77 عاماً على الصين الجديدة… مسيرة دولة وعالم يتغيران معاً

وارف قميحة
لم تُقطع المسافة بين الصورتين في مرحلة واحدة. انشغلت السنوات الأولى لجمهورية الصين الشعبية ببناء الدولة وتأمين الاحتياجات الأساسية لمجتمع أنهكته الحروب، ثم تعاقبت تجارب ومراحل مختلفة إلى أن جاء الإصلاح والانفتاح في أواخر سبعينيات القرن الماضي، فبدأت مرحلة طويلة من التصنيع والاستثمار والتجارة وبناء البنية التحتية. ومع اتساع الاقتصاد وتغير المجتمع، تقدمت أولويات أخرى تتعلق بالتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار والتنمية الخضراء.
وإذا كان ثمة ما يستحق التوقف عنده في هذه المسيرة، فهو قدرة الصين على الجمع بين التخطيط الطويل وتغيير الأدوات حين تتغير الظروف. فالاقتصاد الذي تجاوز ناتجه المحلي الإجمالي عام 2025، حاجز 140 تريليون يوان لم تصنعه قفزة واحدة، وإنما تراكم استمر عقوداً. والخطط الخمسية المتعاقبة تعكس هذا الأسلوب؛ كل مرحلة تبني على ما تحقق قبلها وتعيد ترتيب الأولويات وفق حاجات المرحلة التالية.
وقد تغيرت طبيعة الاقتصاد مع هذا التراكم. فالصين التي عُرفت لعقود بأنها مصنع العالم أنفقت نحو 3.93 تريليون يوان على البحث والتطوير عام 2025، بالتوازي مع تقدمها في الذكاء الاصطناعي والفضاء والاتصالات والمركبات الكهربائية والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة. كما تجاوزت القدرة المركبة للطاقة المتجددة 2.3 مليار كيلوواط بنهاية العام نفسه. وتعكس هذه التحولات انتقالاً تدريجياً من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على حجم الإنتاج إلى اقتصاد يمنح المعرفة والتكنولوجيا والابتكار وزناً متزايداً.
لكن الأرقام الاقتصادية لا تروي القصة كاملة. فعند تأسيس الجمهورية الشعبية كان متوسط العمر المتوقع في حدود 35 عاماً، وكانت الأمية واسعة الانتشار. وخلال العقود التالية تغيرت مؤشرات الصحة والتعليم والدخل والسكن والعمل، وخرج مئات الملايين من دائرة الفقر. وفي عام 2025 تجاوز متوسط الدخل المتاح للفرد 43 ألف يوان، مع بقاء تقليص الفوارق بين الريف والمدن وبين المناطق الساحلية والداخلية ضمن التحديات التي تعمل الصين على معالجتها.
وقد أتاحت لي رحلاتي المتعددة إلى الصين، وزيارة نحو أربعين مدينة ومنطقة، أن أرى جانباً من هذه التحولات بعيداً عن الجداول الإحصائية. ففي شينجيانغ التقيت المزارع الأويغوري عبد الله، وكان حديثه عن أرضه وعمله وأسرته ودخله أكثر قدرة على إعطاء الأرقام معناها الإنساني. وفي مدن أخرى رأيت كيف تغير الطرق وشبكات النقل حركة الناس والعمل والتعليم، وكيف تنتقل آثار التنمية من المشروعات الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ومع اتساع ما رأيته من الصين، أصبح من الصعب اختزالها في بكين وشنغهاي وشنتشن، أو في القطارات فائقة السرعة والمصانع والمدن الحديثة. فالصين التي تظهر في المدن الساحلية ليست كل الصين، مثلما أن الريف ومدن الداخل لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات التي يشهدها البلد كله. وهذا التنوع بين المناطق والتجارب ضروري لفهم دولة بهذا الحجم السكاني والجغرافي.
وفي عهد الرئيس شي جين بينغ، اتسعت الصلة بين التنمية الداخلية ورؤية الصين لدورها الخارجي. ويعبر مفهوم “التحديث الصيني النمط” عن مواصلة التحديث وفق الخصائص الصينية والتجربة التاريخية للبلاد، بينما تعكس مبادرة الحزام والطريق، ثم مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، تصوراً أوسع لعلاقة الصين بالعالم.
