رأيعلى طريق الحرير

ست وخمسون قومية ووطن واحد… ما رأيته في عشرات المدن الصينية

وارف قميحة

رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني

على امتداد سنوات من السفر إلى الصين، زرت عشرات المدن، من الحواضر الكبرى التي تختصر جانبًا من التحول الاقتصادي والتكنولوجي الهائل الذي عرفته البلاد، إلى مدن ومناطق تحتفظ بملامح ثقافية واجتماعية شديدة الخصوصية. وبين مسجد دخلته في مدينة، ومعبد زرته في مدينة أخرى، وأسواق وأحياء قديمة وحديثة جلت فيها، ولقاءات جمعتني بأشخاص من قوميات مختلفة، لم تعد عبارة “القوميات الست والخمسون” بالنسبة إليّ مجرد رقم أقرأه في كتاب عن الصين، بل تحولت مع الوقت إلى وجوه وأماكن وعادات وأطعمة وملابس ولغات وحكايات عشت جانبًا منها عن قرب.

أثار اهتمامي خلال تلك الرحلات أن هذا التنوع الواسع لا يظهر دائمًا باعتباره خطوطًا تفصل بين الناس. كنت أرى الاختلاف، وأحيانًا أراه بوضوح شديد، لكنني كنت أرى إلى جانبه مساحات واسعة من الحياة المشتركة. فالمدينة الصينية الواحدة قد تحمل آثارًا من مراحل تاريخية مختلفة، وتجمع أنماطًا معمارية وثقافية ودينية متعددة، فيما يلتقي أبناؤها في المدرسة والجامعة والعمل والسوق والفضاء العام تحت مظلة دولة وهوية وطنية واحدة.

وكانت شينجيانغ من أكثر التجارب التي أتاحت لي الاقتراب من هذا التنوع، وقد دفعتني زياراتي إليها وما شاهدته فيها لاحقًا إلى تخصيص كتاب لها. لكنها لم تكن تجربتي الوحيدة مع تعدد القوميات والثقافات في الصين. ففي مناطق أخرى التقيت بأناس يختلفون في انتماءاتهم القومية والثقافية، ووجدت أن معرفة الصين تصبح أكثر تعقيدًا كلما حاول المرء اختصارها في صورة واحدة. فهذه البلاد الشاسعة ليست كتلة بشرية وثقافية متشابهة، وإنما فسيفساء تشكلت عبر قرون طويلة من التاريخ والتفاعل والهجرة والتبادل.

عندما قرأت العبارة التي قالها الرئيس شي جين بينغ في المؤتمر الوطني للثناء على تضامن القوميات وتقدمها في 27 أيلول/سبتمبر 2019، استوقفتني لأنها تضع هذه المسألة في قلب المشروع الوطني الصيني: “أبناء الشعب من كل القوميات مثل أفراد أسرة واحدة، وهذا هو الضمان الأساسي لتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية حتمًا”.

تختصر عبارة “أسرة واحدة” جانبًا مهمًا من الطريقة التي تقدم بها الصين رؤيتها لمسألة القوميات. فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس إنكار وجود الاختلاف، بل بناء دائرة أوسع للانتماء تجمع القوميات الست والخمسين ضمن مفهوم “المجتمع المشترك للأمة الصينية”. ولذلك لا تُطرح المسألة باعتبارها شأنًا ثقافيًا أو إثنيًا منفصلًا، وإنما ترتبط بالتنمية والتعليم والقانون والهوية الوطنية والرخاء المشترك والتفاعل الاجتماعي.

وإدارة التنوع في بلد بهذا الحجم وبهذا العدد من السكان والقوميات ليست مسألة بسيطة، ولا يمكن اختزالها في الاحتفاء بالتراث والملابس والأطعمة الشعبية. السؤال الأعمق هو كيف تتحول التعددية إلى حياة مشتركة، وكيف يمكن المحافظة على الخصوصيات الثقافية من دون أن تتحول إلى جزر منفصلة، وكيف تُبنى هوية جامعة من دون أن يصبح الاختلاف سببًا للانقسام.

وفي كلمة ألقاها شي جين بينغ في 27 أيلول/سبتمبر 2024، تظهر أهمية التفاعل المباشر في الإجابة الصينية عن هذا السؤال، إذ قال: “ينبغي دفع الترابط الشامل بين جميع القوميات، وتعزيز التواصل والتبادل والاندماج بينها بنشاط”. فمفردات التواصل والتبادل والاندماج تتجاوز التعايش بمعناه البسيط، أي قبول كل طرف بوجود الآخر، إلى الاحتكاك والتفاعل وبناء المصالح والتجارب المشتركة.

