناء عالم ينعم بسلام دائم وأمن شامل وازدهار مشترك وانفتاح وشمول ونظافة وجمال، بما يسطر فصلا أكثر إشراقا في مسيرة تنمية وتقدم البشرية.
—
شيا يي بو، باحث مشارك في معهد الماركسية بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية.