وعند قراءة هذه المبادرات مجتمعة، تظهر محاولة للربط بين التنمية والأمن والحوار بين الحضارات والحوكمة الدولية. فالتنمية تتأثر بالاستقرار، والاستقرار يتأثر بدوره بفرص التنمية، والتعاون بين مجتمعات مختلفة يحتاج إلى معرفة متبادلة واحترام للتنوع، فيما تفرض التحولات في الاقتصاد وموازين القوة نقاشاً متزايداً حول قدرة المؤسسات الدولية القائمة على مواكبة واقع مختلف عن ذلك الذي نشأت فيه.
وفي كلمته بمناسبة الذكرى السابعة والسبعين لتأسيس الجمهورية، أكد الرئيس شي جينبينغ السياسة الخارجية المستقلة للسلام، وتنفيذ المبادرات العالمية الأربع، والدفع نحو بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية. ويأتي ذلك في مرحلة دولية تزداد فيها النزاعات والمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية. وبالنسبة إلى اقتصاد ارتبط جانب كبير من نموه بالانفتاح والتجارة الدولية، تبقى العلاقة مع العالم جزءاً أساسياً من حسابات التنمية الصينية.
أما عربياً، فقد تطورت العلاقات مع الصين بسرعة، فيما لم تتقدم المعرفة المتبادلة بالوتيرة نفسها. فالتجارة والاستثمارات توسعت، لكن العلاقة ما زالت تملك مجالاً أكبر في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والطاقة والصحة والسياحة والثقافة والترجمة.
ولسنوات طويلة، عرف كثير من العرب الصين عبر ما كتبه الآخرون عنها، كما وصلت صورة العالم العربي إلى الصين أحياناً عبر وسائط غير عربية. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى معرفة أكثر مباشرة: باحثون يعرفون اللغة والمجتمع، وكتب وترجمات متبادلة، وتعاون جامعي مستمر، وإعلام قادر على تقديم الطرف الآخر بعيداً عن الصور الجاهزة. فالمصالح تساعد على بناء العلاقات، أما المعرفة فتمنحها القدرة على الاستمرار وفهم الاختلافات حين تتغير الظروف.
وتحمل المناسبة معنى خاصاً للبنان، إذ تتزامن الذكرى السابعة والسبعون لتأسيس جمهورية الصين الشعبية مع مرور خمسة وخمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية اللبنانية الصينية. والتواصل بين الجانبين أقدم من عام 1971؛ فقد كان شرق المتوسط حاضراً منذ قرون في شبكات التجارة التي ربطت آسيا بالمنطقة، وتلت ذلك صفحات ثقافية وإنسانية سبقت العلاقات الرسمية.
يملك لبنان، رغم صغر مساحته والأزمات التي مر ويمر بها، عناصر يمكن البناء عليها في هذه العلاقة: موقعه على شرق المتوسط، وجامعاته، وإرثه الثقافي، وانتشار أبنائه، وتاريخه في النشر والترجمة والإعلام. كما تتيح الصين مجالات للتعاون في التكنولوجيا والتعليم والسياحة والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وتفتح أمام لبنان نافذة أوسع على آسيا التي يزداد وزنها في الاقتصاد العالمي.
ولا أرى التجربة الصينية نموذجاً جاهزاً يمكن نقله إلى مجتمعات أخرى؛ فلكل بلد تاريخه ومؤسساته وظروفه. قيمتها بالنسبة إلى الباحث والمراقب تكمن في الأسئلة التي تطرحها: كيف يمكن لدولة أن تحافظ على أهداف طويلة المدى بينما تغير أدواتها؟ وكيف تنتقل من معالجة الفقر ونقص البنية التحتية إلى منافسة عالمية في التكنولوجيا والابتكار؟ وكيف تدير نتائج النجاح نفسها حين تخلق تحديات جديدة في السكان والاقتصاد والبيئة؟
هذه الأسئلة ترافق الصين وهي تدخل عامها الثامن والسبعين مع بدء تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة. أمامها تحديات تختلف عن تلك التي واجهتها الأجيال السابقة، وستكشف السنوات المقبلة عن الطريقة التي ستتعامل بها معها.
وبعد سنوات من السفر إلى الصين، بقي لدي انطباع يتأكد مع كل زيارة: الصين التي تغادرها اليوم قد لا تكون تماماً الصين التي تعود إليها غداً.