ويمكن للزائر أن يلمس جانبًا من ذلك في الحياة اليومية. فالثقافة المحلية لا تختفي بالضرورة أمام الهوية الوطنية الأوسع؛ تتغير الأطعمة واللهجات والعمارة والملابس وبعض العادات من مكان إلى آخر، فيما تبقى مساحة تجمع الناس. وهذا التوازن ليس أمرًا يُنجز مرة واحدة أو عملية خالية من التحديات، فإدارة التنوع مسار مستمر، ولا سيما في دولة شهدت خلال عقود قليلة تحولات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية هائلة.

ولا يمكن فهم السياسة الصينية تجاه القوميات من دون إدخال التنمية في المعادلة. فالفقر والعزلة والتفاوت في الفرص يمكن أن تحول الاختلاف الثقافي إلى فجوة اجتماعية واقتصادية، ولذلك ارتبطت سياسات المناطق التي تسكنها الأقليات القومية بالبنية التحتية والتعليم والخدمات ومكافحة الفقر وربط المناطق البعيدة بالأسواق والمدن الكبرى. فالطرق والسكك الحديدية والمطارات وشبكات الاتصال والمدارس والمرافق العامة ليست أدوات اقتصادية فقط، بل تؤدي دورًا في تقليص المسافات وربط المناطق والسكان بصورة أعمق بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

ويعبّر شي عن هذا البعد بقوله عام 2024: “ينبغي تسريع التنمية العالية الجودة في مناطق الأقليات القومية، ودفع تحقيق الرخاء المشترك لأبناء جميع القوميات بخطوات راسخة”. ويغدو مفهوم “الرخاء المشترك” جزءًا من معادلة الوحدة نفسها؛ إذ يصعب تعزيز الشعور بالانتماء إلى وطن واحد إذا اتسعت باستمرار المسافات الاقتصادية والاجتماعية بين مناطقه ومكوناته.

واكتسب هذا المسار خلال العام الجاري بعدًا قانونيًا أكثر وضوحًا. ففي 12 آذار/مارس 2026 أقر المجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب “قانون جمهورية الصين الشعبية لتعزيز التضامن والتقدم بين القوميات”، وأصدره الرئيس شي جين بينغ بموجب المرسوم الرئاسي رقم 71، ودخل القانون حيز التنفيذ في الأول من تموز/يوليو من العام نفسه.وتعكس بنية القانون إلى حد بعيد المحاور التي تقوم عليها الرؤية الصينية لهذه القضية؛ فإلى جانب الأحكام العامة والضمانات والمسؤوليات القانونية، تتناول فصوله بناء الموطن الروحي المشترك، وتعزيز التواصل والتبادل والاندماج، ودفع الرخاء والتنمية المشتركة. ويجمع النص بذلك بين الهوية والثقافة والتنمية والتفاعل الاجتماعي، بدل التعامل مع قضية القوميات باعتبارها ملفًا منفصلًا عن مجمل عملية بناء الدولة والمجتمع.

ولا تقتصر دلالة القانون على تحويل مجموعة من التوجهات المتعلقة بالقوميات إلى أحكام قانونية، بل يضع هذه المسألة بصورة أوضح داخل منظومة الحوكمة وسيادة القانون. ويتقاطع ذلك مع تأكيد شي جين بينغ أن شؤون القوميات ينبغي أن تُدار وفق القانون، وأن تستمر القدرة على حوكمتها في التطور والارتقاء. فالوحدة الوطنية في هذه الرؤية لا تبقى مفهومًا سياسيًا مجردًا، بل ترتبط بمؤسسات وسياسات وحقوق وواجبات ومصالح مشتركة.

غير أن ما بقي في ذاكرتي من رحلاتي لا يقتصر على القوانين أو مؤشرات التنمية. ففي السوق والمطعم والشارع ودور العبادة تصبح المفاهيم الكبيرة أكثر قربًا من الحياة. هناك يظهر التنوع في طريقة لباس ولهجة وطبق طعام وموسيقى وذاكرة عائلية وممارسة دينية وعلاقة بالمكان.

ومن تجربتي، لا أعتقد أن فهم الصين ممكن من بكين وشنغهاي وحدهما، على أهميتهما. فكلما اتسعت دائرة السفر داخل البلاد ظهرت صين أخرى إلى جانب الصورة المعروفة عالميًا عن المصانع وناطحات السحاب والقطارات فائقة السرعة والذكاء الاصطناعي؛ صين تحمل في داخلها تنوعًا بشريًا وثقافيًا واسعًا وتسعى في الوقت نفسه إلى صياغة انتماء وطني يجمع هذا التنوع.ولا أطرح ما شاهدته باعتباره حكمًا نهائيًا على بلد بهذا الاتساع والتعقيد. فمشاهدات المسافر، مهما تعددت المدن والرحلات، تبقى نافذة على واقع أوسع منها، لكنها أتاحت لي أن أرى عن قرب جانبًا لا يظهر دائمًا في النقاشات الخارجية حول الصين: حياة يومية لأناس يحملون خصوصيات ثقافية وقومية مختلفة ويعيشون في فضاء وطني واحد.وتقودني هذه التجربة إلى جانب آخر في رؤية الصين للعالم. ففكرة الاعتراف بالاختلاف والبحث في الوقت نفسه عما يجمع الناس تظهر، بصيغة أوسع، في الخطاب الصيني بشأن العلاقات بين الحضارات.

وعندما طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة الحضارة العالمية في 15 آذار/مارس 2023، وضع احترام تنوع الحضارات في صلبها، إلى جانب التمسك بالقيم المشتركة للبشرية، والاهتمام بوراثة الحضارات وابتكارها، وتعزيز التبادل والتعاون الإنساني والثقافي بين الشعوب. ويمكن قراءة صلة فكرية بين هذه المبادئ وبعض المفاهيم التي تقوم عليها إدارة التنوع داخل الصين: المختلف لا ينبغي أن يصبح بالضرورة خصمًا، والتواصل لا يعني إلغاء الخصوصية، والبحث عن المشترك لا يتطلب أن يصبح الجميع متشابهين.

وتستحق العلاقة بين هذين المستويين التأمل. ففي الداخل تتحدث الصين عن مجتمع مشترك للأمة الصينية يجمع قوميات متعددة، وفي رؤيتها للعالم تدعو إلى احترام تنوع الحضارات والتعلم المتبادل بينها. والمستويان ليسا متطابقين بالطبع؛ فالدولة الوطنية لها قوانينها ومؤسساتها وهوية مواطنيها المشتركة، فيما يقوم العالم على دول وشعوب وحضارات مستقلة. لكن ثمة فكرة تصل بينهما: البحث عما يجمع من دون افتراض أن الوحدة تستلزم التطابق.وتجعل هذه التجربة إدارة التنوع في الصين موضوعًا يستحق الدراسة بعيدًا عن القراءات المسبقة والاختزالات الجاهزة. فدولة تضم ستًا وخمسين قومية وتعيش تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة لا يمكن قراءة تجربتها من خلال شعار واحد، بل في مدنها ومناطقها المختلفة، وفي قوانينها وسياساتها، وقبل ذلك في حياة الناس اليومية.

بعد عشرات المدن والعديد من الرحلات، بقيت لدي صورة المسجد والمعبد والسوق والشارع أكثر قدرة على شرح هذا الجانب من الصين من كثير من الأرقام. فالاختلاف في تلك المساحات حاضر ومرئي، لكن الحياة المشتركة حاضرة أيضًا.

ولعل عبارة شي جين بينغ عن أبناء القوميات باعتبارهم “مثل أفراد أسرة واحدة” تكتسب معناها الأوسع عند النظر إليها من هذه الزاوية. فالأسرة لا تقوم لأن أفرادها متطابقون، وإنما لأنها تستطيع الاحتفاظ بما يجمعهم رغم اختلافهم. وإذا كانت الصين تسعى إلى بناء هذا المشترك بين قومياتها الست والخمسين، فإن مبادرة الحضارة العالمية تنقل السؤال إلى فضاء أرحب: هل يستطيع عالم متعدد الحضارات والثقافات والأديان أن يبني مساحة مشتركة، من دون أن يطلب من شعوبه التخلي عن اختلافها؟

ربما يكون هذا أحد أهم الأسئلة التي يحتاج عالمنا اليوم إلى التفكير فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى